القسم السياسي أحمد أبا الخيل:
لا يكاد يختلف اثنان على ما تحتله المملكة العربية السعودية من مكانة عالمية كبيرة بسبب ما تتمتع به من مقومات حضارية ودينية واقتصادية وجيوسياسية.
وبسبب ما تتمتع به من قيادة استطاعت عبر الزمان ومنذ تأسيس هذا الكيان الشامخ أشن تستثمر هذه المقومات في سبيل تحقيق رفاهية الشعب السعودي ومساعدة الشعوب العربية والإسلامية وحل قضاياه والمطالبة بحقوقه المشروعة، عبر كثير من المنابر.
والمملكة اليوم وبقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز تحمل الهمَّ العربي على عاتقها وتساهم بشكل فعال في حل مشاكل الأمة العربية بكل ما أوتيت من قوة. ولعل كثير من المتابعين يستحضر اتفاق مكة المكرمة في الأذهان، ذلك الاتفاق التاريخي الذي أنقذ الفلسطينيين من الانزلاق نحو حرب أهلية طاحنة بين الإخوة، وساهم في رأب الصدع. وكان الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد أطلق مناشدة تاريخية للإخوة الفلسطينيين لتغليب لغة العقل وروح الأخوة لوقف الاقتتال والجلوس إلى طاولة المحادثات.
وهو ما تم بحمد الله في مكة المكرمة باستضافة خادم الحرمين الشريفين ورعايته، الذي أدى في نهاية المطاف إلى عهد تاريخي من قبل قادة حركتي فتح وحماس على عدم العودة إلى الاقتتال، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تلقى الدعم والمساندة من قبل الشعب الفلسطيني بمختلف فئاته.
وقد أشادت دول العالم ومؤسساته باتفاق مكة المكرمة في تحقيق الوفاق الوطني الفلسطيني وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية وحقن الدماء الفلسطينية، كما تابعت باهتمام بالغ نتائج الحوار الفلسطيني في مكة المكرمة، وقد توجهت ودول ومؤسسات دولية بالتقدير إلى المملكة ولخادم الحرمين الشريفين لمبادرته ورعايته لهذا الاجتماع.
وقد جاء اتفاق مكة المكرمة بين الفلسطينيين مشابها لاتفاق الطائف قبل قرابة سبعة عشر عاما، الذي رعته المملكة وصادق عليه البرلمان اللبناني، وساهم في وقف الحرب الأهلية وبدء إعمار لبنان، بل إن ذلك الاتفاق بات مرجعا يحتج به في كل نائبة تصيب اللبنانيين.
ويستحضر المتابع في هذه المناسبة القمة العربية التي عقدت في الرياض في أكتوبر من عام 1976 التي كانت بمبادرة سعودية لبحث الأزمة اللبنانية ودراسة سبل حلها، وقد حضرتها 6 دول عربية فقط هي المملكة، ومصر، وسوريا، والكويت، ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكان من أبرز قراراتها وقف إطلاق النار والاقتتال نهائياً في كافة الأراضي اللبنانية والتزام جميع الأطراف بذلك وتعزيز قوات الأمن العربية الحالية لتصبح قوات ردع داخل لبنان وإعادة الحياة الطبيعية إلى لبنان، وتأكيد منظمة التحرير الفلسطينية على احترام سيادة لبنان ووحدته، وتوجيه الحملات الإعلامية بما يكرس وقف القتال وتحقيق السلام وتنمية روح التعاون والإخاء بين جميع الأطراف.
لقد قام الملك عبدالله بتهيئة الأجواء السياسية وتكييف الظروف لصالح إنجاح قمة الرياض العربية من أجل الخروج بقرارات تكون في صالح الشعوب العربية، التي تتطلع إلى القمة ونتائجها. فالملك عبدالله كما يؤكد دبلوماسيون ومحللون سياسيون يمتلك دائما روح المبادرة لرأب الصدع لأية حالات اقتتال داخلي بين الأشقاء. ويحرص - حفظه الله - دوما على تنقية الأجواء بين الأشقاء بما يكفل تحقيق التضامن العربي والإسلامي. وقالت أوساط دبلوماسية إنه ما دامت المملكة هي الداعية الرئيس لهذه القمة فالأمل المعقود عليها كبير في اتخاذ قرارات جادة تكون محل تنفيذ على خلفية المواقف التاريخية المشرفة في حسم العديد من الأزمات العربية في السنوات الأخيرة بحنكة ودبلوماسية هادئة خاصة فيما يتعلق بالأوضاع في العراق وفلسطين والسودان والصومال ولبنان ومكافحة الإرهاب. إن القمة العربية في الرياض فرصة للحديث عن راعي اتفاق مكة المكرمة، ومحاولة لتتبع سياسته الداخلية والخارجية واستلهام ما فيها من مبادئ سياسية جديرة بالنظر والاستقراء. إن الملك عبدالله يمارس سياسة داخلية وخارجية منطلقة من الأخلاق الإسلامية التي تربى عليها ونهل من معينها الذي لا ينضب.. خاصة فيما يتعلق بمفاهيم على درجة كبيرة من الأهمية في وقتنا الحاضر مثل الوسطية والانفتاح والحوار مع الآخر، ونبذ الخلافات، وحل الأزمات بالدبلوماسية والمفاوضات. وهذه المفاهيم جعلته يتمتع باحترام دولي كبير؛ كونها مفاهيم أساسية في المجتمع الدولي الراهن الذي تشابكت فيه المصالح وتعقدت أكثر من السابق بمراحل بفضل التقنية الهائلة في المواصلات والاتصالات وتعمق الروابط التجارية في عصر العولمة. كما أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يسعى إلى تسخير سياساته من أجل تعزيز الوحدة العربية والإسلامية ونهضة الأمة من كبوتها، واستعادة أمجادها السابقة عبر التسلح بالعلم والمعرفة؛ ما يشير إلى ما يحدو الملك عبدالله من أمل كبير في تبوؤ الأمة العربية والإسلامية لمركز الصدارة في حضارة اليوم.
وينطلق خادم الحرمين الشريفين في سياستيه الداخلية والخارجية من ثوابت إسلامية خالصة، قامت عليها المملكة منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وسار عليها من بعده أبناؤه الكرام (الملك سعود والملك فيصل والملك خالد وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمهم الله جميعا)، حتى وقتنا الحاضر في العهد الميمون للملك عبدالله حفظه الله ورعاه. وتعتبر هذه الثوابت والقيم الإسلامية مصدر إلهام للأجيال القادمة من الحكام السعوديين بإذن الله.
هذه السياسة المستمدة من القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة ظلت باقية باختلاف المتغيرات الداخلية والدولية؛ وذلك لأن التشريع الإسلامي صالح لكل الأزمان، وفي كل الظروف. كما أن هذه السياسة كفيلة بوضع المملكة في المسار السياسي الصحيح، ولاسيما إبان الأزمات؛ إذ إن المرجعية الإسلامية سمحت للقادة السعوديين بأن يتخذوا القرارات السليمة وفي الوقت المناسب؛ الأمر الذي يحفظ هذا الكيان العظيم، ويدفعه نحو مزيد من التطور على خطى واضحة وصحيحة.
وعلى الرغم من أن لكل ملك بصماته التي يتركها، وسياسته التي قد تختلف في بعض جوانبها عن سياسات من سبقه أو من يأتي بعده، بسبب اختلاف الظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة، واختلاف الأساليب والتكتيكات المتبعة في التعامل معها.. على الرغم من ذلك، فإن هذه السياسة لا تخرج عن إطارها الإسلامي العام الذي تلازم مع تأسيس المملكة، بل ومن قبل تأسيس المملكة، وتحديدا منذ اللحظات الأولى لجهاد الملك عبدالعزيز رحمه الله، الذي يعتبر استمرارا لجهاد من سبقه من أئمة آل سعود في الدولة السعودية الأولى والثانية.
ولهذا أعز الله الملك عبدالعزيز وأعز دولته إلى يومنا هذا، وستظل بإذن الله عزيزة ما دامت الدولة السعودية متمسكة بشرع الله قولا وعملا. ولقد تشكلت علاقات المملكة الخارجية، وخاصة علاقاتها بالدول العربية والإسلامية، بناء على الأسس الإسلامية الراسخة في عمق السياسة السعودية، والملك عبدالله حريص كل الحرص على توثيق علاقات الأخوة بالدول العربية والإسلامية، وألا تكون علاقات المملكة الدولية على حساب القضايا الإسلامية العادلة.
فالملك عبدلله ذو مشروع نهضوي شامل لا يقتصر على المملكة فقط وإنما يشمل كافة الدول الإسلامية، ولذلك فإنه يرى أن هذه النهضة الإسلامية العامة لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود نزاعات بينية بين الدول الأشقاء.
والمليك المفدى ينشد الوحدة الإسلامية ويرى فيها أملا لنهضة الأمة وعودة أمجادها الماضية والخروج من الأزمة الحضارية الحالية التي تعاني منها الأمة. هذه النهضة هي السبيل الأمثل لتحقيق التنمية الشاملة، والقضاء على كافة مشاكل العالمين العربي والإسلامي. وتتضح هذه المفاهيم العظيمة المرتبطة بالنهضة الإسلامية في كلمة وجهها خادم الحرمين الشريفين للقادة المسلمين في السابع من ديسمبر الماضي لعقد مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائية الثالثة في مكة المكرمة تلبية لنداء الملك عبدالله. لقد قال المليك في كلمته: (إنني أتطلع إلى أمة إسلامية موحدة وحكم يقضي على الظلم والقهر وتنمية مسلمة شاملة تهدف للقضاء على العوز والفقر، كما أتطلع إلى انتشار الوسطية التي تجسد سماحة الإسلام، وأتطلع إلى مخترعين وصناعيين مسلمين وتقنية مسلمة متقدمة، وإلى شباب مسلم يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته دون إفراط أو تفريط. إن النهضة يصنعها أمل يتحول إلى فكرة ثم إلى هدف، وأمتنا قادرة على تحقيق أهدافها مستعينة بالله وحده مطمئنة إلى قوله الكريم {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، ووعده جل جلاله {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.