ما كاد يبلغ سن الخامسة والعشرين حتى اكتملت ملامح شخصيته، وشاعت مروءته، واتضحت رجولته، وبدأت سيرته تصبح محط الإعجاب في أنحاء مكة بما امتاز به عن غيره من شبابها، وما عرف به من عذب الشمائل، ورجاحة الرأي، وصواب الفكر على تواضع في التعامل، وقناعة بالنصيب، واستقامة في الخلق، وصفاء في النفس، وسمو في الروح حاز احترام كبار أهل مكة وإعجابهم وأصبح قدوة لهم ولصغارهم، بما أسرهم به من حسن خلقه وشدة حيائه وصدق حديثه وفرط أمانته حتى استحق منهم - بالإجماع - لقب (الصادق الأمين).
وهذا يؤكد أن ربّه أدبه فأحسن تأديبه، وأن هذا التأديب قد بدأ منذ لحظة ولادته، وليس منذ يوم بعثه نبياً ورسولاً للعالمين، وقد وصفه الله جل في علاه خلقه من فوق سبع سماوات فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(4) سورة القلم، وعندما سئلت زوجه عائشة أم المؤمنين عن خلقه، قالت: (كان خلقه القرآن) (مسند أحمد).
فمن كان خلقه القرآن منذ يوم مولده، لا عجب أن يكون على خلق عظيم، وأن يكون ذلك شأنه في هذه السن، فقد ولد محفوظاً من ربه محاطاً بالعناية الإلهية منذ طفولته، انتزع ربه من قلبه في صباه - في حادثة شق الصدر - ما يوجد في قلوب البشر من سواد الغل والحسد والغيرة والميل للمحرمات وحب الشهوات، فعاش طفولة نقية، وشباباً تقياً، فلم يقع في شيء من أدران الجاهلية لم يُمسّ بشائبة من جسده وخلقه وعقيدته. ففي صباه رعاه ربه بتأديبه، وعلَّمه أهمية ستر عورته خلافاً لما كان عليه من هم في مثل سنِّه، وخلافاً للأعراف الجاهلية في مكة آنذاك. فقد كان مرةً يلعب مع أترابه غلمان قريش، فأخذ إزاره فجعله على رقبته ليحمل عليه الحجارة، فتعرى، وحينها لكمه طائف - لم يره - مرسلاً من ربه، وقال له: (شدَّ عليك إزارك)، فشدَّه عليه. (ابن هشام عن ابن اسحاق) وعندما تهدَّمت الكعبة، وبدأت قريش في بنائها شارك الصبيان في مكة في حمل الحجارة، وكان الصبي محمد منهم، فاقترح عليه عمه العباس أن يجعل إزاره على منكبيه ليقيه الحجارة وعندما فعل ذلك سقط مغشياً عليه، فاكتمل وعيه بدرس ربه وتأديبه له، فما شوهد بعد ذلك عرياناً قط. (صحيح البخاري وفتح الباري). ولم يفعل ما يفعله قومه من الطواف بالكعبة عرايا.
وكما حفظه ربه بستره في صباه، حفظه في شبابه من نوازع النفس التي تهفو إليها نفوس الشباب في مثل سنه، وحاطه بسياج العفة المتين، والخلق العظيم، وقد روى بنفسه - صلى الله عليه وسلم- دليل ذلك فقال: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته. قلت (ليلة) للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة، لو أبصرت في غنمي حتى أدخل مكة وأسمُرَ بها كما يسمُر الشباب. فقال: أفعل. فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفاً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة. فجلستُ أسمع، فضرب الله على أذني فنمت. فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني فأخبرته. ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة.. ثم ما هممت بسوء (رواه الطبري وصححه الحاكم).
وكان على العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وقد هدته هذه الفطرة إلى مخالفة قومه الذين يطلق عليهم (أهل الحِمْس)، وهم من ساكني الحل والحرم الذين يُنزِلُون أنفسهم فوق منزلة بقية العرب، فكانوا لا يقفون بعرفة ويفيضون من مزدلفة. فكان هو يفيض من عرفة مع عامة الناس، وقد أنزل الله عليه - فيما بعد - قرآناً يبطل بدعة الحِمْس في قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (199) سورة البقرة (198 - 199).
ولم يعكف على صنم قط، ولا حلف بوثن من الأوثان التي يُقسم بها قومه، ورفض العقائد المنحرفة التي كانت تسود في عصره، وأدرك أن الحق شيء آخر غير هذه الخرافات والأوهام السائدة. رفض في صباه أن يقف على صنم (بوانة) الذي كان لقريش عيد عنده مرة كل عام، وتسبَّب ذلك في غضب عمه أبي طالب وعماته عليه غضباً شديداً، وعندما هم بمطاوعتهم - ذات مرة - إرضاءً لهم تدخلت العناية الإلهية القائمة بحفظه، فتمثل له - قبل أن يمس الصنم - رجل أبيض طويل أبعده عنه، ثم لم يشارك في عيد من أعياد تلك الأصنام أبداً (ابن سعد - الطبقات 1 - 158).
لم يقدم قرباناً لوقف، ولم يأكل مما يُذبح على النصب، ولم يشرب الخمر، ولم يمارس أي طقس من طقوس قومه أثناء الطواف بالكعبة. وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة - قبل الإسلام - فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه عن ذلك.
وقد أقسم زيد بالله أن رسول الله ما مسَّ صنماً في حياته قط، حتى أكرمه الله بالوحي (الطبراني- المعجم الكبير 5 - 88) فقد كان العرب في الجاهلية يمسون صنمي (إساف) و(نائلة) عند الطواف.
ولم يكره شيئاً كراهيته للات والعزّى التي يحلف بها قومه، ويقول أحد جيرانه - بعد زواجه بخديجة - أنه سمعه يقول لها: أي خديجة، والله لا أعبد اللات والعُزى أبداً. فتقول له خديجة: خل اللات.. خل العزى..) (رواه أحمد والبيهقي بإسناد صحيح)، وقد اختبره الراهب بِحِيرى عندما التقاه في قافلة عمه في طريقه إلى الشام فحلف له باللات والعزى. فقال له الصبي محمد (لا تسألني باللات والعزى شيئاً. فوالله ما أبغضت بغضهما شيئاً قط) (ابن هشام والبداية والنهاية ودلائل البيهقي).
هكذا كان محمد حتى بلغ الخامسة والعشرين ذائع الصيت في مكة. لا بسلطان ومال ولكن بنبلٍ وخلقٍ عظيم، فلا عجب أن تسمع به خديجة بنت خويلد وهي من السيدات النبيلات في مكة وسيدات الأعمال والتجارة. وكانت تستأجر الرجال الأمناء للاتجار بمالها، وقد علمت أن محمداً الذي بدا في الاشتغال بالتجارة صادقاً أميناً، براً كريماً، لا يقترف المحرمات، ولا يحوم حول الشبهات، ولا يتعامل بالربا الذي يتعامل به قومه، لا يداري ولا يماري في عمله، مُيسِّراً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى.
فهل دار بخلد خديجة التي كانت تلقَّب في قومها ب(الطاهرة) وهي تدعو محمد (الصادق الأمين) لإدارة تجارتها أنها ستكون زوج الرجل الذي سيرسله ربه رحمة للعالمين وخاتماً للنبيين، وأنها ستكون أول امرأة تؤمن برسالته، وخير عون له عليها، وإنها ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه وأعظمها وأنها ستكون أحبَّ زوجاته إليه، وأنه سيكون لها من بعدها أوفى رجال هذا الكون؟!
ملاحظة
إلى القرَّاء الكرام الذي يرسلون استفسارات يريدون الإجابة عليها. أفيدهم بأن الرسائل التي ترسل على الكود 82244 لا تظهر أرقام أصحابها. والذين يرغبون في ردود مني عليهم كتابة أرقامهم، أو مراسلتي على بريدي الالكتروني، مع شكري الجزيل لكل الذين أرسلوا رسائل الثناء والتقدير ليجعل الله لهم في كل كلمة ألف ألف حسنة تضاف إلى موازين أعمالهم يوم القيامة.
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«777» ثم أرسلها إلى الكود 82244
hemaid1425@yahoo.com