* هل كانت القمة العربية الأخيرة في الرياض، في حاجة ماسّة لحضور (العقيد معمّر القذافي)، لكي تنجح ..؟ وبالتالي .. لو لم يحضر فخامته، تفشل قمة العرب، ويذهب ريحها ..؟
*أعتقد أنّ العكس هو الصحيح، فالقمة كانت تحتاج إلى غياب (فخامته)، أكثر من حضوره، لكي تنجح، وهذا ما حدث فعلاً . فحضوره - لو قدّر الله على قمة العرب هذه وحضر - لا أدري كيف كانت نهايتها..؟
* العقيد القذافي - وهذا لا يحتاج إلى برهان - تعوّد على الصراخ في المحافل العربية كافة، واستمرأ سياسة اللغوصة والتشويش، في كلِّ قمة عربية تبتلى بحضوره، أو بدون حضوره . فأول قمة عربية يقاطعها سيادته، كانت في الرباط عام 1969م، بُعيد قفزه على كرسي الحكم في ليبيا . ثم توالى غيابه، وتكررت مقاطعاته، وتعالت صيحاته وصرخاته وتهديداته، بالانسلاخ من (فضاء العرب)، إلى فضاءات أخرى يرسمها لنفسه، كلما جرى وراء سراب، فمني بهزيمة جديدة.
* صورة ال! عقيد القذافي، جالساً لوحده في القاعة، وخلفه الراحل ياسر عرفات يؤازره، وهو يولول ويصرخ، بعد خروج القادة العرب من مؤتمرهم بالقاهرة عام 1990م، ما زالت عالقة بالأذهان. كان في مشهده ذاك، يهاجم قادة دول الخليج ومصر ببذاءة، لأنّهم وافقوا على التدخُّل الدولي لتحرير دولة الكويت ..!
* قرارات قمة الرياض العربية 2007م، كشفت عوار العقيد، وفنّدت أكاذيبه وافتراءاته، التي أطلقها من قناة الجزيرة قبل القمة بيوم واحد، وكانت مخيبة لآماله في فشلها كما توقّع وبشر. لقد تسرَّع رئيس الدولة العربية، العضو في الجامعة العربية، يوم ظهر على شاشة قناة الجزيرة، سبّاباً عيّاباً كما هي عادته، متعالياً على واحد وعشرين زعيماً عربياً، قال عنهم ذات يوم بأنّهم من أبنائه ..! ثم غاب عن محفلهم السياسي هذا، فسجّل بذلك سابقة في دنيا العرب، لأنّه أول زعيم عربي، يعيب، ثم يغيب، ويخيب ..!
* قمة الرياض - مثل قمم أخرى قاطعها فخامته مشكوراً - كانت في حاجة إلى شيء واحد يملكه القذافي وحده دون بقية الزعماء، وهو الهزل والضحك، كي يرفِّه الحضور عن أنفسهم، ويخففوا من جدِّية المباحثات والمداولات ! . القذافي كان كريماً مع القمة الأخيرة، مثلما كان كريماً مع بقية القمم، فلم يحرم حضور القمة، ولا حتى بقية الشعوب العربية المتابعة، من فرصة للضحك والهزل ساعة جدّهم، لأنّه بكلِّ اقتدار، صاحب (كوميديا سوداء) ..! إنّ صاحب هذه الشخصية الهزلية، عادة ما يعبِّر عن مراهقة سياسية غير ناضجة، فصورته وهو يمارس هذا الدور الهزلي الضاحك، تذكِّرنا بالفنان (نجاح الموجي)، في مسرحية (المتزوجون) ..!
* كوميديا القذافي السوداء، وقفزاته السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس، ومواقفه المتقلّبة بين العروبية والأفريقية والأممية، ومشاكساته الكثيرة مع الأبعدين والأقربين، كلّ ذلك .. لم يأت من فراغ، فالهزائم التي ظل القذافي لا يحصد سواها على مدى سبع وثلاثين سنة، وضعته في هذا المربع الحالك السواد . ففي عام 1980م، خرج مهزوماً في حرب مع تشاد، وحوكم نظامه وأُدين في عملية لوكربي الشهيرة، فدفع من قوت الشعب الليبي مقابل حياته هو وبقاء نظامه، وارتعد خوفاً يوم رأى صدام حسين يخرج من حفرته المظلمة، فكشف عن برنامجه النووي بنفسه، وسلَّم (الجمل بما حمل)، للولايات المتحدة، التي كان يعتبرها عدّوه الأول ..! وانكشفت محاولته الدنيئة، لاغتيال (الملك عبد الله بن عبد العزيز)، بعد قمّة شرم الشيخ، وجرّب الوحدة مع مصر وتونس ومالطا وقبرص والشيطان، فخذله الكل حتى الشيطان ..! وجرّب كتابة الشعر والقصة والرواية، فما وجد صدى لإبداعاته، إلاّ عند الذين يقبضون ثمناً لمدائحهم، وأطلق كتابه الأخضر، ونشر نظريته الثالثة لإنقاذ العالم، فما وجد أذناً تصغي لما يهذي به، ويعده هو من الحِكم غير المسبوقة . ودعم كافة فصائل الانفصال في العالم، وموّل من قوت الليبيين، كلَّ منظمة إرهابية، تعمل في البر أو البحر أو الجو، فانقلب السحر على الساحر، وأصبح العقيد، مطلوباً في قضايا إرهابية، في كلِّ القارات .
* من المؤكد - وهذا واضح - أنّ العقيد القذافي، جرّب كلّ الوسائل التي كان يرى أنّها سوف تحقق له طموحه في الزعامة التي يحلم بها، زعامة على العالم العربي، أو على الشعوب الأفريقية، أو زعامة دولية، لكنه فشل في كلِّ محاولاته، فما كان أمامه في نهاية المطاف، سوى الدِّين، فانطلق بدون خجل أو حياء، يفتي فيه، بل يحرف في آياته، ويشكِّك في مسلّماته، ويطلق ظنونه في الحرمين الشريفين، والمسجد الأقصى، وفي قبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم . ثم أخيراً وليس آخراً، دولة فاطمية ثانية لشمال أفريقيا ..! ربما تعقبها بعد حين من الدهر، جمهورية الصحراء الكبرى، أو جمهورية الطوارق، ما دام القذافي هو الزعيم الذي لا ينافس ..! وهذه كلُّها من مبتدعات وتقليعات قذافية . فما أكثر مبتدعات وتقليعات العقيد.
* تجد قناة الجزيرة في شخص القذافي وقت اللزوم، (عريس غفلة، وباب بلا قفلة)، على حد قول إخوتنا في مصر ..! مثله مثل (ابن لادن) و (الظواهري)، والجزيرة .. لو تخلَّت مرة عن نيّة السوء تجاه الرياض، لوجدت في (الكوميديا السوداء) للقذافي، أكثر وأشهى، مما تقيأ به ضيفها حول قمة الرياض والمبادرة العربية . فأين هي هذه القناة الحرة، صاحبة الرأي والرأي الآخر، من : مؤامرات القذافي ضد القادة العرب، وتدخُّله في لبنان عام 1975م، وتغذيته المستمرة للحرب الطائفية، وجناياته ضد الشعب اللبناني، وقتله لساسة لبنان وزعاماته، ومنهم الإمام موسى الصدر ورفاقه، وما هي قصة دولة (إسراطين)، التي دعا إليها في قمة عربية سابقة في عمّان ..؟! ولماذا كان العقيد، يرمي بمئات الآلاف من الفلسطينيين والمصريين بين وقت وآخر في العراء على الحدود، ويطردهم من جنته الخضراء، ومن حوض نهره العظيم ..؟!!
* الجزيرة تعرف الكثير عن مضحكات القذافي ومبكياته كذلك، فلماذا لا تبحث في سجلِّه الأسود، وتنبش في قضايا ليست بعيدة، ومنها قضية شراء القذافي للدقيق والرز والمكرونة من أسواق مصر، ورميه لها في الترع والمستنقعات ..؟! وقضية تلغيمه لقناة السويس بالمتفجرات ..؟ ولماذا أمر سيادته، الشركات العالمية العاملة في ليبيا في التسعينيات، بعدم تشغيل أي ليبي فيها، وألزم كافة الشركات، أن تحضر عمالها من بلدها، أو تشغل أفارقة، ثم منع المواطن الليبي، من ممارسة التجارة في بلده، حتى لجأ بعض الليبيين مضطرين، إلى التستر وراء أسماء تونسية أو أفريقية ..؟!
* ولو أرادت قناة الجزيرة التسلية، والتخفيف عن جمهورها أكثر وأكثر، وضخّ المزيد من الضحك على شفاههم، لكانت ناقشت مع ممثل الكوميديا السوداء، ظاهرة خروجه على القنوات الفضائية، ومنها قناة الجزيرة نفسها، بملابس أقل ما يقال عنها إنّها نسائية، ذات ألوان زاهية مزركشة، وهو يضع المساحيق على وجهه، ويحف به كتيبة من! الفتيات المجنّدات ..! أو لتعرّضت إلى قضية أخرى ضاحكة مبكية، تتعلّق بالحجاج الليبيين، الذين وجَّه بهم العقيد إلى تل أبيب، بدلاً من مكة ..!
* من الواضح جداً، أنّ فخامة العقيد القذافي، تعمَّد طيلة سبع وثلاثين سنة، التخريب والتهديم في البيت العربي الكبير، أفلا يستحق بعد هذا الجهد العظيم، لقب (العميل رقم واحد)، للدوائر الصهيونية والغربية، التي تعادي الأُمّة العربية، وتسعى لتفرقتها، وإضعافها، وتفتيتها على الدوام ..؟!
* مجرد سؤال لا أكثر .
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«5350» ثم أرسلها إلى الكود 82244
assahm@maktoob.com