شاهدنا بعض الشباب في برنامج (99) الناجح، والناجح بكل المقاييس، وليس المجال هنا لبيان نقاط ومعايير نجاحه فمن شاهده يقر بذلك. |
شاهدت الحلقة السابقة التي استضاف فيها مقدم البرنامج شباباً لهم هواية لم أسمع بها من قبل وهي (التعديل في السيارات)، وذكر بعضهم أن تعديله في سيارته قد وصل إلى مبلغ خمسمائة ألف ريال!! |
فصعدت مني أنفاس ساخنة بسخونة أجواء الرياض في عز (القيظ)!! |
تخيلت وأنا أشاهد ذلك البرنامج بيوتاً أعرفها، يحتاج أهلوها إلى كيس الخبز، ويتشوقون إلى كيس الأرز، ويحلمون بوجبة يتخللها لحمة!! |
خمسمائة ألف ريال (لجنط) سيارة؟؟؟ |
هذا إن لم نسمه اسرافاً وبطر معيشة، فماذا يسمى؟؟ |
هذه الخمسمائة ألف ريال، ألم تكن بيوت الضعفاء والفقراء أولى بها؟ |
سيأتيك من يقول: إن من يدفع خمسمائة ألف ريال (لتدليع سيارته) سيدفع أكثر للفقراء. |
نقول له: نسأل الله أن يكون ذلك حقاً، والخير متأصل في أبناء هذا الوطن ولكن: ألم يكن من العقل والمنطق ألا يعلن ذلك (المترف) أمام الملأ ما صرف ويصرف على (تدليع) سيارة، وكان الأولى أن يعلن عن تدليع بيت فقير، وعن زرع ابتسامات في عيون من شاهدناهم في الجانب الآخر من أبناء هذا الوطن ممن ابتلوا بالفقر!! |
سمعنا وشاهدنا هؤلاء الشباب الذين يصرفون مئات الآلاف على أمور لا تقدم ولا تؤخر في ميزان الدنيا والآخرة، وسمعنا أعاجيب عن حفلات زواج أسطورية صُرفت فيها ملايين، وحصل فيها من البذخ والبطر ما يجعل سجل (جينيس) للأرقام القياسية يقف احتراماً لها!! |
ما سبق كله يصب في خانة الإسراف وبطر المعيشة، نسأل الله عز وجل أن يغنينا وإياكم غنى لا يطغينا. |
وسألقي الضوء على النوع المضاد لما سبق ألا وهو (المحروم). |
الابتلاءات كثيرة، ومنها الابتلاء بالحرمان من التمتع بما أحل الله من متع الدنيا وملذاتها (بقدر) معقول ومقبول حسب الحاجة والقدرة. |
أليس محروماً من يملك الملايين وإذا رأيته تكاد أن تتصدق عليه بملابسه الرثة، وسيارته التي لم يسلم شبر منها من صدمة او (مبضع) السمكري؟؟ |
أليس محروماً من يقسم أنه (بصدد) دراسة، ودراسة متأنية لأنه نوى أن يشتري جهاز تلفاز لبيته أو جهاز جوال له؟؟ وهو يملك رصيداً يتمنى ربعه أو نصف رُبعه من يخرج من بيته ليزور صديقا أو قريباً، ويرجع وقد اشترى ألعاباً لأولاده، وجهاز جوال من أحدث الموديلات له وآخر هدية لزوجته دون أن يقوم بدراسات (استراتيجية) ولا دراسة جدوى من مكتب استشاري؟؟ |
هناك الكثير من البشر لم يمر عليه قول الرسول: |
(إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) أو قد مرت عليه ولم يفهم مضمونها، أو أنه قد تجاهلها وهذا هو الأقرب عند من يسمى (المحروم)! |
هذا المحروم عنده إجابات (جاهزة) لكل تساؤل يطرح عليه، فمثلاً عندما يُسأل: لماذا تقتني سيارة موديلها ثمانيني أو تسعيني ونحن في 2007؟ |
سيجيبك وعلى محياه ابتسامة لا تخلو من مكر: وهل شوارعنا مؤهلة لسيارات فاخرة وثمينة وجديدة؟؟ |
وإذا سألته: ألا ترحم رجليك بهذه الأحذية الصينية؟ |
سيجيبك بكل دبلوماسية: الحذاء الصيني أو الإيطالي والإسباني، كلها موضعها القدم.. هل الأرجل تميز الصيني من الإسباني؟! |
أحب أن أذكر القراء الكرام بالمصل الذي يقي بإذن الله تعالى من كل ابتلاء، ويفضل أخذه وتناوله عند رؤية كل مبتلى وهو ترديد قول: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً). وهذا ورد عن معلم البشرية الأول محمد صلى الله عليه وسلم. |
لا تسخر من هذا أو ذاك لأن كثيراً ممن سخر من الناس ومما ابتلوا به ابتلاه الله فاحذر أخي الكريم من هذا الأمر أشد الحذر. |
ما أجمل الوسطية والتوسط في كل شيء، وأجمل ما تتمثل به الوسطية هو التوسط في الصرف والنفقة، وقد أُمرنا بذلك في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}. |
وذكر تعالى أن من صفات عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}. |
من أجمل ما قرأت في الأدب أخيراً قصيدة لابن الوردي وكل بيت فيها يغني عن كتاب، ومنها قوله: |
لا تقل أصلي وفصلي أبداً
|
إنما أصل الفتى ما قد حصل
|
بين تبذير وبخل رتبة
|
وكلا هذين إن زاد قتل
|
قصّر الآمال في الدنيا تفُز
|
فدليل العقل تقصير الأمل
|
|