يبقى التاريخ المحلي مهماً في تاريخ أي أمة أو مجتمع أو دولة أو منطقة على مدى العصور وخير شاهد على مجريات الأحداث الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن الأهمية خدمة تاريخ المملكة وتوثيق المصادر التاريخية والروايات الشفوية للمعاصرين والرواد لرصد الجوانب المهمة في تاريخنا.
|
ومن الملاحظ أن دارسي حياة أي أمة من الأمم يهتمون بدراسة تاريخها والغوص في أعماق فكرها واستقصاء جوانب من تربيتها، وما نشأت عليه من قيم ومثل وفضائل وصفات خلقية لما لذلك من دور مهم في بناء الأمم والحضارات، وأن اهتمام أي أمة من الأمم بتاريخها الأصيل وتراثها المجيد وماضيها المشرق إنما يدل دلالة واضحة على ما يتصف به أبناؤها من فكر مستنير ووعي عميق وإدراك قوي ونظرة ثاقبة.. فالاهتمام بالتاريخ الوطني دليل وعي إذ هو الوعاء الحافظ للحركة والنشاط والعمل والبناء وضروب العطاء والصور المضيئة من أعمال الأمة.. ولأهمية التاريخ المحلي في بناء الدول وتكوين الأمم ونموها ونهضتها وتطورها وازدهارها ورقيها ومستوى وعيها الحضاري فإنه ينبغي الاهتمام بدراسة التاريخ والوعي به والعناية بالتاريخ الوطني للأمة ودراسته دراسة فاحصة متمعقة، ونرى اليوم في الكثير من الدول إقامة المراكز والمؤسسات والمعاهد التي تهتم بالتاريخ ودراسته وإلقاء الضوء على ما فيه من صور البطولة والقدوة الحسنة والبحث عن دور رجالها وروادها وعطائهم ومساهماتهم التاريخية والحضارية في موكب الحياة ومسيرة البناء وإبراز الشخصية الوطنية وما لها من دور ريادي وأعمال فاعلة ومؤثرة في مختلف جوانب الحياة، ولا ريب أن علماء التاريخ والرواة الأوائل قد أمعنوا في الجهد والاهتمام وتدوين التاريخ، ويظهر هذا واضحا كل الوضوح في كتب الرعيل الأول ممن حرصوا على كتابة أحداث التاريخ التي نقرؤها في كتبهم كنصوص تاريخية مختلفة باختلاف المؤرخين وعصورهم وبيئاتهم وظروفهم، ولقد كان أسلافنا يؤرخون بالأيام والحروب والحج وحرب الأوس والخزرج، وبعام الخنان، وهو عام شمل أكثر الناس فيه هذا الداء كما قال النابغة الجعدي:
|
فمن يك سائلا عني فإني |
من الفتيان في عام الخنان |
وهكذا كانوا يؤرخون بيوم من أيامهم المشهورة إلى أن جاء الله بالإسلام فأجمع المسلمون على التاريخ من الهجرة، ومن يطالع كتب الواقدي وابن إسحاق وابن هشام وابن سعد وابن كثير وغيرهم يدرك جهد المؤرخين واهتمام الأمم بقراءة التاريخ ورواية الأخبار وتدوينها وترتيبها بحسب السنين.
|
إن هناك الكثير من جوانب حياتنا ومظاهرها التاريخية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية تحتاج إلى تدوين ودراسة وفق منهج حديث.
|
إن هناك الكثير في تاريخنا المحلي ينتظر جهود الباحثين، ويستحق الكشف والدراسة، فتاريخنا المحلي جدير منا بكل رعاية وعناية واهتمام، وكم هي الوقائع والأحداث والقصص التي سمعناها مشافهة من الآباء والأجداد كان حقها أن تروى ولا تطوى.. إن على أقسام التاريخ في جامعاتنا أن تقوم بدورها في هذا المضمار بحيث تكون مشروعات البحوث في هذه الأقسام تتعلق بتاريخنا المعاصر الذي نعيشه واقعاً في حياتنا.. فهذه البحوث ستسهم في حفظ تاريخنا من النواحي الثقافية والحضارية والاجتماعية.
|
* أمين عام دارة الملك عبدالعزيز الأسبق. |
|