Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/04/2007 G Issue 12614
مقـالات
الخميس 24 ربيع الأول 1428   العدد  12614
فيض الضمير
لقاء الحب والإيمان والوفاء
د. محمد أبو بكر حميد

تلتقي خديجة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في النسب في جدِّه قُصي؛ فهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصي. وتكبره بخمسة عشر عاماً، وقد تزوجت قبله برجلين؛ هما: عتيق بن عابد بن عبد الله المخزومي، وأنجبت منه فتاة تسمى هنداً، وكان العرب يطلقون اسم (هند) على الذكر والأنثى، ثم تزوجت هند بن النباش بن زرارة التميمي، فأنجبت له بنتاً وولداً، البنت هالة والولد هند (ابن حجر، الفتح، 14-287، ابن إسحاق، السير والمغازي، 245، ابن سعد، 8-15).

ويختلف المؤرخون في أيّ من هذين الزوجين كان الأسبق في الزواج من السيدة خديجة، كما تصمت المصادر التاريخية عن ذكر أخبار أبناء خديجة الإناث، وهما: هند بنت عتيق، وهالة بنت النباش، على رغم شهرة النباش في التكني بأبي هالة. في حين تحدثنا هذه المصادر عن هند ابن خديجة من أبي هالة النباش بأنه عاش في كنف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد زواجه من خديجة، وكان يفخر بأنه ربيب النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان يقول: (أنا أكرم الناس أماً وأباً وأخاً وأختاً: أبي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأمي خديجة، وأخي القاسم بن محمد، وأختي فاطمة بنت محمد رضي الله تعالى عنهم). وعاش مسلماً إلى جوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقتل مع عليّ بن أبي طالب في موقعة الجمل. وقد ازدحم الناس على جنازته وتركوا جنائزهم يوم دفنه وقالوا: هذا ربيب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وكان بليغاً فصيحاً، واشتهر بإتقانه ودقته في وصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أحاديثه الواردة في كتاب (الشمائل).

لم تتوقف خديجة الطاهرة طويلاً عند فارق السن بينها وبين محمد الصادق الأمين، وهي خمسة عشر عاماً، حيث كانت هي في الأربعين وقد تزوجت قبله مرتين وأنجبت، وكان هو في الخامسة والعشرين ولم يسبق له الزواج. كما أنها لم تتوقف أيضاً عند ملتقى النسب بينها وبينه، فليس ذلك في نظرها أقوى الأسباب التي تربطها به. إن ما يربطها به أقوى وأكبر من كل ذلك، وشعورها العميق أن العناية الإلهية ترعى هذا الشاب في كل حركة وسكنة، وتُعِدّهُ لحدث جليل؛ فهو فضلاً عن عظمة خلقه وأمانته التي أنزلته منزلاً مميزاً عند الناس في مكة يرفض ما تعبده قريش من أصنام وأوثان وما يسود بين العرب من معتقدات وخرافات. وقد كان فرحها عظيماً عندما أبلغها ميسرة أن محمداً أثناء السفر إلى الشام أبى أن يقسم لرجل باللات والعزى، وكانت في قرارة نفسها ترفض ذلك مثله، ولا ترى أن لما يأتيه قومها من عبادات صلة بدين إبراهيم الذي حادوا عنه، ولكنها لا تستطيع أن تجاهر بذلك، ولعلها تمنَّت أن يأتي يوم يجاهر فيه محمد برفض هذه المعتقدات الباطلة ويدعو إلى عبادة الله وحده على دين إبراهيم الذي اندثر. وهذا ما تؤكده الدلائل والشواهد التي رأتها فيه عن قرب وبُعد. ورجل مثل هذا ترعاه العناية الإلهية وتوجِّهه لا يمكن لمثلها أن يتردَّد في الاقتران به، وكانت على يقين بأن زواجها منه لن يتم إن لم يكن ضمن ما أراده الله له ولها.

أسرَّت خديجة إلى صديقتها المخلصة نفيسة بنت منبه برغبتها في الزواج من محمد (صلى الله عليه وسلم)، وطلبت منها أن تذهب لمفاتحته في هذا وتلمس رأيه. وقد أوردت كُتُب التاريخ رواية نفيسة لما دار بينها وبينه (صلى الله عليه وسلم) مقدِّمة ذلك برأيها في السيدة خديجة، فقالت: (كانت خديجة امرأة حازمة شريفة، مع ما أراد الله تعالى لها من الكرامة والخير، وهي يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأحسنهن جمالاً، وكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة قريش، وكل قومها كان حريصاً على الزواج منها لو قدروا على ذلك، فقد طلبوها وذكروا لها الأموال، فلم تقبل. فأرسلتني دسيساً إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قلت: فإن كُفيت ذلك ودُعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمَن هي؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قلت: بلى، أنا أفعل. فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت ساعة كذا وكذا...) (ابن هشام، 1-205).

فلما وصل إليها قالت له (صلى الله عليه وسلم): (يا ابن عمي، إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك (أي اعتدالك وتوسطك) في قومك، وأمانتك، وحسن خُلقك، وصدق حديثك). فذهب محمد (صلى الله عليه وسلم) وأخبر أعمامه، فوافقوا وجاؤوا يتقدمهم عمه أبو طالب، أما وليها فكان عمها عمرو بن أسد بإجماع ثقاة المؤرخين، وهو ما رواه الطبري من أحاديث جبير بن مطعم وابن عباس وعائشة. وليست صحيحة القصة التي تُروى عن تزويج أبيها لها؛ لأنه توفِّي قبل حرب الفجار التي وقعت والرسول (صلى الله عليه وسلم) في الرابعة عشرة من عمره (سمط النجوم العوالي، 121).

ويتَّفق المؤرخون والرواة على أن زواج الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان على ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، ويبدو ذلك من صيغة خطبة النكاح، فبعد أن خطب أبو طالب خديجة لابن أخيه محمد من ابن عمها ورقة بن نوفل خطب خطبة النكاح فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزَرْع إسماعيل، وضِئْضِئ مَعَدّ، وعنصر مُضَر، وجعلنا سَدَنة بيته، وسُوَّاس حرمه، وجعله لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس. ثُمَّ إن ابن أخي هذا محمَّد بن عبد الله مَن لا يوزن به رجل إلاَّ رجح به، فإن كان في المال قِلاًّ فإنَّ المال ظل مائل وأمر حائل، ومحمَّد قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم. فلمَّا أتم أبو طالب خُطبته تكلم ورقة بن نوفل فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم. وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشر قريش بأني قد زوَّجتُ خديجة بنت خويلد من محمَّد بن عبد الله على أربعمائة دينار.

ثم سكت ورقة، فقال أبو طالب: قد أحببتُ أن يشركك عمُّها. فقال عمُّها عمرو بن خويلد: اشهدوا عليَّ يا معشر قريش أني قد أنكحتُ محمَّد بن عبد الله خديجة بنت خويلد. وشهد على ذلك صناديد قريش (السهيلي، الروض الآنف، 1-122، الحلبي، السيرة الحلبية، 1-221).

وقد أمهرها محمد (صلى الله عليه وسلم) عشرين بكرةً، وأضاف إليها عمه أبو طالب اثنتي عشرة أوقيةً ذهباً ونشاً (أي: ونصفاً). وأمرت خديجة جواريها أن يضربن الدفوف، وقالت: يا محمد، قلْ لعمك أبي طالب أن ينحر بكراً من بِكارك، وأطعم الناس على الباب، ثم ادخل على أهلك. فأطعم الناس، ودخل عليها، فأقرّ الله عينه. فرح أبو طالب بذلك فرحاً عظيماً، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب، ودفع عنّا الهموم (السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين، 36).

وكانت هذه أول وليمة أولمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقد تم هذا الزواج التاريخي المبارك بعد عودة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بتجارة خديجة من الشام بشهرين، وهناك مَن يقول: إنه تم بعد عودته بأسبوعين (السيرة الحلبية، 1-223). وقد جاءت مرضعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) حليمة السعدية من بادية بني سعد لتشهد عرس ولدها الذي أرضعته، فهي لم تره منذ فارقها صبياً صغيراً. وقد أكرمت العروس الكريمة خديجة وفادة مرضعة زوجها الحبيب بأربعين رأساً من الغنم، عادت بها حليمة سالمة غانمة (بنت الشاطئ، سيدات بيت النبوة، 177). ثم لم ترَ حليمة السعدية ابنها محمد (صلى الله عليه وسلم) مرةً ثانيةً إلا يوم غزوة حنين، وكانت تلك آخر مرة تراه فيها، وهو ما سنروي قصته في موضعه عندما نصل إليه.

عاشت خديجة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أربعة وعشرين عاماً وبضعة أشهر أسعد حياة زوجية عاشها رجل مع امرأة في هذا الكون، كانت فيها الزوجة الصالحة المخلصة المحبة الحنون، وكان فيها الزوج الوفي الصادق العطوف، وقد أنجب منها كل أولاده ما عدا إبراهيم كان من مارية القبطية.

أنجبت له خديجة بناته الأربع؛ زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وولديه القاسم وعبد الله. وعاشت معه خديجة أصعب سنوات عمره، منها خمسة عشر عاماً قبل أن يهبط عليه الوحي ويبعثه الله رسولاً للعالمين، وتسعة أعوام بعد بعثته. وتوفيت خديجة ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) في التاسعة والأربعين من عمره وهي في الخامسة والستين بعد زواج ناجح سعيد. لم يتزوج عليها في حياتها قط، ولم يكن عجباً أن تجد خديجة أن أعظم الرجال وأصدق الرجال هو أوفى الرجال قاطبة؛ إذ لم تنزل امرأة في حياته (صلى الله عليه وسلم) منزل خديجة حتى أم المؤمنين عائشة على رغم عظم مكانتها في قلبه (صلى الله عليه وسلم) وفي الإسلام. وهذا أمر فيه حكمة إلهية نحتاج إلى الوقوف عندها وتأمُّلها، وهذا لا يتضح إلا بدراسة السنوات التي عاشها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع خديجة وما حدث فيها من أحداث على مستوى حياته الأسرية والشخصية قبل بعثته رسولاً للعالمين، وهي خمسة عشر عاماً لا تزال أحداثها مبعثرة في كتب السيرة؛ إذ لم يتوقف بعض المؤرخين عندها إلا في صفحات قليلة أو أسطر معدودة، ثم تسع سنوات بعد دعوته إلى الإسلام هي من أقسى وأصعب سنوات جهاده في سبيل رسالته، كانت له فيها خديجة أول المؤمنين، وأخلص المعينين، وأصدق الصابرين، الأمر الذي جعله يوماً يقول لعائشة لما غارت وظنَّت أنها أفضل منها عنده (صلى الله عليه وسلم)، قال لها: (لا والله، ما رزقني خيراً منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدَّقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس).

أيّ حبّ حمله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهذه المرأة؟! وأيّ وفاء حفظه لها، وظلّ طوال عمره يدافع عنه ويصونه من أن يُمس، ويذكره ويفخر به؟!

وهو ما سنتوقف عنده الأسبوع القادم إن شاء الله.

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«777» ثم أرسلها إلى الكود 82244

hemaid1425@yahoo.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب777 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد