أردت أن أكتب شيئاً عن الأخطل الشاعر فاستندت إلى تاريخ الأدب العربي، فالأخطل أديب النصرانية وشاعر الدولة الأموية، وكان أول غرض من أغراضه الشعرية طرقه الهجاء مبتدئاً بهجاء امرأة أبيه وهو صغير السن كما هجا كعباً من جعيل شاعر تغلب عندما كان يافعاً لكنَّ كعبا أهمله ولم يرد عليه احتقاراً. وأخذ شاعرنا يقول الشعر مدحاً وهجاءً فيما يقع بين الناس من خصومة أو بين قبيلة تغلب وغيرها من القبائل حتى لجأ له يزيد بن معاوية عندما كان ولياً للعهد ليهجو الأنصار ولن أورد المزيد حول هذا الموضوع احتراماً للأنصار رضي الله عنهم وعفا الله عنا وعن جميع المسلمين. وقد نافح عن الأمويين بشعره القوي الذي لا يتجاوز اللباقة، ولهذا فقد آثروه وقربوه وأكرموه.
|
وقد كان نصرانياً غير متمسك بنصرانيته فقال عنه الأب لا منس اليسوعي (إن أثر النصرانية في دين الأخطل ضئيل ونصرانيته سطحية ككل العقائد الدينية عند البدو) فهو يدمن الخمر في حمى الدين ويكثر الهجاء في حمى الخليفة ويهاجم القبائل في حمى تغلب هكذا كان يقال عنه لكنَّ هجاءه كان عفيف اللفظ جيد المتن بعيداً عن فاحش القول، والأخطل سيد في قومه نبيل في نفسه يترفع عن قبيح القول للفرد وإنما يرمي القبيلة بهجائه في الغالب إلا أن ذلك ليس خطأ لا يتجاوزه فهو متجاوز له إن اقتضى الأمر ذلك ولعل أفحش هجائه في قوم جرير.
|
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم |
قالوا لامهم بولي على النار |
فتمنع البول شحا أن تجود به |
ولا تجود به إلا بمقدار |
والخبز كالغنبر النهدي عندهم |
والقمح خمسون إردبا بدينار |
فهو بهذا الشعر هاجم قبيلة الشاعر وبين مثالبها كما يدعي ظلماً وبهتاناً وهو يحاول النيل من قبيلة الخصم للرفع من شأن قبيلته، ولهذا فنجد أنه حتى في الهجاء المباشر لجرير يسوقه على غرار فخر بقبيلته فهو القائل في جرير
|
ولقد شددت على المراغة سرجها |
حتى نزعت وأنت غير مجيد |
وعصرت نطفتها لتدرك دارما |
هيهات من أمل عليك بعيد |
وإذا تعاظمت الأمور لدارم |
طأطأت رأسك من قبائل صيد |
وإذا عدوت بيوت قومك لم تجد |
بيتا كبيت عطارد ووليد |
ومع هذا فهجاؤه لجرير مع ما فيه من قوة إلا أنه لا يصل إلى ما قاله جرير لدى الخاصة والعامة وذلك لبساطة لفظه ومعناه وقبوله لدى الناس، ولقد كان جرير شاباً في الوقت الذي كان فيه الأخطل شيخاً كبيراً والشباب يترك العنان للجنان واللسان أن يحب ويقول ما يشاء أما الشيخوخة فتحول دون الاندفاع غير المقنن والتوقف عن الوثب قبل معرفة مواضع الخطى وقد قال جرير (أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركته وله نابان لأكلني) وباستثناء هجائه لجرير فأغلب هجائه كان سياسياً وكيف وهو الذي عاش في كنف بني أمية جل شبابه ومشيبه ولكونه نصرانياً فهو يتجنب أن يتخذ من الإسلام مجالاً للفخر كما لا يجعله مادة للهجاء، ولذا فقد كان من حكمته التوجه إلى ذكر مناقب آبائه وتلمس مثالب أعدائه غير أنه في بعض الأحيان يستنكر على بعض القوم ما ينكره الإسلام كقوله في كليب بن يربوع:
|
بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم |
إذا جرى فيهم المزاء والسكر |
والأخطل استفاد في حياته من لسانه وحنكته السياسية ومن مقامه في قبيلته وانتقائه لما يتوافق مع الاتجاه العام لضرب الخصوم والذود عن الأصحاب والنافذين.
|
|