يعد تقرير التنافسية العربية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) أداة فاعلة لدعم مجتمع الأعمال العربي وتذليل المعوقات لإدارة برامج ومنظومة عملية التنمية الاقتصادية بالشكل الصحيح وفق سياسة براجماتية مدروسة، وجاء التقرير الثالث للتنافسية العربية لعام 2006 ليلقي الضوء على الكثير من الحقائق والتحديات ا لتي تواجه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعنا العربي، وقد استند التقرير فيتقييمه لأداء الدول على ثلاثة معايير رئيسية هي: بيئة الاقتصاد الكلي وأداء المؤسسات العامة والحكومية ومدى التزامها بمعايير الشفافية والإفصاح، بينما يهتم المعيار الثالث بمدى التقدم التقني والتكنولوجي في الدولة، وجاء تصنيف التقرير الثالث للدول العربية راصداً للعديد من المتغيرات في الأداء التنافسي للعديد من الدول العربية حيث شهد التصنيف العديد من الاختلافات عن تقرير عام 2005 حيث صنف تقرير عام 2006 الدول العربية كالتالي: حصلت تونس على المركز الأول عربياً والـ 30 عالمياً، بينما كان مركزها السادس عربياً في تقرير 2005، كما شهد تقرير 2006 تراجعاً لدولة الإمارات حيث حلت في المرتبة الثانية عربياً والـ 32 عالمياً، بينما نجحت قطر في التقدم ثمانية مراكز دفعة واحدة لتحتل المركز الثالث عربياً والـ 38 عالمياً، ثم الكويت 44 عالمياً والبحرين 49 والأردن 52 ومصر 63 والمغرب 70 والجزائر 76، بينما غاب عن التقرير كل من المملكة العربية السعودية التي احتلت المركز السابع عربياً في تقرير 2005 وسلطنة عمان التي احتلت المركز الرابع عربياً في نفس التقرير، ومن خلال قراءة عامة لتقرير التنافسية لعام 2006 نجد أن بعض الدول قد أحرزت تقدماً ملحوظاً في مستوى التنافسية لديها مقابل تراجع دول أخرى.. فعلى سبيل المثال تقدمت مصر للمركز السابع في تقرير 2006، بينما احتلت المركز التاسع في تقرير 2005 بينما تراجعت البحرين للمركز الخامس بعدما كانت تحتل المركز الثالث في تقرير عام 2005م.
التنافسية العربية التحديات والحلول
توصف اقتصاديات الدول العربية تقييمياً بأنها اقتصاديات متنافسة، وذلك للتشابه الكبير الحادث بين الهياكل الإنتاجية ومرتكزات اقتصادها المعتمد في المقام الأول على النفط وما يتعلق به من أنشطة، ويمكن متابعة العملية التنافسية العربية من خلال عدد من المحاور منها:
المحور الأول: عمليات الإصلاح الاقتصادي: حيث بدأت الدول العربية في تبني العديد من برامج الإصلاح الاقتصادي في توقيت يكاد يكون واحداً، وذلك في إطار تحولها وتوجهها نحو اقتصاد السوق الحر، وبعض هذه البرامج استقرت دعائمها في أعقاب التنسيق مع المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق ا لنقد الدولي والبنك الدولي إلا أنه يأخذ على الدول العربية أن عمليات الإصلاح الاقتصادي كانت ومازالت تتم بصورة فردية دون تنسيق بين الدول العربية، كما يأخذ على هذه البرامج الإصلاحية تركيزها على اندماج اقتصاديات تلك الدول مع الاقتصاد الغربي حتى لو كان ذلك على حساب التكامل الاقتصادي العربي.
المحور الثاني: جذب الاستثمارات الأجنبية: فالدول العربية تتنافس فيما بينها على جذب الاستثمارات الأجنبية وتركزت المنافسة في مجال منح مزايا لهذه الاستثمارات وتغيير التشريعات الداخلية الخاصة بالاستثمارات الأجنبية الأمر الذي أدى إلى هروب رؤوس الأموال العربية إلى الخارج وعدم الاستفادة منها عربياً.
وبالنظر إلى التحديات التي تواجه الدول والمؤسسات العربية، وتحد من قدرتها التنافسية فيمكن إيجازها في النقاط التالية:
أولاً - العولمة: تشكل العولمة أهم التحديات التي تواجه الدول العربية، ويتمثل التحدي الحقيقي للدول العربية في كيفية الاستفادة من الفرص التي تقدمها العولمة وكيفية تفادي المخاطر الناجمة عنها، وانعكست ظاهرة العولمة في الارتفاع الشديد في صافي تدفقات رأس المال الخاص إلى الدول العربية الأمر الذي نتج عنه مخاطر عديدة منها تقلبات الأسواق التي أصبحت أكثر عنفاً، وعدم قدرة اقتصاديات بعض الدول على المنافسة في الأسواق الدولية، عن طريق ترويج الصادرات، وتمثل التكتلات الاقتصادية الإقليمية والثنائية وحرية التجارة ومنظمة التجارة العالمية أهم المتغيرات التي تواجه الدول العربية في ظل العولمة، وتحد من قدرتها التنافسية.
ثانياً - البطالة: تعد مشكلة البطالة في العالم العربي بمثابة (قنبلة موقوتة) قد تتفجر في حال ما لم يتم التوصل إلى حلول جذرية لها، ويشير تقرير التنافسية العربية لعام 2005 إلى ضرورة بذل الجهود ووضع البرامج المستقبلية في الدول العربية لتوفير مايزيد على 80 مليون فرصة عمل، في الفترة من 2005 إلى 2020 للحفاظ على المستوى الحالي للبطالة الذي تتراوح نسبته ما بين 15% أو 30%، ويعتبر التحدي الحقيقي للدول العربية هو التوصل إلى تحقيق معدل 4% من الوظائف سنوياً، وذلك خلال الخمسة عشر عاماً القادمة من أجل المضي قدماً في مسيرة الإصلاح على كافة مستوياتها، والحفاظ على الخطوات الماضية فيها.
ثالثاً - تطوير الصادرات: حيث تشكل عملية تطوير الصادرات في ظل اقتصاد السوق أكبر تحد للدول العربية حيث فشلت الدول العربية في الاستحواذ على حصة أكبر من التجارة العالمية على الرغم من وفرة الموارد الطبيعية لديها.
رابعاً - تنوع مصادر الدخل: وهذه الآلية أحد أهم التحديات التي تعوق الارتقاء بمستوى التنافسية وبخاصة في دول الخليج النفطية التي تحتاج إلى إصلاحات أعمق وأصعب للوصول إلى درجة مرتفعة من درجات التنوع في مصادر الدخل.
خامساً - تتأثر المنتجات العربية بمجموعة من العوامل التي تحد من مكانتها التنافسية.. ومن أهم هذه العوامل عدم توافر عنصر الجودة العالية والطرق البدائية في أساليب التعبئة والتغليف وحجم الفاقد في الكمية المستخدمة من السلع والمنتجات والأسعار التنافسية وأخيراً الالتزام بالمعايير الدولية لنظم الإدارة البيئية.
وبعد استعراض التحديات التي تواجه الدول العربية وتحد من قدرتها التنافسية نورد فيما يلي أهم الحلول والتوصيات:
أولاً: يجب على المؤسسات العربية ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لتأهيل منتجاتها لحصول صادراتها على حصة كافية من إجمالي السوق الخارجي، ويتحقق ذلك من خلال العمل على اكتساب تلك المنتجات للمزايا التنافسية المتمثلة في الجودة العالمية، والسعر التنافسي والالتزام بالمعايير الدولية لنظم الإدارة البيئية.
ثانياً - إن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية واقع لابد من التعامل معه.. لذلك على الدول العربية أن تعمل على زيادة قدرتها التفاوضية للانضمام لهذه المنظمة حتى يتسنى لها الاستفادة من المزايا الممنوحة للدول النامية والأقل نمواً.
ثالثاً - يجب أن تعمل السياسات والخطط الحكومية على توفير الشروط الاقتصادية والمالية التي تشجع القطاع الخاص على الاستثمار وجذب الاستثمارات الخارجية، وذلك من أجل تطوير الصادرات الذي سيؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة فرص العمل المتاحة.
رابعاً - مع ارتفاع عدم اليقين في أسواق النفط والمواد الأولية فإن الدول النفطية مطالبة بالاستفادة من الميزة النسبية التي لديها في مجال البتروكيماويات التي تسمح لها بتنويع صادراتها وتقليل الاعتماد على ا لنفط والغاز.
خامساً - للوفاء باستراتيجية قيادة التكلفة التي تهدف إلى تقوية المركز التنافسي للمنتجات العربية والسيطرة على السوق من خلال توفير المنتج بأقل تكلفة يجب على المؤسسات العربية مراجعة تكلفة كل مرحلة من مراحل دورة حياة المنتج.
سادساً - يمكن للدول العربية أن تكون كما ميزة نسبية من خلال وجود بعض القطاعات ذات التكاليف المتدنية في بعض القطاعات ذات الكثافة العمالية.
سابعاً - الاهتمام بالبحث العلمي وبرامج التدريب والعمل على استيعاب التقنيات التكنولوجية الحديثة، وذلك من أجل تحسين وتعزيز القدرات التنافسية للدول العربية فعلى سبيل المثال استطاعت دول مثل كوريا وتايوان أن تحتلا مكانة متقدمة عالمياً في مجالات تجهيز تقنية المعلومات وصناعة التكنولوجيا والاتصالات نتيجة لارتباط البرامج التعليمية في كافة المراحل بواقع مجتمع الأعمال وسوق العمل في تلك الدول وهو ما جعلهما قوة صناعية قادرة على المنافسة عالمياً.
ثامناً - مازال غياب معايير الإفصاح والشفافية في مجتمع الأعمال العربي يحد من القدرة التنافسية العربية حيث نتج عن عدم تطبيق تلك المعايير انتشار ظاهرة الفساد في العديد من ممارسات القطاع الخاص والحكومي وهو ما انعكس بالسلب على قدرة الحكومات العربية على تنفيذ خططها التنموية بالشكل المطلوب.
تاسعاً - أصبح عجز الميزانيات وارتفاع حجم الدين العام مشكلة مزمنة وملازمة للاقتصاديات العربية وحتى الاقتصاديات الخليجية وهي مشكلة لابد لها من علاجها لأن استمرار العجز في الموازنات العامة وارتفاع حجم الدين العام يحد من قدرة الحكومات على إيجاد الموارد الكافية لقطاعات التعليم والصحة ومشاريع البنية التحتية، وكل هذه العوامل هي المقومات الرئيسية لعملية التنمية، كما أن استمرار هذا العجز يحد من القدرة التنافسية للدول، فعلى سبيل المثال تراجع ترتيب الولايات المتحدة الأمريكية من المركز الأول في تقرير التنافسية لعام 2005 إلى المركز السادس في تقرير عام 2006 نتيجة لاستمرار العجز في الموازنة الأمريكية.
عاشراً - على المستوى الخليجي أوضح تقرير التنافسية العربية لعام 2006 أن اقتصاديات دول مجلس التعاون استفادت من العوائد النفطية الكبيرة التي حققتها خلال عامي 2005، 2006 في تعزيز قدراتها التنافسية إلا أن تلك الدول مازالت في حاجة إلى ضخ المزيد من الاستثمارات في قطاع الموارد البشرية لأن العنصر البشري هو المحرك الأساسي لعمليات التنمية والازدهار.
asa5533@hotmail.com