Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/04/2007 G Issue 12614
الرأي
الخميس 24 ربيع الأول 1428   العدد  12614
شيخ المتطببين ووالد الأطباء
عبدالرحمن بن زيد السويداء

في يوم الخميس 18-2-1428ه - 8-3-2007م انتقل إلى الرفيق الأعلى الشيخ عبدالرزاق بن محمد السيف تغمده الله برحمته، وهو غني عن التعريف لا في منطقة حائل فحسب ولكن خارجها، فقد أمضى من حياته نحو ستين عاماً في خدمة منطقة حائل في مجال الطب الشعبي والأدوية الشعبية من نباتية وكيميائية ومعدنية وغيرها، فقد عمل في بداية شبابه مع الشيخ عبدالرزاق بن خليفة السعيدان - رحمه الله - الذي كان دكانه شرق باب الصفاقات الغربي من داخل السوق وكان يعمل بنفس الاختصاص في منطقة حائل يومذاك، وبفطنة الفقيد وذكائه وحبه لهذا المجال استفاد من وجوده مع الشيخ عبدالرزاق الخليفة، وما لبث أن استقل بالعمل لوحده بدكانه الواقع في (سويق البركة) ومن ذلك الدكان أدى خدمة جليلة لمنطقة حائل كلها، وربما تعداها للمناطق الأخرى، هذه الخدمة جاءت في محلها عندما كان الناس بحاجة لها، وعندما كانت منطقة حائل بكاملها لا يوجد بها سوى مستوصف واحد بنفس مدينة حائل، به طبيب واحد هو الطبيب الفلسطيني رمضان عبداللطيف وممرض واحد، هو محمد العسيري حتى عام 1377ه - 1957م، حيث افتتح أول مستشفى في المنطقة، وما قبل هذا التاريخ كان اعتماد سكان المنطقة في الأدوية والمواد الطبية على الله ثم على أدوية عبدالرزاق السيف، حيث يصل إليه طالبو الدواء لمختلف الأمراض من مسافات بعيدة من القرى القريبة والبعيدة ومن مضارب البادية النائية، إضافة إلى سكان مدينة حائل طلباً للعلاج، وذلك لشهرته الواسعة في المنطقة، ولا سيما بعد أن توفي الشيخ عبدالرزاق بن خليفة السعيدان - رحمه الله - وقام أبناؤه وعلى رأسهم ناصر بن عبدالرزاق الخليفة رحمه الله بافتتاح أول صيدلية حديثة بحائل في أعلى شارع عفنان، بغربي مدينة حائل في ذلك التاريخ. لكن عبدالرزاق السيف بقي على خدمته الدوائية للمنطقة. وأذكر لأول مرة وصلت إلى مدينة حائل عام 1374ه - 1954م من مدينة الروضة وما بعد ذلك، كنت أذا مررت مع سوق البركة مع طلوع الشمس وربما قبل ذلك، رأيت مجموعات من الناس رجالاً ونساءً من مختلف الأعمار عند دكان عبدالرزاق بانتظار افتتاحه للدكان مع بسطة السوق، وعندما يفتح يتزاحم الناس على فتحة الدكان كل يطلب حاجته، وقد منحه الله من مكارم الأخلاق والمروءة وحسن الخلق وسعة الصدر ما جعله يستوعب هذا الجمع الغفير من الناس ويلبي طلباتهم بنفس طيبة وحركة رشيقة خفيفة وابتسامة لا تفارق محياه، ولا تسمع منه إلا الكلمات اللطيفة الملبية للطلبات، وقد جئت يوماً مع طالبي الأدوية، كنت مُوصى على دواء من عنده، فشاهدت بعيني وسمعت بإذني من كلماته التي يرددها مع الناس، أبشر، حاضر، سم، يناول كل إنسان طلبه بكل محبة ولطف، يفهم لهجات أبناء المنطقة المتفاوتة من الحاضرة والبادية من القبائل المختلفة والقرى والبلدات ويخاطب الناس بما يفهمون وخاصة منهم كبار السن من الذكور والإناث. بعض هذه الأدوية جاهزة بأكياس صغيرة من الورق والعلب الصغيرة، وبعض الأدوية يركبها في الحال بكفة الميزان أمام طالبها، ويطلب منه أن يسحقها جيداً ويحلها بالماء فيشربها، أو أن (يسف) المسحوق أي يلتهمه، أو يمزجه بالماء ويستحم به أو يغسل الجزء المصاب أو يكون منه (صُباخَة) على الجزء المصاب وكذا بقية الأدوية، يعطي طالب العلاج كيفية استعمال الدواء، ومدة الاستعمال، وما إذا كان له آثار سلبية أو جانبية أم لا، ودائماً يقرن الشفاء بإرادة الله وتوفيقه، فيقول لطالب العلاج: هذا يشفيك بإذن الله أو إن شاء الله، هذه الأدوية المركبة وغير المركبة لم تكن معرفته لها عفوياً أو بالممارسة والخبرة المبنية على التجارب في الناس ولكنه بالإضافة إلى ذلك قد أخذ المعلومات عن الكتب الطبية الموجودة عنده فلديه كما علمت مكتبة عامرة بالكتب التي تخص المواد الطبية والأعشاب والشجيرات البرية والمحلية الطبية وخصائصها، فقد كان واسع الاطلاع في هذا المجال، يعرف هذه العشبة أين تنبت ومتى تنبت ومتى يؤخذ منها الجزء النافع للعلاج. هناك أعشاب وشجيرات يكون العلاج في أغصانها، أو يكون في أوراقها، أو في زهورها، أو في جذورها، يعرف متى تقطف تلك الزهور أو الأوراق، ومتى تحصد الغصون ومتى تخرج الجذور، وقد سمعته مرة يصف لمريض شجيرة معينة فقال له: يجب أن تحصد الشجيرات قبل طلوع الشمس في آخر غسق الليل، لأنها إذا طلعت عليها الشمس تبخرت فائدتها وقلت فعاليتها، فهو يعرف كل كبيرة وصغيرة عن الأدوية التي يعالج بها، وتُعد بالمئات من الأصناف، منها ما هو من أغصان الأشجار أو أوراقها أو زهورها أو جذورها ومنها من نباتات ليس لها أغصان ولا أوراق كالفطريات بأنواعها، ومنها ما هو مستخرج من عصارات الأشجار المطبوخة كالصبر والمرة ومنها ما هو من إفرازات الأشجار كاللبان والصمغ والمر ومنها ما هو من الحبوب المزروعة كالحلب والمحلب والرشاد والحبة الحلوة والحبة السمراء وغيرها ومنها ما هو من الزهور كالزعفران والعصفر وغيرها ومنها ما هو من الكيماويات السامة ك(التوت) أو (الخضراء) وهي نترات النحاس وغير السام مثل الزاج أو ما يؤخذ من صخور معينة كالحلتيت أو الشب أو من حيوانات بحرية ونباتات بحرية وغير ذلك من الأنواع والأصناف التي تأتي من مختلف الأقطار العربية والعالمية، كل هذه الأدوية قد وضعها في قوائم وأمام كل دواء وصفه وخصائصه ودواعي استعماله وما يخلط معه لعلاج لهذا المرض أو ذاك، هذه القوائم يرجع إليها عند وصف هذا الدواء، فمعالجته كانت على معرفة تامة بالدواء وليست مجرد تجارب على الآخرين، ولهذا فإن علاجات لكثير من الأمراض يصاحبها النجاح بإذن الله، وحتى بعد انتشار الطب الحديث وتوفر الأدوية والأطباء والمستشفيات، يجد كثير من الناس في علاجاته شفاء، والعلاجات التي يركبها بمقادير معينة ليست مقصورة على جزء من الجسم، بل هناك علاجات للرأس بما فيه الأنف والعينان والأذنان والحلق والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز البولي والأعصاب والجلد وآلام الظهر والمفاصل والعضلات وكل جسم الإنسان من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.. وبطبيعة الحال فإنها قد لا ترقى إلى مستوى الأدوية الحديثة التي ركبت وخلطت ومزجت بمعايير ومقاييس دقيقة جداً ولكنها قد تقترب من بعضها وقد تفضل بعضها الآخر، ولكون الشيخ عبدالرزاق قد عرف أسرار هذه العلاجات وركبها بطريقة معينة فقد اشتهر بعدد من الأدوية التي تحمل اسمه مثل (سعوط عبدالرزاق السيف) للأطفال وهو من أنجح الأسعطة حتى يومنا هذا و(طبخة عبدالرزاق السيف) وهي علاج لضيق التنفس والشعب الهوائية، وقد شفي على أثر استعمالها كثير ممن أعرفهم من المرضى وغير ذلك كثير من الأدوية التي تحمل اسمه، ورجل أحب هذا الجانب وعرفه وعمل فيه بما يقارب ستين سنة منذ أن عرفته رجلاً رشيق الحركة خفيف التنقل داخل دكانه لإحضار طلبات المواطنين من الأدوية بكل حيوية ونشاط لاشك أنه عاشق لهذا الفن ومتفانٍ فيه فقد وهبه كل حياته، وحين أحب الطب نقل هذا الحب إلى أبنائه.. وإني لأذكر ابنه عبدالعزيز عندما حضر عندي يريد الابتعاث للدراسة على حساب وزارة الدفاع والطيران، وكنت يومذاك مسؤولاً عن ذلك القسم قال لي: إني أرغب دراسة الطب لا غيره فسألته عن السبب في ذلك فقال: إن إبي يعمل بالطب الشعبي والتداوي بالأعشاب، وإنني أطمح أن أتخذ نفس المسار ولكن بالطب الحديث، وهيأ الله له منحة لدراسة الطب في كلية سالونيك العسكرية باليونات، وتم ابتعاثه إلى هناك وكان التوفيق حليفه بجده واجتهاده ومثابرته، حيث تخرج من الكلية العسكرية ودراسة الطب بامتياز في وقت واحد ثم واصل بعد ذلك دراسته واختصاصه حتى صار استشارياً أول في أمراض الصدر، ثم رئيس لجنة أمراض الصدر بمستشفى القوات المسلحة بالرياض وهو الآن برتبة لواء ركن طبيب، وبحكم احتكاكي به فقد رأيته شعلة متقدة من النشاط والحيوية في مجال الطب وغيره (فضلاً انظر معلومات موسعة عنه في كتاب الأدباء والكتّاب في منطقة حائل) ولم يتوقف تعلق الشيخ عبدالرزاق وعشقه للطب على ذلك بل أصر على أن تدرس ابنتاه الطب وكافح وجالد وجاهد حتى حصلت بنتاه على بكالوريوس الطب من جامعة الملك سعود بالرياض فهو الآن أب لثلاثة من الأطباء وبهذا استحق أن نسميه (شيخ المتطببين ووالد الأطباء).. وله ابنان آخران هما محمد بن عبدالرزاق السيف رجل أعمال ناجح، والشيخ طارق بن عبدالرزاق السيف قاضي المحكمة المستعجلة بحائل، هذا الشيخ عبدالرزاق بن محمد السيف الذي خدم المنطقة طيلة حياته وترك خلفه هذا الإرث الطبي الثابت والمتحرك، ويتمثل الثابت في الأدوية التي ركبها من الأعشاب والعناصر الأخرى والتي ستحمل اسمه حتى بعد أن لاقى وجه ربه.. والطب المتحرك المتمثل في ابنه عبدالعزيز وابنتيه الذين وقفوا حياتهم على الطب وخدمة مواطنيهم ووطنهم ووطننا الغالي المملكة العربية السعودية هذا الرجل الذي خلف لنا هذا الإرث الطبي النفسي بالإضافة إلى كرم أخلاقه وتدينه ومروءته وسهولة نفسه ورحابة صدره وشهرته الواسعة في المنطقة وخارجها، ومن ترك إرثاً مثله فسوف يظل حيّاً في القلوب حتى لو غاب شخصه عن ميدان الحياة، فلا يسعنا إلا أن ندعو له من الأعماق أن يسكنه الله فسيح جناته وأن يجعل في أبنائه وبناته البركة وأن يلهمنا وإياهم جميل الصبر والسلوان.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

ص.ب 8492/ / الرياض 11483


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد