Al Jazirah NewsPaper Sunday  15/04/2007 G Issue 12617
محاضرة
الأحد 27 ربيع الأول 1428   العدد  12617
خالد المالك يحاضر عن المذنب
المذنب منذ أزمنة سحيقة شغلت الكثير من المؤرخين والباحثين واحتلت
صفحات كثيرة في سجل التاريخ.. وهي ولودة للعلماء وأنجبت منهم أعلاماً مؤهلين

المذنب - عبدالله الشتيلي - حمد الشايع:

* تصوير - سيد خالد:

استضاف المركز الثقافي للبنات التابع للإدارة العامة لتعليم البنات بالمذنب الأمسية الثقافية التي أقامتها لجنة أهالي المحافظة بالتعاون مع المكتبة العامة، وذلك مساء الخميس الماضي بحضور نخبة من الكتَّاب والأدباء والمفكرين ورجال الأعمال في المملكة.

بدأت الأمسية بآي من الذكر الحكيم، فكلمة للإعلامي المعروف الزميل سليمان العقيلي مدير تحرير مركز جريدة الوطن في المنطقة الوسطى رحب فيها بضيف المذنب الأستاذ خالد بن حمد المالك معدّداً مناقب أبي بشار وأنه مدرسة خرَّجت أجيالاً صحفية متلاحقة.

وقال إن (الجزيرة) بقيادة ربانها الأستاذ خالد المالك علّمتنا أبجديات الصحافة وجسدت منظومة ثقافة الوحدة الوطنية وقوة العلاقة المتجذرة للجزيرة مع الجميع والتي جسدها رئيس تحريرها الأستاذ المالك من خلال علاقته بنشاطات وفعاليات المجتمع.

ثم عرض العقيلي تطلعات أهالي المحافظة وأملهم من صحيفة الجزيرة أن يتم افتتاح مكتب رسمي لصحيفة الجزيرة في محافظة المذنب لكي يجسد علاقة تاريخية بين أهالي المحافظة والجزيرة بدأت منذ نحو 40 عاماً.

وفي الختام قدَّم العقيلي شكره وتقديره نيابةً عن أهالي المحافظة للأستاذ خالد المالك وأعضاء مجلس الشورى والمثقفين والإعلاميين وكافة الضيوف، مشيراً إلى أن جريدة الجزيرة قد جسدت معاني كثيرة في طرحها وتفاعلها مع مناسبات الوطن وكانت نموذجاً في علاقة المجتمع بالإعلام.

بعد ذلك ألقى أمين عام المكتبة العامة الأستاذ عبدالله بن خلف المحنا كلمة رحب فيها بضيوف الأمسية، منوّهاً بجهود أبناء المذنب في خدمة المحافظة، ومبدياً شكره للأستاذ خالد المالك رئيس تحرير جريدة الجزيرة على قبول الدعوة ليكون المحاضر الرئيسي في هذا المساء الجميل.

وجاء دور الدكتور حسن بن فهد الهويمل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم الذي قدَّم المحاضر الأستاذ خالد بن حمد المالك بكلمة قال فيها:

لم أعد بحاجة إلى مزيد من التفصيل عن حيوات الضيف، إذ هي مطروحة في الطريق وبخاصة ما يتعلّق منها بالتعاطي المتواصل مع الكلمة الهادفة في مختلف مجالات الحياة، فالكلمة الإعلامية تجري منه مجرى الدَّم فلقد ولد وفي كفه قلم.

وما ذُكر خالد المالك إلا تبادر إلى الذهن الإعلام بكل صخبه، ولأن الإعلام فَنٌّ وعشق وخبرة فقد كان المالك إلى جانب عطائه مدرسة إعلامية، ويكفي أن تكون مؤسسة الجزيرة مدرسة لأبرز الصحفيين العالميين، وقلَّ أن يتحدث صحفي عن ذكرياته إلا ويكونُ قد مرَّ ب(الجزيرة) وتشكَّل وعيه الصحفي الأول فيها، وقلَّ أن تُذْكر (الجزيرة) ثم لا يُذكر اسم خالد المالك، ف(الجزيرة) والمالك وجهان لوثيقة إعلامية واحدة، وتاريخها المجيد مرتبط به امتطى صهوتها وهي في السفح ولم يترجّل عنها إلا وهي في القمة.

وما إن عادت إلى قواعدها عليلة امتطاها ثانية فكان أن عادت إلى قمتها، وإذا كان من باب المجاملة أن نذكر محاسن الموتى فإن من الإنصاف أن نذكر إنجازات الأحياء ولأنني خبير برؤساء التحرير صحبتهم على مدى نصف قرن فقد كنت أعرف ما هم عليه من قدرة وشجاعة وحرص على مواكبة الحياة بكل ما تعج به من مستجدات.

ومن عرف الرؤساء معرفتي بهم وبتدخلاهم في الشأن الصحفي كله أدركَ أنَّ القلة منهم يمنحون الكاتب مساحة لا تحد من الحرية، بل واستحثوهم على استثمار حقهم واستزادوهم.

ولأنني أدخل (الجزيرة) مع خالد وأخرج معه فقد عطل فيَّ أوكاد إمكانية التعامل مع غيره وعبر خمسين سنة من ممارسة الكتابة والمراسلة والاستطلاعات اكتشفت أن الصحيفة رئيس تحرير.

إنه نُبْضُها، وطاقتُها، وكما قيل في التربية أعطني أستاذاً أعطك طالباً ناجحاً فإنه يُقال على مستوى الصحافة أعطني رئيساً أعطك جريدة ناجحة.

وللأمانة فقد تعاملت مع عدد كبير من رؤساء التحرير فلم يملؤني إعجاباً وإكباراً بقدر ما كان من خالد المالك والدكتور عبدالعزيز النهاري يوم أن كان رئيساً لتحرير البلاد، وما أقوله ليس استنقاصاً لأحد من الزملاء القائمين على صحفهم فلكل رئيس خصائصه ورؤيته، ولكنه الانطباع الشخصي الذي لا أستطيع كتمانه، ولم يكن المالك قائد فريق ولكنه يتوفر على مبادرات في المادة والإخراج والملاحق حققت ل(الجزيرة) نجاحات متواصلة.

أيها الإخوة والزملاء..

أنا سعيد أن أكون معكم في هذه المناسبة التي تُحسب لأبناء محافظة المذنب السبّاقين إلى كل خير، وسعيد للقيام بالاشتراك مع أخي أبي بشار الذي سيحدثكم عن انطباعاته ومعلوماته عن المذنب كمقدمة للحديث عن الصحافة وهمومها وهو الخبير بها وبمعاناتها.

وأنا سعيد حين أجتمع بإخوة جمعتهم من آفاق المملكة هذه الدعوة الكريمة وكانوا من قبل يجمعهم همُّ الكلمة الطيبة. ثم دعا المحاضر لإلقاء محاضرته التي كانت بعنوان (زيارة للمذنب) وفيما يلي ننشر النص الكامل لها.

ها أنذا أعود إلى محافظة المذنب زائرا لها..

معتذرا لأن هناك من المشاغل والالتزامات ما حال بيني وبين الحضور إلى هنا على مدى أكثر من أربعين عاما هي عمر هذا الغياب..!!

أعود إلى هذه الأرض الطيبة..

إلى أهلي بها..

وإلى حبي الكبير لكل شيء فيها..

أعود إليها لأستذكر شيئا من ذكريات الطفولة، وجانبا مما مر بي في شبابي المبكر..

فلي مع محافظة المذنب علاقة ود لا تزال باقية إلى اليوم ولن تزول..

عالقة وحية ومشعة في ذهني ومشاعري ما بقي لي من عمر في هذه الحياة..

علاقة أثيرة على النفس كلما اتسع الوقت لاسترجاعها من الذاكرة بفعل محفزات الحب والوله لها.

* * *

ها أنذا بينكم..

مثل طائر أنهكه المسير في فضاء واسع، فجاء إلى هنا..

يبحث عن شجرة يستظل بها..

يفتش عن غصن مورق يستعين به للبحث عن الدفء بين أوراقه..

عن موقع مناسب أرسل من خلاله صوتي ومحبتي إلى الآخرين..

وعن متلق واع يصغي إلى رؤاي..

فقد كان هاجسي دوما التواصل معكم..

وأملي أبدا أن أكون بينكم ومعكم في هذه المناسبة وكل مناسبة..

في أجواء طابعها كل هذه المساحة الكبيرة التي تحتضن مشاعركم ومشاعري.

* * *

جئت إلى المذنب..

وإلى الناس فيها..

أبث لها ولكم بعض ما عندي..

أغني بكلمات متواضعة عن إعجابي واعتزازي وأشواقي..

أشدو وأقول لأهلي بقدر ما ساعدني به منطقي وثقافتي

وخبرتي بما يليق بهذه المحافظة وأهلها من كلام..

معتذرا لكم إن قصر القول من حيث بلاغته ووضوحه دون الوصول إلى الهدف..

أو إن خلا كلامي مما ييسر ويسهل فهم واستيعاب ما أعنيه وما قصدت أن أبلغه لكم.

* * *

فليس أسعد عندي من أن يجمعني بكم مثل هذا اللقاء في هذا المساء الجميل..

نتحدث فيه معا بشفافية ووضوح وصراحة ومسؤولية..

ويبوح كل منا بما لديه وبما عنده في حرية منضبطة..

تحميها وتحرسها كلمة نزيهة منكم ومني..

ورأي موضوعي من هذا أو ذاك في جمعكم الطيب..

وتوجه عام من الجميع نحو نشر الخير والفضيلة التي هي أملنا جميعا في هذه الحياة..

في تظاهرات ثقافية نسعد إذ يتكرر تنظيمها في محافظة المذنب من حين إلى آخر، حتى وإن تغير أشخاصها والمتحدثون فيها، أو تنوعت فيها الطروحات والموضوعات والأفكار من شخص إلى آخر.

* * *

ولا يمكن لي أن أخفي أمامكم حجم إعجابي وتقديري واعتزازي وأنا بينكم في هذا المساء بما يبذل في محافظة المذنب من جهد في هذا المسار..

حيث المشهد الثقافي المتواصل بفعالياته المتنوعة التي تضم كل الأفكار والتخصصات والاهتمامات دون إقصاء لأحد..

كما لا يمكن لي أن أخفي ما لفت نظري من اهتمام بهذا اللون من النشاطات الثقافية ضمن اهتمامات أخرى تقودونها في ظاهرة تؤكد عمق الوعي والشعور بالمسؤولية لدى الرواد والشباب في محافظة المذنب.

* * *

ولست بهذا أبالغ في القول..

أو أنني أتحدث بغير ما أؤمن به..

بل تأكدوا أن كلامي لكم لا يحمل أي شيء من المجاملة..

وأن كل ما أقوله لكم إنما يمثل قناعتي..

وينسجم مع رؤيتي..

وبالتالي فأنا أخاطبكم بما يتفق مع ما ينبغي أن يقال لكم وعنكم في جو تحكمه هذه المسافة القصيرة بين ما أراه ويراه غيري من اتفاق في الرأي وتطابق في وجهات النظر كموقف منصف ومتفق عليه من الجميع نحو هذا الجهد الثقافي الخلاق الذي تشكرون عليه.

* * *

وبينما كنت أفكر فيما سأتحدث به لكم وعنكم..

طافت بي الكثير من الذكريات..

وعدت بذاكرتي إلى الوراء..

إلى أيام طفولتي وشبابي البكر..

حين كان الطريق إلى الرياض من محافظة الرس يمر عبر محافظة المذنب، وذلك قبل أكثر من أربعة عقود من الزمان..

ولم يكن هناك من خيار آخر أو طريق ترابي بديل أفضل من السفر عبر بوابة محافظة المذنب..

لكن اتجاه الطرق تغير بعد ذلك بسنوات..

فانصرفت السيارات إلى وجهتها الجديدة..

عبر طريق معبد.

* * *

وهكذا اختفت محافظة المذنب من خريطة خط السير الجديدة إلى الرياض لمن يتوجه إليها ويقصدها من باقي محافظات القصيم..

فغابت بذلك عن الأنظار أشجارها الباسقة، ونخيلها الذي يتميز بالجودة والتنوع في الإنتاج، وإرثها الثقافي الكثير والمهم..

وبالتالي أصبح التواصل مع قديم المذنب وجديدها محدودا، لولا أن أهلها بدؤوا مؤخرا ينفخون فيه الروح بتنظيم الكثير من النشاطات الثقافية والرياضية والاجتماعية وغيرها؛ مما أعاد إليها هذه الحيوية التي نشعر بها، وهذا التميز الذي ظهرت معالمه ومؤشراته الإيجابية على رغم انشغال الناس بمتطلبات الحياة التي ألهتهم عن أمور أساسية لصناعة الوعي وبناء الإنسان المتسلح بالثقافة والعلم والرغبة في تحقيق المزيد منها.

* * *

وحين أعود إلى شريط الذكريات هذه..

وإلى سنوات التوقف مع رفاق السفريات عند معالم محافظة المذنب للتزود بالماء والغذاء منها قبل التوجه إلى الرياض عبر طريق بري تحفه كثبان هائلة من الرمال الكثيفة التي تصطاد السيارات في نفودها وتعوقها عن مواصلة السير ليوم أو أكثر..

يتجدد الشوق إلى تلك المزارع والبساتين..

وإلى منظر الشمس وهي ترسل آخر أشعتها المضيئة إلى الأرض ليختفي بعد ذلك ضياؤها متزامنا مع بدء تسابق المسافرين إلى حيث مواقعهم في المركبات باتجاه الرياض.

* * *

كان السفر إلى الرياض يمثل آنذاك فصلا طويلا من المعاناة الكبيرة للمسافرين..

وقد اعتاد السائقون لقطع الجزء الرملي من الطريق ما بين القصيم والرياض أن يكون توقيته متزامنا مع حلول الساعات الأولى من الليل..

لتجنب حرارة الصيف..

وإراحة السيارات من الإجهاد..

ومن توقفها عند ارتفاع حرارتها..

في رحلة شاقة وطويلة، ولكنها عادة ما تكون ممتعة ومصحوبة بشيء من المداعبات لقتل الملل والتخلص من الرتابة المتكررة بين زملاء الرحلة.

* * *

وقبل أن نبدأ هذا المشوار الطويل قاصدين الرياض..

علينا أن نتذكر أيضا قيمة الوقت الذي كنا نقضيه على مشارف محافظة المذنب قبل أن تتحرك السيارات إلى وجهتها نحو العاصمة مع حلول الليل..

حيث كانت هناك بركة للماء تغذى من إحدى القنوات على أطراف إحدى المزارع..

وحيث تتوقف عندها السيارات العابرة..

ليغتسل الناس..

ويشربون..

فيما يتسلل بعضهم إلى داخل بعض المزارع القريبة يأكلون ما طاب لهم منها دون أن يمنعوا من صاحبها أو ينهروا..

في تصرف عفوي ينم عن التسامح والتعاون وروح الأسرة الواحدة في هذا النسيج السكاني الذي نفاخر به ونعتد.

* * *

إن محافظة المذنب، أو ما يطلق عليها أنها بوابة القصيم الجنوبية، هي بحق إحدى أهم محافظات القصيم، حيث يصل امتدادها ما بين نفود صعافيق من الجهة الشرقية حتى قاع الخرما الذي يجاور نفود الشقيقة غربا، وأبعد أجزاء محافظة المذنب نحو الجنوب نهاية هجرة العمار وروضة السلهمية والقعير التي تجاور منطقة السر، وأقصى الأجزاء من الشمال شعيب الضبة الذي يقع في منتصف المسافة بين عنيزة والمذنب، بحسب ما ورد في كتاب (المذنب بين الماضي والحاضر) لمؤلفه عبد الرحمن عبد الله الغنايم.

* * *

والمذنب منذ أزمنة سحيقة شغلت الكثير من المؤرخين والباحثين واحتلت صفحات كثيرة في سجل التاريخ، وقيل فيها وعنها الكثير من المعلومات، وتتبع المهتمون أوضاعها ومراحل تأسيسها موثقا بالمعلومات نثرا وشعرا وبالرصد الأمين لكل ما كان جديرا ويستحق أن يروى من المعلومات عن هذه المحافظة.

فقد وجدت في الكتابات التي سمح وقتي بالاطلاع عليها أن المؤرخين والجغرافيين والباحثين والشعراء، القدماء منهم والمحدثين، قد دونوا وكتبوا عنها ما وثق شيئا مهما من تاريخها وتراثها ومنازل قبائلها، وهو ما يحمد لياقوت الحموي ولبيد بن ربيعة العامري وبشر بن أبي خازم والطويق بن عاصم الثميري والأسود بن يعفر والنمر بن تولب والفيروزآبادي والهمداني وإبراهيم بن عيسى وابن شميل ومحمد بن بليهد وغيرهم. وهؤلاء كان قد أشار إليهم الأخ عبد الرحمن الغنايم في بحث نشر له عن المذنب في مجلة (المنهل) في العام 1410هـ الموافق 1989م، فضلا عما كتبه حمد الجاسر ومحمد العبودي وغيرهما.

ولعل هناك كتابات أخرى لم تتح لي فرصة الاطلاع عليها، مما فوت علي إضافة معلومات أخرى ذات أهمية عن زيارتي لمحافظة المذنب كان يمكن أن تعطي قيمة علمية لهذا الموضوع الذي كتبته عن المحافظة، على أن تتبع تاريخ المذنب بالدراسة والبحث والتقصي وبأدق التفاصيل عنه هي مهمة المختصين بالدراسات والأبحاث، وهو ما لا يمكن لي أن أدعي أني منهم، أو أن أصنف نفسي ضمن المولعين أو المهتمين بالقراءة والكتابة في هذا التخصص الذي يحتاج من المرء إلى مزيد من الوقت والجلد والصبر والخبرة والآفاق الثقافية الواسعة في هذا المجال مع توفر أدوات البحث لديه، وهذا ليس مجالي ولا تخصصي ولا يدخل ضمن أولويات اهتمامي سواء بالقراءة أو الكتابة، وهي دعوة مني - وإن جاز لي أن أقول منكم أيضا - إلى كل من يملك المقدرة والاستعداد بأن يبادر إلى القيام بهذا العبء الجميل نيابة عن غيره، وأن يقدم ما يتوصل إليه ويكتشفه من نتائج علمية ومن معلومات غابت مع تقادم السنين هدية وخدمة منه لأهله ووطنه.

* * *

لقد تسابقت قواميس اللغة أولا إلى التعريف باسم المذنب؛ إذ اعتبر (القاموس المحيط) أن المذنب يطلق على مسيل الماء، ومثله قال (المنجد في اللغة والأدب)، وكذلك فعل (لسان العرب) وإن أفاض في التفاصيل إلا أنه انتهى إلى أن المذنب مسيل ما بين تلعتين، وهو تعريف يتطابق مع ما نسب إلى ياقوت الحموي في (معجم البلدان). ولم أجد في تعريف تسمية المذنب بهذا الاسم في بقية قواميس اللغة المعتبرة، أو ما نسب إلى المختصين حول هذه التسمية، ما يتعارض مع إطلاق اسم المذنب على أنه مسيل الماء.

ولعل هذا التعريف يقودنا إلى الاطمئنان بتمتع محافظة المذنب - على رغم شح المياه في المملكة - بحصة جيدة من المياه، وبالتالي ستظل هذه المحافظة أحد مصادر النمو الزراعي المتواصل في البلاد، ورافدا في توفير حصة من حاجة المستهلكين إلى مختلف أنواع المحاصيل الزراعية، بما لا ينبغي أن يأخذنا هذا الاطمئنان بوجود مخزون جيد من المياه إلى التوجه نحو الإفراط في إهدار هذه الثروة المائية بأكثر مما تحتاجه المزارع؛ بمعنى أن المحافظة على هذه الثروة تعني المزيد من الترشيد العاقل، والمزيد من الشعور بالمسؤولية والنظر إلى المستقبل بشيء من التأمل في أهمية بقاء هذا المخزون المائي المهم والمحافظة عليه حتى لا يتعرض للنضوب.

* * *

ولا يمكن لمثلي أن يغيب عن محافظة المذنب كل هذه السنوات ثم يعود إليها دون أن يتوقع أن تغييرا شاملا قد حدث في شكل المدينة ومظهرها كغيرها من مدن المملكة، غير أن تغييرا كهذا يصبح مقبولا ومميزا وينبغي أن يحتفى به ما لم يكن قد تم إنجازه على حساب هوية المدينة وشخصيتها وتاريخها وتراثها العريق، وأعني بذلك اللجوء إلى إخفاء المعالم القديمة أو إزالتها تماما من الوجود؛ استجابة للرغبة في التجديد، ومحاكاة للآخرين في هذا التوجه، وتجاوبا مع المطالبين والراغبين في التخلص مما يصنف على أنه أصبح من الماضي الذي لا قيمة له في نظر البعض منا.

وقد أتيح لي أن أطلع على شيء كتب عن التراث القديم في محافظة المذنب، ولاحظت فيما كتب أن هناك إشارات كثيرة ومهمة يقول بعض كاتبيها: إن الترميم لبعض المعالم ومظاهر المدينة القديمة قد أفسد الكثير في عملية الإصلاح الترميمية الكبيرة لبعض هذه المواقع الأثرية، فيما يرى آخرون أن اللمسات الإصلاحية التي امتدت إلى هذه المواقع قد حافظت على القديم بتجديده وصيانته وبالتالي ضمان بقائه، وأنه من دون اللجوء إلى هذا العمل ما كان له أن يصمد وأن تفعل استخداماته، بل إنه ربما كان سيواجه مصيره المجهول بأن يختفي من أنظارنا تماما لولا ما تم الإقدام عليه من عمليات إصلاحية.

* * *

في هذه الحالة أعتقد أنه بالإمكان الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وأنه في مقدورنا أن نوفق بين القديم والجديد، دون أن يؤثر هذا في ذاك، أو أن يسيء أي منهما إلى الآخر، وبالتالي لن يأتي من يزعم أن المباني والأسواق الشعبية وكل المعالم القديمة الأخرى تشوه المدينة وتخل بما ينبغي أن تكون عليه من جمال.

يؤسفني أن أقول لكم: إننا استخدمنا الآلة أكثر مما ينبغي في إزالة الكثير مما يميز مدننا وقرانا، وإننا أفرطنا في هدم كل قديم، حتى لم يبق من مظاهر أي مدينة أو قرية في بلادنا إلا القليل الذي يحكي ويجسد التاريخ المضيء لمدننا وقرانا.

وقد لا تكون المواد المستخدمة في المباني القديمة قادرة على الصمود والبقاء أمام تعرضها للسيول وعوامل التعرية، مع ما يصاحب ذلك من إهمال في الصيانة، فضلا عن هجرها وعزوف الناس عنها من غير استخدام، وهذه هي الإشكالية التي أعتقد أنها تواجه الداعمين والراغبين في إبقاء القديم بمثل ما كان عليه ليكون شاهدا على حضارتنا وتاريخنا.

غير أن الجهات المختصة المسؤولة عن التراث، وإن جاء تنظيمها متأخرا، وإن بدأ عملها بعد أن أزيل الكثير والثمين والنفيس من تراثنا الجميل؛ يمكنها الآن أن تحافظ على ما تبقى، وأن تعيد إلى أصدقاء التراث القديم بناء ما تهدم منه وبمثل ما كان عليه وأفضل، باستخدام كل التفاصيل من منافع وألوان وشكل داخلي وخارجي. بل أدعو هيئة السياحة إلى أن تعيد بناء وإقامة بعض المعالم التي أزيلت ولو في مواقع أخرى غير مواقعها السابقة في مدينة المذنب بعد أن يتم التعرف من خلال الصور والمعلومات والشهود على تفاصيل كثيرة عنها.

* * *

وما هو مثير للقلق أيضا ما يقال من أن المزارع في محافظة المذنب لم تسلم هي الأخرى من هجمة البناء والعمران على ما تبقى منها؛ إذ أزيلت الأشجار والنخيل واستبدل بالمزارع مبان سكنية، وكأن الأرض بسعتها قد ضاقت أمام إضافة واستيعاب المشروعات السكنية الجديدة، وبالتالي كأنه لم يكن هناك من خيار آخر يبقي المزارع على ما كانت عليه بحماية أشجارها ونخيلها من الاجتثاث وعدم إزالتها أو التأثير في المزارع التي كانت تزدان بها المذنب، مع تلبية المتطلبات بإقامة المشروعات الإسكانية الحديثة والطرق والمباني الحكومية والميادين والحدائق وغيرها.

إن محافظة المذنب ليست استثناء في هذا التصرف؛ فكل المدن على امتداد الوطن انساقت وراء فكرة إعادة إعمارها على حساب إزالة كل قديم يرمز إلى طابع هذه المدن وتاريخها ومصدر التوثيق والثراء المعرفي وإلى سجل الأبرار من أجدادنا وآبائنا الذين أقاموا هذه المدن وأشادوا مباني تلك القرى المتناثرة في الوطن الغالي بعرقهم وإخلاصهم، وربما يصح لنا أن نقول بدمائهم أيضا.

* * *

والدعوة إلى صيانة وحماية كل ما هو قديم وأثير في مدننا من التشويه والإهمال يقابلها دائما التطلع نحو المزيد من التجديد والإضافة للوجه الآخر لمدننا، ومن المؤكد أننا سعداء بما تحقق لمحافظة المذنب من تطور تعليمي وصحي وعمراني، إلى جانب نموها واكتمال عناصر الخدمات فيها من طرق وهاتف وشبكات مياه وكهرباء وغيرها.

كما أن متابعتنا للمناشط السياحية والثقافية التي يتم تنظيمها من حين إلى آخر تطمئننا وتطمئن كل عشاقها ومحبيها على أن خطوات كهذه سوف تقود مستقبلا إلى ما يعزز مكانة المذنب، ويزيد من تواصل الناس معها، وفرحهم بأن متغيرات الحياة لم تصرف أهل المذنب عن الاهتمام بمثل هذا النشاط أو تقعدهم عن الشعور بالمسؤولية نحو هذه المدينة الجميلة.

* * *

والمذنب محافظة ولودة للعلماء؛ فقد أنجبت منهم أعلاما مؤهلين في القضاء، سواء بما مارسوه من أعمال في مجال القضاء أو من خلال تأليفهم مجموعة من الكتب في التخصصات الشرعية، ولعل الشيخ عبد الله بن عضيب كان أسبقهم إلى ذلك؛ إذ يشير الأخ خالد الحسياني في كتابه عن علماء المذنب إلى أن مولده كان في العام 1070هـ؛ أي منذ قرابة الأربعمائة عام، وهذا يظهر مدى ارتباط هذه المحافظة بالعلم واهتمامها به وتنافس أبنائها على التزود منه بما ميزهم وأظهرهم كرقم مهم في تاريخ القضاء بالمملكة، بل وفي التعليم بجميع تخصصاته.

ويحسن بي وأنا أتحدث عن المذنب أن أنوه بجهد كبير بذله الأخ خالد الحسياني من مركز المعلومات بالمكتبة العامة بمحافظة المذنب في توثيق أسماء الأمراء والقضاة والكتاب في هذه المحافظة؛ إذ إنه ما كان لمثلي أن يتيسر له الاطلاع على هذه الرموز والرواد من الأمراء والقضاة والكتاب لو لم يتصد الأخ الحسياني للتقصي عنها والتعرف على تاريخها بمتابعة وإشراف من مدير المكتبة العامة بمحافظة المذنب الأخ سعود بن عبد الرحمن العبود. ولعلها مناسبة ندعو فيها كل القادرين على امتداد الوطن مدينة مدينة وقرية قرية لإعطاء شيء من العناية والاهتمام لتوثيق تاريخ الرموز والنابهين من أبناء الوطن، اقتداء بما تم في محافظة المذنب وغيرها من المحافظات الأخرى التي كان هناك من أبنائها من قام بمثل هذا الجهد، على أن مشوار توثيق التاريخ لأبناء المذنب ربما أنه لم يكتمل بعد، ولعل السنوات القادمة تكون إيذانا بدخول باحثين آخرين لاستكمال ما بدأه مشكورا الأخ الحسياني.

* * *

ومن أكثر الأشياء التي لفتت نظري وتوقفت عندها خلال متابعتي للحراك الثقافي في مدينة المذنب: ذلك الاهتمام الذي أولي للمرأة لتكون شريكا ومشاركا فاعلا في النشاطات الثقافية والمهرجانات السياحية؛ إذ إن لهذا التوجه مدلوله الحضاري الذي يعطي أفضل انطباع عن مستوى الوعي لدى أبناء وبنات المذنب، ودور التعليم المتقدم والمتنامي في الارتقاء بثقافات كل شرائح المجتمع.

وهذا التنوع في المشاركة النسائية ما بين محاضرة تلقيها إحدى المثقفات، أو ندوة علمية يشارك فيها عدد من النساء، أو أمسية شعرية تكون فيها مشاركة من شاعرات مبدعات من المذنب، إلى جانب دورها في المسرح ببعض المشاهد التمثيلية، وحضورها في المسابقات الثقافية وبعض العروض الشعبية التي تكون طرفا فيها؛ إنما يظهر ويكشف عن أن بنات المذنب لسن مقصيات أو مهمشات أو مغيبات عن أدوار تنسجم مع طبيعة المرأة وبما لا يتعارض مع تعاليم الإسلام ومع الثوابت التي نتمسك بها جميعا، وبينها عدم الاختلاط مع الرجال.

* * *

إن أي كلام سيقال مني ومن غيري، كتابة أو مشافهة، شعرا أو نثرا، عن المذنب - المدينة والمحافظة - هو من باب التذكير ليس إلا؛ فالتاريخ يحمل ومضات مشرقة عن سيرة أجيال من الرجال كانوا بسواعدهم وعقولهم بناة حضارة وصناع تاريخ ومجد، مسنودين بمواقف نساء من الأمهات والمربيات والمعلمات، بما لا أجد ما يمكن أن يقال عنهم وعنهن أكثر من هذه المعالم والشواهد والمشاهد التي يزدان بها هذا الجزء الغالي من الوطن الكبير.

إنه كفاح السنين، وتواصل العطاء، ضمن الموروث الذي اؤتمنوا عليه، وهاهو يتواصل جيلا بعد جيل، ومن محطة إلى أخرى، في مختلف الميادين والمواقع والتخصصات والاهتمامات، بعد أن سار أبناء المذنب وبناتها يمهدون الطرق، ويطرقون الصعاب، أمام معترك الحياة الصعب، دون أن يأبهوا أو يترددوا في هذا السباق لأخذ مواقع لهم في أنصع صفحات التاريخ مع الرواد والبارزين وبناة الحضارات.

* * *

أقول ذلك، ولا ينبغي أن يفهم - خطأ - أنني أستثني مدنا ومحافظات أخرى من هذا التميز؛ إذ إن مدننا ومحافظاتنا كانت ولا تزال هي الأخرى على موعد دائم مع هذا النوع من الإنجازات والتميز، وممارسة أدوار كبيرة منحت أبناءها وبناتها شرف المشهد الجميل الذي تلحظه العين كلما كانت هناك فرصة أو فرص لأي منا لزيارة مدينة أو مجموعة من المدن في هذه البلاد.

ومن المؤكد أن الطموحات لن تقف مكتفية بما تحقق، أو مستكينة بما تم إنجازه؛ إذ إن لكل جيل بصمته الخاصة به، وإن أي إضافة أو تجديد مع الالتزام بالمحافظة على ما هو قديم ينبغي أن يكون شعارا يجب التمسك والالتزام به والمحافظة عليه، وعندئذ ستكون مدننا قد جمعت بين الأصالة والمعاصرة في تراثها ونمطها العمراني، بما يظهر شيئا من تاريخها القديم إلى جانب الجديد، وهذا ما يبدو واضحا للباحثين من خلال حرص محافظة المذنب عليه والتمسك به والإصرار على بلوغ ما يرمي إليه من أهداف، شأنها في ذلك شأن مدن أخرى كثيرة.

* * *

لا بأس أن أتغنى معكم بأجواء محافظة المذنب، وبخاصة في مواسم الشتاء والربيع، حيث اخضرار الأرض، وسيلان الأودية والشعاب والشغايا بمياه الأمطار، وحيث تجمعات المياه في المواقع المنخفضة من الأرض، بما يحول هذا الجزء أو ذاك من هذه الأرض إلى رياض خضراء تتعانق مع البحيرات التي تشكلت من مياه الأمطار؛ لتبدو مع الجبال المنتصبة والرمال الذهبية المصاحبة لها كما لو أنها لوحة أبدع فنان موهوب ومتمكن رسمها بهذا الجمال الخلاب.

ولا عجب حين يشد بعضنا الرحال إلى هذه الديار بحثا عن الاستمتاع بهذه الأجواء الطبيعية، وبهذا الهواء العليل، بين الأودية والمتنزهات البرية، مشدودا إلى ما تكتنزه الصحراء من تميز وتفرد لا نجده في المدن، بما في ذلك تعفير وجوهنا وأجسادنا بالرمال النظيفة التي غسلها المطر وأزال عنها الغبار وميزها بهذا اللون الذهبي الأصيل، حيث يصبح (التطعيس) حينئذ جزءا من التجاوب لممارسته في هذا الجو الذي يعبق بروائح مختلف أنواع النباتات الوسمية التي تجود بها الصحراء.

* * *

ونحن في هذا اللقاء الذي يجمعنا في هذا المساء الجميل نجدها مناسبة للتذكير بأهمية محافظة المذنب، من حيث تمتعها بوضع طبيعي جميل، يسمح لنا بالمطالبة لها عن قناعة بما نجزم أنه يساعد على ضخ الكثير من النشاطات الناجحة التي تجعل منها مقصدا للزائرين ممن تستهويهم البراري والحياة الطبيعية..

ففي المذنب أودية وشعاب..

ورمال ونفود وجبال..

ورياض ومتنزهات برية متناثرة على امتداد مساحة المحافظة..

وبشيء من توفير المتطلبات للمناشط الرياضية والسياحية والثقافية التي بدأت وينبغي أن تستمر وأن تتطور؛ يمكن أن تكون لأرض (فيحان) من الأهمية والاهتمام والتواصل ما يشجع على التواصل معها ممن ليسوا من أهلها بأكثر مما نتحدث عنه ونراه الآن.

* * *

وهذه المطالب تحتاج - ولا شك - إلى عزيمة الرجال، وإلى توفير المال، وإلى استجابة فورية وعاجلة غير آجلة من الجهات المختصة ومن المعنيين بهذا النوع من الحراك.

ومثل هذا التوجه سيجد - كما أتصور - من المسؤولين كل الدعم والمساندة متى ما كانت الصورة واضحة لهم، وكان العرض واقعيا وبعيدا عن العواطف.

ولعل المذنب من خلال تجاربها في التنظيمات التي تمت حتى الآن، وما بلغته فيها من نجاح، وما تبين من خلالها من نقص في المتطلبات؛ تبرز للمسؤولين وجاهة هذه المطالب وأهميتها، وبالتالي تجد المساندة والدعم في تحقيق الممكن منها وليس المستحيل.

وبعد انتهاء الأستاذ خالد المالك من إلقاء محاضرته أجاب على الأسئلة وعلى مداخلات الحضور وتمحور معظم الأسئلة حول الإعلام والإعلاميين وصحيفة القصيم المنتظرة، فيما كانت مداخلة الدكتور محمد آل زلفة خاصة بشكر أهالي المذنب على اهتمامهم بالمرأة حينما خصّصوا هذا المركز الذي يستضيفنا والمالك للمرأة لتمارس دورها الثقافي.

وفي نهاية الأمسية الثقافية قدَّم محافظ المذنب درعاً تذكارياً للأستاذ خالد بن حمد المالك ودرعاً مماثلاً للدكتور حسن بن فهد الهويمل الذي تولَّى تقديم المحاضر، ثم تناول الجميع طعام العشاء المعد بهذه المناسبة.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد