1- الفردية
لا بد أن أستهل ما أريد التحدث عنه بالقول إن سر نجاح الفرد في أي مجتمع من المجتمعات، بل والمجتمعات نفسها هو الاعتماد على النفس، وإذا أراد الفرد الخير لمجتمعه، ورغب في تقدمه لا بد أن يبدأ بنفسه.
عندما كان زعيم الهند غاندي في ريعان الشباب نظر حوله نظرة فاحصة فوجد أن المجتمع الهندي مجتمع مفرط في التهاون والتخبط وانعدام الشعور بالمسؤولية فكتب يقول: (لو وجد في الهند إنسان واحد طاهر القلب كامل الإيمان لتحررت الهند من الاستعمار الإنجليزي)، وقرر أن يبدأ العمل بنفسه، وأن يكون قدوة لتحقيق أمنيته، فخلع الملابس المصنوعة في إنجلترا وارتدى ثوباً من صناعة بلده.. ذلك الثوب كان من الخيش الخشن، وكلنا نعرف أن غاندي هو بطل التحرر والاستقلال في الهند.
وإذا أمعنا النظر في الوقت الحاضر في مجتمعنا العربي نجد أنه يُواجه مشاكل كبرى لا حصر لها، وحسب الرأي الشائع والسائد لدى أفراد هذا المجتمع فإن حل هذه المشاكل يقع على عاتق الحكومات العربية.
هذا هو الفرد العربي.. يريد أن يأخذ كل شيء من المجتمع والدولة دون أن يقوم بأي قسط من الواجب تجاه دينه وولي أمره ووطنه، فقد تعلَّم أن يقول: أعطني يدك ولم يتعلم أن يقول: خذ يدي، وبهذا الاعتقاد يعطي الفرد العربي لنفسه صك براءة من المسؤولية، ويعفي نفسه إعفاءً تاماً منها، ويلقي العبء كله على الدولة وحدها فقط، وكأنه قد خُلق ليكون مستهلكاً فقط.. يستهلك ما ينتجه غيره، وعندما تأتي لحظة العطاء والتضحية يقف جانباً ويقول: لست مستعداً لهذا الدور، بالله كم هو محزن مثل هذا الأمر وهذا السلوك!
ولا يكتفي هذا الفرد بهذا السلوك المعيب، وإنما نجده يُحاسب أفراد الحكومة حساباً عسيراً ويتهمهم بالكذب والإهمال والرشوة والتّحيز، وينسى نفسه بأنه غارق حتى أخمص قدميه بارتكاب تلك القبائح والرذائل في حياته اليومية صبح مساء، ولا يترفع عن الإتيان بتلك النقائض، فهو ينهي عن المنكر ويأتي بمثله وذلك عار كبير عليه، بل ويصر على أن الدولة هي التي يجب أن تتحمَّل مسؤولية إيجاد الحلول للقضايا العربية مثل قضية فلسطين.. بينما نجد أن هذا الفرد نفسه لا يكرس دقيقة واحدة من وقته وحياته للتفكير في تلك القضايا.
في حقيقة الأمر.. لقد سرى بين أفراد الأمة اليوم داء عضال، وهو داء الانتقاد واللوم للناس جميعاً وبخاصة الحكومات، وكأنه لا يُوجد في ذلك البلد سكان سوى أفراد الحكومات، وإذا طلبنا من الفرد أن يكف عن اللوم، وأن يعمل بنفسه أجاب غاضباً ومستنكراً (هل يتوقف مصير الأمة عليَّ أنا؟) ناسياً أنه إذا قام كل فرد بواجبه تكون محصلة تلك الجهود إيجابية على الفرد وعلى مجتمعه.
2- الوقت
الوقت شيء ثمين وقيم والحق يُقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولا بد أن نتكلم بصراحة فإن المال ثروة، لكننا نتصرف فيها كغيرها من الثروات.. ننفقها في التوافه، وإننا نملك ثروة أخرى ذات أهمية كبرى في حياتنا وهي ثروة الوقت، تلك الثروة التي اعتاد الفرد العربي أن يهدرها ويسرف في العبث بها سواء كان ذلك في نومه أو زياراته أو لعبه للورق أو في ارتياده للمقاهي والاستراحات ومشاهدة الأفلام التي تُعرض على شاشات التلفاز لمدة طويلة.. والأكثر من ذلك فإنه لا يقبل النصيحة في استغلال وقته بشكل أسلم وأجدى، وحتى إذا لم يفعل ما ذُكر أعلاه فإنه يجلس فيغتاب زيداً حتى ولو كان من أقرب الناس إليه، ويردد الشائعات الضارة والأخبار الملفقة التي تسبب الفرقة والبغضاء بين الناس وأن منشأ هذا الضياع في تقدير الوقت والاستفادة منه هو أن هؤلاء الأفراد لا يدركون قيمة العمل في بناء الشخصية الإنسانية وفي تقدم المجتمعات.
وأقول جازمة بأن العمل هو من مكارم الأخلاق التي ترتقي الأمم بها على سلم العز والمجد والسؤدد، والغريب في الأمر أن العرب هم الذين اخترعوا الساعة، ومع ذلك فإنهم أكثر الأمم هدراً للوقت.