* متابعة: محمد العبيد وخالد الفريهيدي
|
ضمن فعاليات مهرجان عنيزة الأول للثقافة والتراث ألقى مساء الثلاثاء الماضي رئيس التحرير الأستاذ خالد المالك محاضرة بعنوان (في صحبة مؤرخ وشاعر وفنان من عنيزة) وذلك في قاعة عبدالله العلي النعيم في المركز الاجتماعي بمركز صالح بن صالح الثقافي، وقد حضرها عددٌ من المثقفين والأدباء والمفكرين إلى جانب متذوّقي الثقافة بفنونها المختلفة، وقد أدار المحاضرة الأديب الأستاذ فايز بن موسى الحربي، وقدَّم المحاضر بكلمة قال فيها:
|
كم أنا سعيد وأنا أقدّم محاضِراً بمكانة هذا الضيف الكبير..
|
كم أنا سعيد والحديث هنا عن عَلَم آخر من الأعلام الذين أنجبتهم هذه المدينة المعطاء ليخلدوا بنبوغهم وتميزهم ذكر هذه الأم الودود الولود مدينة عنيزة الفيحاء درة المدائن النجدية في تاريخها وحضارتها وتسامحها وجمالها:
|
ودارٌ بها ريمٌ سبتني على البعد |
عنيزة قد عزت على القرب والبعد |
ظِباءٌ ضُباها في الجفون وإنها |
على العَمْدِ تسطو في النهى وهي في الغِمْدِ |
من قصيدة للمحتفى به في هذه الأمسية عبدالله العلي الزامل رحمه الله.
|
وعندما يكون الحديث عن عبدالله العلي الزامل تعود بي الذكريات إلى سنوات مضت كانت الحياة بسيطة، والقلوب بيضاء، والفضاء واسع للتسامح، وللخيال البريء.. تعود بي الذاكرة على طلته المعبِّرة من خلال الشاشة الفضية غير الملونة، وإلى شعره الطويل يطل من خلف أذنيه ليلامس كتفيه، في صورة جميلة مقبولة لأنها لم تكن موضة شبابية، ولا تقليعة غربية، لذلك لم تكن نشازاً في ذلك المجتمع الوادع!! أتذكر صوته العنيزاوي الشجي عبر المذياع في برامج شعبية واجتماعية... لا أدري أيشوقني أبو علي المذيع؟، أم أبو علي الشاعر؟ أم أبو علي المؤرخ، أم أبو علي الفنان التشكيلي؟ أم أبو علي الآثاري؟..
|
على كل؛ فلن أتوقف عند أي من تلك الجوانب لأنني سأتركها للمحاضر القدير الذي أجزم بأنه سيبحر بنا في رحلة نحو الماضي، نتوقف خلالها عند بعض المحطات المهمة في حياة الفقيد.. وقبل أن يتحرك بنا رُبَّان هذه الرحلة؛ اسمحوا لي أن أُعَرِّف بمحاضرنا الفاضل الذي لا يضيف له تعريفي تعريفاً، ولا يزيده إطرائي تشريفاً؛ وهل يحتاج إعلامي بقامة أبي بشار إلى تعريف؟!.. إنه إعلامي صال وجال، امتهن الإعلام منذ اليفاع.
|
إنه كما يقول زميله وصديقه الدكتور حسن الهويمل: (ولد وفي كفه قلم، وما ذكر خالد المالك إلا وتبادر إلى الذهن الإعلام بكل صخبه).
|
وأقول: إنه فارس إعلامي لا يعيش للكتابة فقط؛ لكنه يعشق قيادة الكلمة الإعلامية، ولا يرضى بغير النجاح غاية، غامر ونجح.. ترجل كرسي رئاسة التحرير لمدة لكنه عاد بقوة وتجدد.. ارتبط اسمه بنجاحات صحيفة الجزيرة الصحيفة السعودية المفعمة بالتألق والشهرة.. إنه مدرسة إعلامية متميزة.. صاحَبَ ملوكاً ورافق رؤساء، وقابل زعماء.. ومن غيره.. إنه هذا الجالس بمحاذاتي سعادة الأستاذ خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة الجزيرة ونائب رئيس مجلس إدارة هيئة الصحفيين السعوديين الذي أدعوه للبدء في إلقاء محاضرته.
|
|
عندما يكون الحديث عن النابهين من رجالات مدينة عنيزة القدامى منهم أو المحدثين بكلام أمين يقال عن علمائها وأدبائها وشعرائها ومثقفيها ومؤرخيها، كل وما أسهم به في إثراء المكتبات؛ لتمكين العقول من الإفادة من علمهم وثقافاتهم.. فإن أي باحث أو كاتب يرغب في الغوص في أعماق هذا الكنز الهائل من الثقافات المتنوعة، ومن الحرص على التعرف على رموزها وروادها والمبدعين في تخصصاتها -بأمل الإسهام في الكتابة عن واحد منهم- سيكون حينئذ أمام امتحان صعب؛ فالخيارات بين المبدعين في عنيزة كثيرة، والمتميزون كثر، والباحث بين كل هؤلاء ممن لهم عطاءات تتناغم من حيث قيمتها العلمية والتاريخية سيجد نفسه راغبا وسعيدا لو كتب عنهم جميعا لا عن واحد منهم، ولكن أنى له أن يجمع كل هذا المخزون، وهذا الثراء المعرفي، ويتحدث عن كل هؤلاء في أمسية واحدة.
|
ففي عنيزة أعلام من الرجال..
|
|
والتاريخ يشرف برصد هذه الأسماء في سجل المبدعين..
|
وأن يقدمهم معرفا بما أسهموا به من مؤلفات في الميادين والساحات الثقافية..
|
وبالحديث عن أسماء أخرى غير هؤلاء ممن كانوا من الأوائل - إن لم يكونوا الأوائل - في زمنهم في التخصصات النادرة..
|
مع ما لغيرهم من إسهامات ريادية أخرى في الإنجازات وبلوغ النجاح في المواقع الإدارية، بما في ذلك تسنمهم المسؤوليات في الكثير من الوظائف القيادية.
|
ولعل أكثر ما أسهم في هذا التميز الذي ظل أبناء مدينة عنيزة يتمتعون به هو جو الانفتاح والتسامح الذي سادها في كل مراحل التاريخ، فاستثمر الرجال والنساء على حد سواء هذه البيئة المنفتحة في زيادة معارفهم، وفي محاكاة غيرهم؛ مما أعطاهم الأسبقية على مستوى المنطقة، وأحيانا على مستوى المملكة في تسجيل أسمائهم في قائمة الأولويات؛ نسبة إلى التفوق والجدارة التي من حق عنيزة وأهلها أن يزهوا بها.
|
ولم يكن الوجه المشرق لمدينة عنيزة مقتصرا على الجانب الثقافي فحسب، ولكنه امتد إلى كل المجالات والمناشط والاهتمامات، وكأن هذه المدينة كانت على موعد منذ زمن مبكر مع تنوع الاهتمامات والمواهب والتباين في الاختيارات، وفقا للقدرات التي يتمتع بها كل مواطن ومواطنة في مدينة عنيزة؛ الأمر الذي يجد الإنسان نفسه مبهوراً كلما قرأ عن هذه السلسلة من الرجال والنساء الذين قدموا هذه الصور الجميلة لعطاءاتهم المتنوعة خلال سنوات حياتهم.
|
ونحن هنا لا نتحدث من فراغ..
|
وإنما نستمد ذلك من صفحات التاريخ..
|
|
|
ونتعرف من خلال ما كتب فيه عن رموز من الرجال والنساء بعضهم ما زالوا أحياء بيننا، وآخرون ماتوا، لكن آثارهم بقيت حية ولن تموت أبدا، وستبقى شاهدا على خلودهم لما لهذه الثروة الفكرية التي تركوها لنا من قيمة علمية مفيدة لكل الأجيال من بعدهم.
|
وما من أحد قرأ عن أخبارهم..
|
وتعرف على شيء من هذا الثراء الفكري الذي تميزوا به إلا وكان من بين المعجبين والمحبين والمتعاطفين مع هذا النوع من الإسهام العلمي لرجال ونساء ينتمون إلى مدينة عنيزة وبالتالي إلى الوطن الكبير..
|
|
أن نحبهم، وأن نرصد إنجازاتهم، وأن نتحدث عنها، وأن نحيي الأمسيات لإسماع الناس عنها، وتعريفهم بها، فنكون بذلك أوفياء للكلمة الجميلة، والمعلومة الصحيحة، وسندا قويا لكل جهد خلاق بذل من أجل خدمة العلم والثقافة، فنكون بذلك عونا ومشجعا لكل خطوة جديرة بالاحتفاء في هذا الدرب الطويل.
|
لقد فكرت في موضوع يكون مناسبا وملائما لهذه المشاركة في هذا المهرجان من بين خيارات عدة..
|
|
ما الموضوع الذي يمكن أن يتناغم مع بقية البرامج المنبرية المقامة في مهرجان عنيزة الأول للثقافة والتراث، لكي أعمد إلى اختياره بوصفه الموضوع المناسب الذي يجيب عن هذا السؤال..
|
|
فإما أن أتحدث عن المهرجان من حيث مدلوله الثقافي والفكري والتراثي فأقول ما يعبر عن عين الرضا عن هذه البادرة التي تضاف إلى كثير من فرص التألق التي تميزت بها عنيزة في هذا المجال..
|
وإما أن أختار شخصية ثقافية من أبناء عنيزة، فأتحدث عنها بحسب ما يسمح به الوقت وما أعرفه عنها كنوع من الوفاء لها والتذكير بإسهاماتها في الميادين الثقافية والساحات الفكرية..
|
وقد كان ميلي إلى الخيار الثاني لأسباب تولدت قناعتي بها أثناء المقارنة بين الخيارين، وكأن هذا التوجه مني يأتي كما لو أنه امتداد تكريمي من المهرجان لواحد من النابهين الذين ينتمون إلى مدينة عنيزة.
|
ومن المؤكد أن من يستحقون أن يكرموا من أبناء عنيزة بكلام جميل يقال عنهم خلال هذه الفعاليات الثقافية ومثيلاتها إما أنهم أحياء يعيشون بيننا وما زالوا يغدقون من عطاءاتهم ما هو محل الثناء والإعجاب والاحتفاء والتقدير، وبالتالي ففرصتهم متاحة في المستقبل للحديث عنهم..
|
وإما أن يكونوا قد ودعوا الحياة، وتركوا لنا بعد وفاتهم إنجازات ثقافية يستحقون من أجلها أن يحتفى بهم، وبالتالي فينبغي أن يتواصل الحديث عنهم والتنويه بأعمالهم، حتى وإن جاء ما يكتب عنهم متأخرا؛ أي بعد وفاتهم؛ لأن هذا التأخير في توقيت أي حديث عنهم لا يسقط أهميته وقيمته وأحقيتهم به..
|
والحديث عن هؤلاء يأتي جميلا ورائعا حين نتتبع مسارات حياتهم الثقافية لنوثق من خلالها إنجازاتهم وعطاءاتهم، حيثما كان هناك تميز وجد في أي مجال من مجالات الثقافة والفكر.
|
وإبراز إنجازات هؤلاء مسؤولية كبيرة لا ينبغي أن يستهان بها أو أن يقلل من أهميتها، وبالتالي فيفترض أن يقوم بها - تحديدا - من يملك القدرة على البحث المسنود بالتصميم والرغبة في الوصول إلى الحقيقة، وهذه تأتي عادة بمبادرات من العلماء والمؤرخين الحقيقيين..
|
ودون أن تعفى الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث من هذه المسؤولية، أو أن تخلى مسؤوليتها من دور يمكن أن تضطلع به هذه الجهات على شكل لجان وفرق عمل تتولى هذه المسؤولية من أجل تحقيق هذا الهدف..
|
وأؤكد هنا أن أي إهمال أو تقصير أو تهميش أو تجاهل لعطاءات هؤلاء المبدعين إنما نخفي به جزءا مهما من تاريخنا، ونغيب بسببه جانبا مضيئا من تراثنا وموروثنا الثقافي والفكري، ما دمنا لم نتعامل معها بحسب أهميتها وقيمتها الثقافية.
|
ولست بهذا أنكر أن هناك جهودا تبذل..
|
|
وأقلاما تكتب عن هذا وذاك..
|
إلا أن ما بقي إلى اليوم على قائمة الانتظار دون أن تعطى تجاربهم وأبحاثهم ودراساتهم حقها من الاهتمام والعناية لا يزال كبيرا..
|
وإن مسؤولية هذا المهرجان ضمن جهات أخرى كثيرة؛ رسمية كانت أو خاصة، أن تتصدى لهذه المهمة على أسس علمية صحيحة، بإضافة شيء جديد إلى هذا التاريخ البهي؛ بحثا ودراسة وتحليلا عن إنجازات هؤلاء الأعلام في ميادين الثقافة والفكر.
|
هذه توطئة أو مقدمة أو استهلال لكلام عن ابن عنيزة - المغفور له إن شاء الله- عبد الله العلي الزامل الذي وقع عليه اختياري من بين أعداد كبيرة من مثقفي عنيزة ومؤرخيها وشعرائها ماتوا دون أن يأخذوا حقهم كاملاً من الاهتمام الذي يتناسب مع عطاءاتهم الفكرية والثقافية ودورهم المتميز في البحث والتحليل والتدوين ضمن اهتماماتهم الثقافية الأخرى..
|
بينما كان يفترض بمؤسساتنا الثقافية أن تتبنى الاحتفاء بما أضافوه إلى سجل الثقافة العربية بكل فنونها وأشكالها وأطيافها وأدوات التعبير عنها؛ لما يمثله ذلك من رصيد معرفي ومن ثراء فكري جميل..
|
أما وأن الزامل - رحمه الله - لم يتم الاهتمام بإسهاماته في الميادين الثقافية المختلفة لا في حياته ولا بعد مماته إلا على نطاق ضيق، وفي الحدود التي لا أراها تتناسب مع نبوغ مبكر كان قد تميز به هذا المثقف الموهوب، وبخاصة أنه أثرى المكتبة العربية بإضاءات ثقافية متنوعة؛ فقد رأيت أن أحدثكم في هذه الأمسية عن بعض ما أتيح لي أن أتعرف عليه عن تميز هذا المثقف الموهوب.
|
يقال: إن عبد الله العلي الزامل المولود في العام 1333هـ قد ترك مدينة عنيزة حيث ولد فيها وهو في السنة الثانية عشرة من عمره قاصدا مكة المكرمة ليلتحق بالمعهد العلمي هناك حيث تخرج فيه..
|
وكان مجتمع مكة آنذاك بيئة مناسبة مكنته من أن يقطف من ثمارها وعلومها وثقافات أهلها الشيء الذي ساعده على التفوق في أكثر من مجال من المجالات الثقافية.
|
وقد استفاد عبد الله العلي الزامل كثيرا بانتقاله من عنيزة إلى مكة المكرمة؛ إذ أتيح له أن يرتاد مجالس كبار العلماء والأدباء والشعراء في الحجاز؛ يصغي إلى ما كان يدور في تلك المجالس من مناقشات في مختلف العلوم الدينية والأدبية، ويشارك أحيانا - بل كثيرا - على الرغم من صغر سنه في الموضوعات المطروحة للنقاش، وقد ساعده هذا الحضور على تنمية مواهبه، وعلى توثيق علاقته بعدد من الشعراء والأدباء والمهتمين بالتراث؛ فاكتسب وتعلم الشيء الكثير ممن كانوا يرتادون هذه المجالس، وبخاصة أنه كان شغوفا بها ومواظبا على حضورها وفق ما نقله إلى من عاصره في تلك الفترة المضيئة من حياته.
|
لقد أدرك والده الذي كان يمارس التجارة - على ما يبدو - نبوغ ابنه وتعدد مواهبه، فشجعه واهتم به وأعطاه من رعايته واهتمامه الشيء الكثير، وكان من ضمن هذا الاهتمام قراره بنقله من عنيزة حيث مسقط رأسه إلى مكة المكرمة وهو في السنة الثانية عشرة من عمره مثلما أشرنا إلى ذلك من قبل، بهدف أن يتلقى تعليمه في المدارس النظامية التي لم تكن متوافرة في مدينة عنيزة إلى أن تخرج في المعهد العلمي بمكة المكرمة، وكان المعهد آنذاك يعد واحدا من أهم وأعلى المراحل الدراسية في الحجاز.
|
وقد دفعه طموحه وشغفه بالتعليم إلى دراسة بعض مواد اللغة الإنجليزية خارج نطاق وأروقة المعهد العلمي في مكة المكرمة، كما التحق بمدرسة (اللاسلكي) ليتخصص في هذا المجال، ومن ثم لكي يعمل بعد تخرجه في ميدان استهواه وأحبه منذ صغره، إضافة إلى جهات أخرى مارس العمل فيها؛ كعمله في مصلحة اللوازم العامة ومصلحة الأشغال العامة، كما أتيحت له الفرصة للعمل إلى جانب الملك عبد العزيز والملك سعود والملك فيصل، ومع وزيري المالية عبد الله الحمدان ومحمد سرور الصبان ووزير الخارجية إبراهيم السويل، وكل هذه الخبرات مع الالتحاق المبكر بالمعهد العلمي أكسبته الكثير من الخبرات ومن ثم النجاح والتفوق والتميز في جميع المجالات التي طرقها خلال مدة حياته التي امتدت نحو 74 عاما، حيث كانت ولادته في أوائل عام 1333هـ في مدينة عنيزة، ووفاته في مدينة الرياض في العام 1407هـ.
|
كانت معرفتي بالشاعر والمؤرخ والقاص والأديب والفنان عبد الله العلي الزامل - رحمه الله - قد بدأت وعمري إذ ذاك دون الخامسة عشرة؛ فقد سمعت صوته لأول مرة عبر إذاعة المملكة العربية السعودية مقدما ومعدا لبرامج كثيرة فيها، وكنت أجد في صوته المتميز وقدرته على الابتكار والتجديد من برنامج لآخر ما كان يغريني - آنذاك - على رغم صغر سني بمزيد من المتابعة بحثا عن مزيد من المتعة.
|
ثم تعرفت إليه فيما بعد عن قرب من خلال لقاءات عابرة كانت تضمني معه في مجلسه الخاص الذي كان بمثابة منتدى ثقافي كان يحضره أعداد من أعلام الفكر والثقافة ومثلهم من الشعراء وكتاب القصة والمعنيين بالتاريخ والأنساب وبقية ممن لهم عطاءات في الرسم والتصوير واهتمام بالفلكلور الشعبي.
|
لقد كان عبد الله الزامل شخصية ثقافية فريدة..
|
|
|
ونشاطاته الأدبية والفكرية..
|
وكانت ثقافته خليطا من العلوم التي وإن أبعدته عن التخصص في واحدة منها، إلا أنه كان قريبا من الإجادة في جوانب كثيرة منها..
|
مع أنه لم يلتحق دارسا في إحدى الجامعات فيتعرف إلى أساليب البحث وقنوات التواصل مع المراجع والمصادر العلمية كما تعلمها الجامعات لطلابها..
|
غير أنه اختط لنفسه طريقا عززه ونماه بالقراءة عوضا عن الدراسة المنتظمة في إحدى الجامعات، فأجاد وتفوق وأبدع، وهو بعض ما سيكون حديثنا عنه في هذه المشاركة المتواضعة.
|
كان عبد الله العلي الزامل موهوبا بحق؛ فقد طرق باب الرسم وأبدع فيه، مثلما أن له لوحات جميلة في فن التصوير، وكان هذا الرجل أرشيفا متنقلا يحمل مخزونا كبيرا لمختلف أنواع الثقافات، دون أن يتخصص في فن واحد منها، أو أن يكون خريج جامعة في أي من هذه التخصصات؛ إذ إنه توقف عن مواصلة الدراسة بحصوله على شهادة المعهد العلمي وبعض الدورات العلمية المتخصصة في مكة المكرمة كما أشرت إلى ذلك من قبل.
|
ولعله من المناسب أن نشير إلى أن الكتاب كان أقرب الأصدقاء وأحبهم وأكثرهم إيثارا لدى الشيخ الزامل؛ فقد كان رفيقه في سفره وإقامته؛ إذ كان محبا منذ صغره للقراءة شغوفا بالمطالعة، لا يترك فرصة من وقته دون أن يقضيها بين كتبه وفي مكتبته الخاصة..
|
فضلا عن أنه كان حريصا على ارتياد المكتبات كلما كان في زيارة لبعض الدول؛ ليشتري ما يناسبه من الكتب الموجودة في مكتباتها، حتى أصبح لديه مكتبة عامرة وغنية بكثير من الكتب المهمة أثناء إقامته بين مكة المكرمة وجدة، وعندما انتقل نهائيا إلى الرياض بانتقال عمله إليها نقلها معه إلى حيث مكان إقامته الجديدة..
|
ولم يحزن يوما - كما قيل لي - مثلما حزن عندما داهمت السيول الغزيرة مكتبته في الرياض حيث أتلفت الكثير من المخطوطات والكتب النادرة الموجودة فيها.
|
ألف الزامل عددا من الكتب والدواوين الشعرية، وترك بعد وفاته رصيدا كبيرا من المخطوطات لكتب أخرى، حيث عاجله الموت قبل أن ينهي طباعتها، فتصدى ابنه العميد المهندس علي العبد الله الزامل لإكمال إعدادها وطباعتها مستعينا في ذلك ببعض المختصين..
|
ويحضرني من بين هذه الكتب ما طبع منها في حياته وما صدر منها بعد انتقاله إلى رحمة الله، وبعضها على حد علمي اعتمد في بعض الجامعات مراجع لمتطلبات التخرج للطلاب في بعض الكليات؛ تقديرا من هذه الجامعات لقيمتها العلمية.
|
من بين تلك الكتب التي صدرت في حياته هناك كتاب بعنوان: (أصدق البنود في تاريخ عبد العزيز آل سعود)، وقد طبع في عام 1392ه - 1972م في إحدى دور النشر في بيروت، ويعد هذا الكتاب واحدا من أهم المصادر التي تتحدث عن تاريخ الدولة السعودية وسيرة الملك عبد العزيز، وله كتاب آخر عنونه ب(من الأدب الشعبي)، وقد صدر هذا الكتاب عام 1398ه عن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالرياض، وهو عبارة عن تراجم وسير وبحث وتحليل للأدب الشعبي في الجزيرة العربية. وله من الكتب أيضا ديوان (الملحمة الشعبية في تأسيس الملك عبد العزيز للمملكة العربية السعودية)، وقد صدرت هذه الملحمة عام 1399ه - 1979م، وتمت طباعتها بالمطابع الأهلية للأوفست بالرياض، وتعمد الشاعر أن يكتب هذه الملحمة كاملة بخط يده، ومعروف عنه أنه كان متميزا - ضمن مواهبه الكثيرة - في كتابة الخط العربي بأنواعه المختلفة بشكل جميل وجذاب وأنيق. وهناك كتاب آخر من تأليفه عنوانه: (أضواء على الأدب الشعبي: الشعر العربي الفصيح والشعر النبطي المليح)، وهو من الكتب القديمة التي صدرت له، غير أن النسخة التي أحتفظ بها في مكتبتي هي تلك التي صدرت على ما يبدو في عهد الملك سعود بن عبد العزيز وطبعت بمطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر بجدة، وقد خلت من أي تحديد أو توثيق لتاريخ الإصدار، ويرجح بعض المهتمين والمتابعين لنشاط الزامل التأليفي أن يكون هذا الكتاب قد صدر في العام 1377ه. كما وجد في مكتبته بعد وفاته عدد من المخطوطات كتبها بخط يده، بينها كتاب عن الحكم والمواعظ وآخر عن الأمثال وثالث عن الفن الشعبي.
|
والملاحظ أن الشاعر كان مبدعا في فن الرسم مثلما كان متميزا بخطه الجميل.. ولا غرو والحالة هذه أن يقوم بنفسه بتصميم أغلفة بعض كتبه، وأن يخط بيده مادة ديوانه المعنون ب(الملحمة الشعبية في تأسيس الملك عبد العزيز للمملكة العربية السعودية).
|
وبعد وفاته - رحمه الله - صدر له عدد من الكتب، بعض هذه الكتب أتيح لي أن أطلع عليها، وهي التي قام الأستاذ فايز بن موسى الحربي بمراجعتها وتحقيقها وإعدادها للنشر بجهد يشكر عليه، وهي تحديدا: (أشجان شاعر) الذي يضم بعض أشعار عبد الله العلي الزامل، وكتاب آخر عنوانه: (ديوان فقيد التراث الشعبي الأديب الراحل عبد الله العلي الزامل)، ويضم أيضا مجموعة من الأشعار التي قالها عبد الله الزامل في مناسبات مختلفة. وهناك كتاب ثالث للشيخ عبد الله الزامل، وعنوانه: (لمحات وذكريات)، وهذا الكتاب يتحدث فيه عبد الله الزامل عن نفسه باستعراض شيق لفكره وثقافته وتجاربه في الحياة منذ بواكير شبابه وإلى أن وافاه الأجل المحتوم.
|
أريد أن أقول: إن عبد الله العلي الزامل لم يكن شاعرا شعبيا فحسب، لكنه كان أيضا يقرض الشعر العربي الفصيح، وكان ناقدا متمكنا وممتلكا لأدوات النقد، كما كانت له مشاركات صحفية متميزة، حيث مارس الكتابة الصحفية، ويعد من الأوائل في جيله الذين أمدوا الصحافة المحلية برسومات (كاريكاتيرية) في عهد ما يسمى ب(صحافة الأفراد)، هذا إن لم يكن أول من أدخل هذا الفن إلى الصحافة السعودية، وهو ما يجب أن يتم التأكد منه من قبل الباحثين والمختصين..
|
وفي سياق آخر فقد كان عبد الله الزامل عاشقا للتراث الشعبي ولفن الفلكلور، وكان واسع الثقافة في هذا الميدان، فضلا عن أنه كان يمارس بعض هذه الفنون بنفسه ويؤديها بالحركة والكتابة والتوثيق ضمن مواهب متعددة كان متفرغا لها وقادرا على تطورها.
|
والحديث - تفصيلا - عن الأعمال الإبداعية للشيخ عبدالله الزامل - وهي كثيرة - سوف يطول بنا؛ لهذا فهاأنذا أسرع بتقديم الاعتذار لكم عن تعمدي تقديم هذا العرض المختصر والموجز بديلا عن التفاصيل لأهم ما توقفت عنده وأثار انتباهي مما رأيت أهمية الإشارة إليه في هذا الاستعراض السريع لسيرة عبد الله العلي الزامل؛ فقد أشرف على الصفحات التي كانت تعنى بالأدب الشعبي في كل من صحيفة (البلاد) وصحيفة (الجزيرة) خلال المدة ما بين عامي 1381هـ و1389هـ. كما قدم في إذاعتي جدة والرياض برامج لمستمعيها ابتداء من عام 1380هـ بأسماء مختلفة، من بينها إن لم تخني الذاكرة: (صور من الحياة)، و(الفنون الشعبية)، و(من البادية). كما كان متعاوناً مع إذاعة جدة منذ العام 1375هـ، وبخاصة مع الشيخ إبراهيم الشورى رحمه الله.
|
وذكر لي ابنه المهندس علي الزامل أن والده من عشقه للإذاعة وحماسه للعمل الإعلامي خصص جزءا من منزله ليكون بمثابة استديو يتم فيه التسجيل والإخراج، وأن بعض التمثيليات التي كانت تذاع من إذاعة جدة تم تسجيلها في منزله، مع قيامه شخصيا بوضع المؤثرات الصوتية من خرير للماء وأصوات للرياح والسواني والإبل والغنم لهذه التمثيليات والمسلسلات الإذاعية..
|
وبعد دخول التلفاز إلى المملكة كان عبد الله العلي الزامل من الأوائل الذين تعاونوا مع التلفاز، فقدم برامج عديدة، أهمها: (مساكم الله بالخير)، و(لوحة من بلادي)، و(من حياتنا الشعبية)، إضافة إلى عمله مستشارا غير متفرغ لكثير من الأعمال التلفزيونية والإذاعية ومرجعا في اختصاصه.
|
كما كان عبد الله العلي الزامل - كما أشرنا - متمكنا في رسم الكاريكاتير ورسوم الشخصيات وتصميم أغلفة الكتب كأي فنان مبدع متفوق في هذا الميدان، وكل هذا موثق سواء في الصحف التي نشر رسوماته فيها، أو في الكتب التي صدرت له، أو في الصور واللوحات التي أطلعني على بعضها في حياته وآمل أن يكون ابنه علي ما زال يحتفظ بها..
|
وفي السياق الفكري والثقافي ذاته الذي كان يتميز به شيخنا عبد الله العلي الزامل -رحمه الله- أستطيع أن أقول: إن الفقيد كان دودة كتب؛ فحياته أمضاها قارئا وكاتبا ومؤلفا، وكل ريال يقع في يده ويزيد على احتياجه ومصروفه اليومي كان ينفقه في شراء عملة أثرية أو سيارة قديمة أو كتاب مفيد أو طابع بريد مهم، كما كانت له اهتمامات كثيرة خلاف ما ذكرت؛ فهو يعتني بالوثائق والصور القديمة اعتناء واهتماما جيدا، وعنده كذلك اهتمام كبير بالطوابع التي تمثل محطات مهمة في تاريخ دول العالم، وقد ترك ثروة كبيرة منها كلفته في حياته مالا وجهدا كبيرين، مثلما كان له اهتمام بالنقود والعملات القديمة لمختلف دول العالم، وكانت المسكوكات الذهبية والفضية والبرونزية والعملات القديمة من بين أهم ما وجد في خزانته بكميات كبيرة ونادرة بعد وفاته، وكانت مكتبته التي كان يقضي فيها جل وقته غنية بالكتب والمخطوطات والصور وكل ما هو نفيس ونادر، بل حتى السيارات القديمة، وبينها سيارة الملك عبد العزيز الموجودة الآن في دارة الملك عبد العزيز بالرياض، والمقتنيات الأخرى من أسلحة وأوان ولوحات أثرية كانت لها حصة كبيرة من اهتمامه، وكان يشتريها مهما كلفه ذلك من مال، حتى أنه امتلك منها ما لا يوجد عند غيره، وعلى حد علمي فقد ترك بعد وفاته شيئا كثيرا ومهما منها.
|
وباختصار شديد فإن عبد الله العلي الزامل من وجهة نظر شخصية لم يعط حقه من البحث والدراسة لا في حياته ولا بعد مماته، وإن كان الأستاذ حمود النقاء قد نال مؤخراً درجة الماجستير في الأدب العربي من كلية اللغة العربية قسم الأدب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عن رسالته التي كان عنوانها: ( عبد الله الزامل: حياته وشعره من 1333هـ - 1407هـ). وقد أصدرها في كتاب هو الأول من نوعه الذي يتناول حياة الزامل وشعره حيث كشف الباحث جانباً مهماً من جوانب التطور في الشعر السعودي من خلال دراسة النتاج الشعري لشاعر تنقل - كما يقول - في أكثر من بيئة، وزار أكثر من بلد ومر بظروف متباينة جمعت بين ثنائيات متعددة من الخوف والأمن والتشتت والاجتماع والفقر والغنى وغيرها مما هو كفيل برصد نوع من التغيير الإيجابي أو السلبي في الشعر بحسب ما توصل إليه المؤلف، فكان الزامل بهذا أنموذجا لحياة إنسان من أبناء هذه الأرض، وشاهدا على ما مر به ببلده من تحولات وتطورات اجتماعية وثقافية، وهو ما عرف به الباحث الأستاذ حمود النقاء الشاعر الزامل ضمن تفاصيل كثيرة تم رصدها في كتابه: عبد الله الزامل حياته وشعره، وأنصح بقراءة هذا الكتاب للتعرف على حياة الزامل.
|
لقد آن الأوان للدارسين والباحثين لأن يقوموا بالتعريف بما أداه هذا الأديب من دور في خدمة الثقافة والأدب، بوصفه من الرواد المتميزين في العمل الإعلامي والفكري، وبخاصة أن إنتاجه المطبوع ومشاركاته في الإذاعة والتلفزيون والصحافة تتيح الفرصة لمن له اهتمام بالشعر أو التاريخ أو الفلكلور الشعبي أو الرسم لإثراء المكتبة بدراسات وبحوث جادة عنها، على أمل أن يمتد هذا الاهتمام - وبخاصة من هذا المهرجان - إلى مفكرين ومثقفين وأدباء آخرين من مدينة عنيزة رحلوا كما رحل عبد الله الزامل، ولم ينالوا بعد حقهم من الاحتفاء والاهتمام، فيما نحن نريد أن يتواصل هذا النوع من العطاء الفكري والثقافي وألا يتوقف بوفاة أي من الأعلام والرموز.
|
واسمحوا لي في نهاية هذا الإيجاز عن حياة عبد الله العلي الزامل أن أتوجه بالتحية إلى ابنه العميد المهندس علي الزامل وإلى الأستاذين فايز الحربي وحمود النقاء لاهتمامهم بالسيرة الثقافية المتنوعة للشيخ عبد الله الزامل، وإصدارها منقحة وموثقة في عدد من الكتب، واسمحوا لي أيضا أن أوجه التحية لمحافظ محافظة عنيزة أخي المهندس مساعد السليم وللإخوة القائمين على تنظيم مهرجان عنيزة الأول للثقافة والتراث ولأهالي عنيزة جميعاً الذين أكرموني بأن جمعوني بكم في هذا المساء الجميل، ومكنوني من إلقاء ما استمعتم إليه، ولكم جميعا تحيتي وتقديري ومحبتي على حضوركم وإصغائكم.
|
|
|