Al Jazirah NewsPaper Monday  23/04/2007 G Issue 12625
محليــات
الأثنين 06 ربيع الثاني 1428   العدد  12625
يارا
كلمة آه
عبد الله بن بخيت

كلمة (آه) نسمعها في كل مكان، ولكنها تتركز في الأغاني والمستشفيات. في الأغاني تتموضع في العين والقلب (آه يا قلبي آه يا عيني)، وتجاوزاً (آه يا ليل). حتى اشتهر كثير من المطربين بالآهات، وعلى رأسهم المطرب السوري صباح فخري، وقد خصَّصت أم كلثوم أغنية كاملة للآهات دون سواها. بينما في المستشفيات تتوسع لتشمل الجوارح كلها، تبدأ من (آه يا ظفري) إلى (آه يا ساقي) و(آه يا بطني) و(آه يا رأسي) إلى منابت الشعر. وال(آه) كما هو معلوم لديكم لا تشرح ولا تعالج ولا تفيد، ويمكن القول: إنها إشارة إلى مكان الألم وتعبير عن حجمه فقط. ففي الأغاني نسمع المطرب يردِّد (آه يا عيني آه يا قلبي)، ولكنه في الواقع يشتكي من حبيبته، أو هي تشتكي من حبيبها؛ فهي لا تستطيع أن تصرخ باسم حبيبها لتقول: (آه يا عبد الله) أو (آه يا محمد)، فتعوِّضها بقولها: (آه يا ليل آه يا عين)، واللبيب بالإشارة يفهم. وهو كذلك لا يستطيع أن يقول: (آه يا سارة آه يا حصة)، فاتَّفق العشاق على كلمتي (آه يا قلبي آه يا عيني)؛ حتى لا يفتضح أمرهم.

هذه الآهات لها تنويعات كبيرة ومتعددة. نلاحظ أن المطرب يردِّد الآهات مصحوبة بالتوسلات والمناشدات والآلات الموسيقية، فمن غير المعقول أن يطلّ علينا في الشاشة ويقول (آه) ويرحل، أو حتى يكرِّر (آه آه آه) مدة عشر دقائق ثم يرحل. وهذه حال المريض في المستشفى، لن يكفيه أن يردِّد كلمة آه وحدها، فيضطر أن يضمنها مجموعة متنوعة من التوجعات (آه يا بطني يا دكتور)، (ذبحني بطني يا دكتور)، (تكفى يا دكتور)، ويضع يده على بطنه ويتلوى ويتسفط. حركات وكلمات وشروحات تتخلل الآهات لتعطيها قيمة درامية.

ولو فككنا الآهات وحللناها سنجدها موجودة على نطاق واسع من حياة الأمة؛ فاللون الأحمر في الأسهم هو في الواقع (آه) ملونة، وكل رقم أحمر نازل هو درجة أعلى من درجات ال(آه)، حتى إذا نشب السهم تحت تصرخ الأمة بصوت واحد (آه يا قريشاتي). ولكيلا نذهب بعيداً علينا أن نعرف أن المقالات التي تُنشر في الجرائد هي في الواقع آهات لا أكثر ولا أقل، فكما قلنا ال(آه) لا تعالج ولا تفيد، مجرد إشارة إلى مكان الألم وتعبير عن حجمه. إذا دققنا في هذا التعريف سنجد أنه ينطبق تمام الانطباق على المقالات والزوايا في الصحف المحلية؛ فوظيفة المقالات ووظيفة الآهات واحدة، مجرَّد صراخ وتوجُّعات وأحياناً إزعاج لا فائدة تُرجى من ورائه. كم مقال كُتب عن الهيئة (كم آهة)، هل تغيَّر في الهيئة شيء؟! هل تحسَّنت أحوالهم؟! كم مقال كُتب عن وزارة التجارة، هل تغيَّر شيء؟! هل تحسَّنت حالهم؟! وقسْ على ذلك بقية الدوائر الخدمية. أعتقد أن ضرر الآهات على صفحات الجرائد أكبر من نفعها. ولكن إذا قلبنا أمر المصالح سنجد أن وزارة الصحة أكبر المستفيدين من آهات الجرائد. المعلوم أن المريض في كل مكان في العالم حتى في الصومال يتأوَّه في المستشفيات، إلا في المملكة صار المرضى يتأوَّهون على صفحات الجرائد، فبدلاً من أن تستقبله وزارة الصحة وتدخله المستشفى ليتأوَّه هناك يأتي إلى الجريدة ويتأوَّه أمام الأمة، لتبرهن لنا وزارة الصحة أن ضغط الألم أقسى من ضغط الكرامة.

****

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«6406» ثم أرسلها إلى الكود 82244

فاكس 4702164

yara.bakeet@gmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6406 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد