د. عبدالحكيم الطحاوي*
تعد المملكة العربية السعودية إحدى الدول العربية الرائدة في حضور مؤتمرات القمة العربية وفي انتهاج سياسة التضامن العربي التي شارك في وضع أسسها الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب الله ثراه - منذ أن كانت المملكة من الأعضاء الذين أسسوا جامعة الدول العربية عام 1945م مع الدول العربية المستقلة في ذلك الوقت مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق واليمن.
وإذا كانت بداية مؤتمرات القمة العربية قد ارتبطت ببحث القضية الفلسطينية التي قال عنها الملك عبدالعزيز (يجب أن تكون موضع عناية الجميع)، فإن الحضور والمشاركة السعودية لم تنقطع منذ ذلك المؤتمر الأول الذي عقد بضاحية (إنشاص) بمحافظة الشرقية بالقرب من مدينة القاهرة في مصر عام 1946م، حيث ترأس وفد المملكة ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز، ذلك الحضور الذي سوف يتوج بمؤتمر القمة العربية الذي تستضيفه الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية يومي 28 و29 مارس 2007م وبرئاسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود.
وما بين القمة العربية الأولى والقمة العربية الحالية كانت رحلة المشاركات السعودية التاريخية لمعالجة القضايا العربية بصفة عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، حيث كان الوجود الصهيوني في الأراضي العربية وراء عقد معظم القمم العربية. ومن أهم مؤتمرات القمة العربية التي عقدت ما بين أعوام 1946 - 2007م ولعبت فيها القيادة السعودية الدور البارز من خلال الاشتراك بوفد رفيع المستوى يوضح اهتمام تلك القيادة بالقضايا العربية، قمة بيروت في نوفمبر من عام 1956م والتي حضرها الملك سعود بن عبدالعزيز لاتخاذ موقف عربي ضد العدوان الثلاثي على مصر والذي قامت به إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، وانتهت القمة بإعلان الوقوف بجانب مصر ومقاطعة الدول المعتدية. وإذا كانت قمة إنشاص وقمة بيروت أوجدتهما الأحداث العربية المعاصرة، فإن جامعة الدول العربية قد تبنت عقد مؤتمرات القمة العربية عندما أصبحت حاجة ملحة لتحقيق الآمال العربية والدفاع عن قضايا العرب. وهو ما بدأ عندما قامت إسرائيل بمحاولة تحويل مجرى مياه نهر الأردن عام 1963م حيث دعت الجامعة العربية لعقد مؤتمر القمة العربية الأولى بعد استقلال معظم الدول العربية وزيادة أعداد هذه الدول فكانت قمة القاهرة في يناير عام 1964م والتي شاركت فيها المملكة بوفد برئاسة الملك سعود واتخذت عدة قرارات من أبرزها الوقوف أمام المشروعات الإسرائيلية ودعم الوجود الفلسطيني، الذي كان وراء عقد القمة العربية الثانية في سبتمبر في العام نفسه 1964م بمدينة الإسكندرية، وبرئاسة الوفد السعودي الذي ترأسه ولي العهد الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، واتخذت إحدى القرارات المصيرية في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني وهو إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتقديم الدعم المادي السعودي لها الذي كان مقدمة الدعم العربي، ثم كانت قمة الدار البيضاء بالمملكة المغربية في أغسطس عام 1965م التي حضرها الملك فيصل والتي عقدت من أجل الدعوة للتضامن العربي في مواجهة القضايا العربية بدلاً من حالة التفكك والخلاف التي كانت تعيشها الأمة العربية بسبب حرب اليمن والانقسام العربي حولها في تلك الفترة.
ولقد كان مؤتمر القمة العربي الذي عقد بمدينة الخرطوم عاصمة السودان في آخر أغسطس عام 1967م من المؤتمرات العربية المميزة للدور السعودي حيث حضره الملك فيصل وعمل على تصفية الخلافات العربية والوقوف بجانب الدول العربية التي تعرضت للعدوان الإسرائيلي في حرب يونيو 1967م وبادر بإعلان قيام المملكة العربية السعودية بدفع ثلث احتياجات مصر والأردن حتى يتم إزالة آثار العدوان الإسرائيلي. وأضاف: (إنها التزامات وليست معونات)، فكان من أنجح مؤتمرات القمة العربية التي نالت الإجماع العربي حتى ذلك الوقت. وإذا كان قد أعقب هذا المؤتمر عقد قمة الرباط في ديسمبر 1969م، فإن مؤتمر القاهرة الذي عقد في سبتمبر 1970م كان للدور السعودي فيه برئاسة الملك فيصل أيضاً علامة مميزة في إنهاء الأزمة الأردنية الفلسطينية التي سميت (بأيلول الأسود) والتي وصلت إلى حد المواجهة العسكرية بينهما في الأراضي الأردنية. وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد تولت قيادة معركة البترول عندما اتفق الملك فيصل مع الرئيس المصري أنور السادات على ذلك قبيل حرب رمضان أكتوبر 1973م حتى استطاعت الجيوش العربية إحراز أهم نصر عسكري لها في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، والذي جعل للعرب مكانة كبرى وصفتهم إبانها بأنهم القوة العالمية السادسة، فإن الدبلوماسية السعودية قامت بدورها المهم للوصول بالتضامن العربي إلى ذروته خلف القضية الفلسطينية بتجنيد النصر العربي، وهو ما اتضح في قمة الجزائر نوفمبر 1973م، ثم قمة الرباط في أكتوبر 1974م والتي جعل منها الملك فيصل قمة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني) مما كان التمهيد لما قامت به المملكة من دور للإجماع العربي الإسلامي والدولي خلف القضية عند عرضها على الأمم المتحدة في نوفمبر 1974م حيث نالت الاعتراف الدولي ودخل ياسر عرفات ليخطب أمام الأمم المتحدة لأول مرة بفضل تلك الجهود السعودية مع الإجماع العربي في ذلك الوقت. ومما يؤكد على دور الدبلوماسية السعودية في جل القضايا العربية دعوتها إلى عقد قمة عربية مصغرة برئاسة الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود في الرياض لمعالجة تدهور الأوضاع في لبنان عام 1976م، وحرص تلك الدبلوماسية على حضور قمة بغداد عام 1979م لدراسة تداعيات الموقف العربي عقب اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية.
وعندما بدأت التحولات نحو إيجاد الحلول السلمية للقضية الفلسطينية كانت المملكة حاضرة للقمة العربية في مدينة فاس المغربية عام 1982م حيث قدم الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود مبادرته للسلام وتسوية القضية الفلسطينية التي تؤكد على تطور الدبلوماسية السعودية مع الأحداث المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي بما يحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وكانت أيضاً المملكة حاضرة في قمة عمان 1989م، وقمة القاهرة أغسطس عام 1990م حيث ترأس الملك فهد الوفد السعودي لأول قمة عربية لم تناقش فيها القضية الفلسطينية بل عالجت قضية عربية مهمة وهي مسلة الغزو العراقي للكويت، حيث أعلنت القمة وقوفها بجانب الشرعية والشعب والحكومة الكويتية والذي تجلى خلالها الدعم السعودي للكويت.
وفي ظل التطورات التي شهدها العالم وتطوير مؤسساته اتخذت جامعة الدول العربية قرارها بدورية عقد مؤتمرات القمة العربية مع مطلع القرن الحالي، فكان الحضور السعودي بارزاً بقيادة ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الذي رأى بخبرته السياسية ضرورة قيام الدبلوماسية السعودية بالتحرك من أجل القضية الفلسطينية التي حملت أمانتها منذ الملك المؤسس فقدم في قمة بيروت عام 2002م مبادرته للسلام التي تحافظ على الحقوق الفلسطينية، وهي المبادرة التي تمسكت بها القمم العربية التالية والتي أصبحت تعقد سنوياً في مارس شهر إعلان قيام جامعة الدول العربية. وهكذا يتضح لنا من هذا العرض التاريخي لعقد مؤتمرات القمة العربية حضور المملكة العربية السعودية لجميع مؤتمرات القمة منذ نشأتها وإلى الآن وبأعلى تمثيل. والملاحظة الأهم أنها كانت في كل هذه المؤتمرات تأخذ بالمبادرة لعلاج القضايا العربية المطروحة والبحث عن حلول لهذه القضايا من أجل مصلحة الأمة العربية. وتبدو الدبلوماسية السعودية برئاسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حريصة على هذه المسيرة لإنجاح القمة العربية الحالية والأولى التي تعقد بالرياض من خلال دعوته لقادة الدول العربية لحضورها، حيث يتفهم خادم الحرمين الشريفين خطورة الأوضاع المحيطة بالعالم العربي، ويدرك ما للمملكة من ثقل في علاج الكثير من القضايا العربية وحل مشكلاتها، ولا يمكن لأحد أن ينكر الدور السعودي في دعم القضية الفلسطينية طوال السنوات الماضية وحتى الآن، ومن حرب رمضان أكتوبر 1973م، وفي حل المشكلة اللبنانية بعد عقدين من الحرب الأهلية في مؤتمر الطائف سبتمبر 1989م، والذي أنهى الحرب ووضع الأسس التي ما زالت قائمة في الدستور اللبناني، والوقوف بجانب الكويت حتى تحررت من الغزو العراقي وعادت الحكومة الشرعية فبراير 1991م، ومبادرة الملك عبدالله للسلام في بيروت 2002م والتي تدعو لإقامة سلام شامل يقوم على قرارات الأمم المتحدة ويعيد الأراضي العربية ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وفي دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله للقيادة الفلسطينية للاجتماع في مكة المكرمة الشهر الماضي لحقن دماء الشعب الفلسطيني، للتأكيد على الدور السعودي الرائد لدعم وحل القضايا العربية. وما تلك الأمثلة لهذا الدور السعودي الذي من الملاحظ عليه أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز، قد شارك في مختلف مراحله مما يؤكد على حرصه لخروج القمة العربية بالرياض بالقدر الكبير من خلال الإعداد الكافي لتحقيق الطموح العربي لإيجاد الكثير من الحلول للقضايا التي تعيشها الأمة العربية سواء في العراق أو لبنان والسودان والصومال ناهيك عن فلسطين، وما نجاح الدبلوماسية السعودية برئاسة الملك عبدالله في مؤتمر مكة المكرمة إلا مقدمة لنجاحه في قيادة الأمة العربية حيث سيتولى رئاسة القمة في دورتها القادمة التي يتطلع إليها الشعب العربي لكي تكون مضرب الأمثال للقيادات العربية في حل القضايا العربية
*أستاذ التاريخ بكلية التربية للبنات بتبوك