ترعرع في أبها وعاش فيها ميعة الصبا وأحلام الشباب. أبها التي شهدت ولادته في عام 1344هـ. أبها التي يحنّ إليها كلما جالت الصور والذكريات في خاطره وأمام ناظره. إنه الوالد سعيد بن مشبب القحطاني (الرجل الذاكرة) كما يحلو لي تسميته، فعندما أحتاج إلى فتح نافذة على ماضي أبها والخميس بحكم عمره المديد أجدني ألجأ إليه لتسجيل بعض الذكريات.
|
عمل في إمارة عسير موظَّفاً بعد إتمامه المرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى مالية عسير نظراً لنباهته، ثم موظفاً في شرطة أبها، وعاد بعدها للمالية. وقد عايش عدداً من مديري المالية التي كان يرأسها الشيخ عبد الوهاب أبو ملحة، وكان من مديري المالية الذين يذكرهم: إبراهيم إسلام، عمر مهدي، حسين سمكري، عبد القادر خورشيد، عبد الرحمن الجاسر. وكان من كتّابمحمد فايع الشيخمحمد فايع عبد الوهاب رجل يُسمَّى عبد الله بن مسفر.
|
عندما جلست لأكتب شيئاً من ذاكرة أبي عبد الله حرصت على أن أنعش الذاكرة بعدد من أسماء الرجالات في ذلك العهد، وخصوصاً أن بعضهم قد طارت به الوظيفة في أنحاء من الوطن، وبعضهم قد انتقل إلى جوار ربه، وقد وجدت في الكتابة عنه متعة الأمس الجميل.
|
فحينما سألته عن المعلمين الذين يذكرهم ذكر ناصر بن فرج، وهو أحد رواد التعليم في المنطقة، وكان صاحب كتَّاب، وكذلك عبد الرحمن المطوع وعبد الرحيم الأهدل.
|
ولأنه من طلبة المدرسة السعودية الأولى بأبها التي فتحت أبوابها في عام 1355هـ فهو يذكر مديرها الأول عبد الرحيم الأهدل، ومن معلمي المدرسة عبد المالك الطرابلسي. ويذكر أحمد الأهدل معلم الحاسب، ومحمد إسماعيل الأبي، وغيرهم. ومن زملاء الدراسة ذكر لي إسماعيل بن معنى ومحمد أبو شقارة ومحمد إبراهيم مطاعن، والثلاثة قد رحلوا وكان آخرهم محمد مطاعن. ومن زملائه محمد عبد القادر الحفظي وعبد الله عبد الرحمن المطوع.
|
الوالد سعيد المشبب لطيف الحديث كريم الطباع، عرف عنه بره بأمه، ولديه ذاكرة جيدة لكثير من الأحداث تحتاج إلى تدوين وتسجيل في حينها، ولديه رسوخ في فهم الحياة والرجال، وعلى مر السنوات الماضية كنت أتواصل معه فكرياً وتاريخياً عبر الفاكس والرسائل الإخوانية، وعلى الرغم من فارق العمر فقد كان متجاوباً متواضعاً مرحباً بالجلسات وتبادل الذكريات معه. وهو صاحب حظ ورجاحة عقل، وكانت له آراء سديدة، أذكر منها ما عرفته منه شخصياً بالأثبات عندما رفع خطاباً إلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران في 16-12-1382هـ يعرض فيه فكرة استثمار المساحة الواقعة بين أبها والخميس، وهي أرض فضاء ورحبة، لتكون مطاراً مدنياً للمنطقة، وكان يشير إلى أن مطار الخميس، وهو في الأصل مطار عسكري، ليس من المناسب أن يتحول جزء منه إلى مطار مدني كما كان يُخطَّط له آنذاك، وذلك حفاظاً على سرية وحساسية المطار العسكري الذي تحول فيما بعد إلى قاعدة خميس مشيط الجوية، وكان رأيه السديد طريقة لإنشاء مطار أبها في موقعه الحالي، ومن هذا نستبين أمرين؛ حسه الوطني ونظرته الثاقبة، وهما لعمري من السمات الرائعة في حياة الرجال المخلصين والرائعين، وهو ما يسعى إلى غرسه في أبنائه عبد الله وإخوته.
|
ليس هذا فحسب ما عرفته عن شخصية هذه المقالة في السلسلة الطويلة من مقالاتي المعنونة ب(رجال في ذاكرة عسير)، إنما هو تبرُّعه السخي قبل 40 سنة بمنزله الشخصي في حي لبنان بأبها ليُحوَّل إلى مدرسة للبنات لمدة عام أو المدة التي يراها مسؤولو التعليم في أبها، وقد عرض الأمر على سليم الرشيد، وتلقَّى شكراً من الرئيس العام لتعليم البنات الشيخ ناصر رحمه الله في ذلك الوقت. وكان لإسهامه في إحداث كليات البنات في أبها عام 1396ه أثر طيب عند سمو أمير المنطقة والمواطنين عندما عرض عليه مزيد المزيد التعاون معهم في إنشاءات مباني الكلية في مزرعته الكبيرة في مدينة سلطان، وقد رحب بكرم وسخاء وأسهم في إنشاء قاعات الكلية التي كانت تُزاد عاماً بعد عام، ومازالت الكلية (الأقسام الأدبية) في موقعها في مزرعة الوالد سعيد بعد أن مكثت فيها فترةً ثم عادت إليها وقد شغلتها فترةً كلية البنين، ولكنه أراد أن يسهم في ازدهار تعليم البنات العالي في منطقته بموافقته وتعاونه على قبول رغبة القائمين عليها مقابل أجرة سنوية بأقل مما كان يُقدَّم له من تعليم البنين.
|
في تصوُّري العام عن أبي عبد الله أنه صاحب تجربة ثرية في الحياة، ليس لأنه تنقل بين عدة وظائف أو لأنه قضى 40 سنة في خدمة بلده، كان آخرها الممثل المالي لوزارة المالية في أبها، ليس هذا فحسب، ولكن لأنه عاش فترة ذهبية كان فيها العطاء والكفاح عنوان الحياة، فما بين عمله في المالية من الرياض إلى عسير ورحلاته إلى مكة المكرمة مسافات وحكايات، وقد أعجبت لاهتمامه بالتراث وحرصه على جمعه ودفعه أيّ ثمن لاقتناء محتوياته، وبخاصة أن متحفه يضم جنابي ومصوغات ونقوداً وأواني وصحفاً ومشغولات بعضها له من العمر 70 سنة، وبخاصة العملات النقدية التي تحمل دمغات للذكرى يعود بعضها إلى عام 1354هـ، وكان منها الذي شدَّني عملة نقدية من الذهب تحمل صورة الملك فيصل وقد حملت عبارة: رائد التضامن الإسلامي، وكذلك بعض الريالات العربية القديمة المضروبة في مكة، ووجدت في متحفه مصاحف قرآنية صغيرة 3?2سم، وساعات قديمة من التي تُعلَّق بسلسال في الجيب أو على الصدر، وخطابات من الأمير سعيد بن مشيط مؤرَّخ في 24-8-1379هـ بشأن مخصصات مالية حمل عبارات الحب والثناء لشخصه.
|
هذه صفحة لأحد رجالات منطقة عسير أردتُ أن تظهر للوجود ليعرف الأبناء حق الأباء، ويتعرف الأجيال على زمن جميل مضى لعلّ مَن يطَّلع عليه يجد المتعة والفائدة. وعلى لساني بيت أردده خاتماً هذه الأسطر:
|
وإذا الكريم مضى وولى عمره |
كفل الثناء له بعمر ثانِ |
ترى هل كرّم سعيد المشبب نظير ما قدَّم لوطنه ومنطقته أم لا؟!
|
|