سعدت بتلبية دعوة سليمان العقيلي ابن محافظ المذنب، وما كنت أعلم أن خالد المالك رئيس الكتبة والمحررين في صحيفة الجزيرة سيكون محاضراً عن المذنب؟ لم تكن رؤيتي للمذنب هي الأولى فقد كنت قد مررت بها في سفر عاجل إلى الاجفر بصحبة شاعر صناجة وابن فارس وشاعر من جيل البناة في الجهاد من أجل توحيد الوطن. كان رفيقي هو الشاعر سعود بن نهير الشمري. قطعنا الطريق متحاورين في ترديد أغنيات التغني بأمجاد وأحباب؟ أبهرتني المذنب بجمال التخطيط الحضري الذي كان من مؤشرات التحضر في أوجه عديدة من التنمية؟ فقد وجدت سعة في الطرقات، وتشجيراً جعل الرؤية خضراء مبهجة، لكن ما كان لافتاً أكثر هو المجسمات الجمالية التي كان لها دور في جلب الانتباه، ليس فقط في أشكالها التصميمية ولا إيحاءاتها الدلالية بل في حسن اختيار مواقعها وما أحيط بها من الزهور الزاهية الألوان والمبهجة للروح والنظر. |
وعندما حط الرفاق في الرحلة وأنا، الرحال في المذنب، كنا في ظني قد تحولنا إلى سياح سعوديين في جزء من الوطن، وكنت أكاد أسمع الترحيب همساً على الشفاه أهلاً بكم في وطنكم، واستعدت ما كان يقدم في التلفاز من خلال برنامج ربوع بلادي؟؟ ولعل الاعتراف بالتقصير في معرفة الربوع هي من خطايا أجيال الوطن التي بات العذر لها غير مقبول في السفر والتعرف على ربوع الوطن في ظل توفر إمكانات وسائل ووسائط النقل وشبكة الطرق الجميلة التي هي من مفاخر الإنجازات، ولعلي أشير بشيء من العتب واللوم إلى جمعية الكشافة السعودية وأداة الأنشطة في وزارة التربية والتعليم التي أخمدت نشاطات صيفية كانت جالبة للشباب من المراحل التعليمية كل عام للسياحة في ربوع الوطن، ولعل الله يعجل بالفرج وتنقشع سيطرة الفكر الذي غيب كل عمل جميل؟؟ فقد كانت المراكز مصدر ثراء في التعارف والتواصل واكتشاف القدرات في مناشط الرياضة والفنون والإبداعات! |
لقد أحسن الداعي العقيلي وكل الرموز الوفية في المذنب أنهم جعلونا نسيجاً في الأرض، لنرى بدائع الجمال الذي احتوته العقول المفكرة المتدبرة في جل ما شاهدناه من مرتفقات المدينة التي تحولت من صعافيق الرمال إلى ميادين استقطاب لصهر الأفكار والإبداعات إلى محسوسات تسر الحاضر والباد. لقد حول جبل رملي يزيد طوله على 250 متراً، إلى مورد سياحي لممارسة رياضة الصعود إلى قمة الجبل من هواة السباقات الرياضية، في منظر جميل يسر النظارة والمشاهدين. وقد عمل الخيرون من المذنب من قادة التغيير سواء من الرسميين أو المجتمع المدني من أصحاب أعمال أو أفكار إبداعية إلى تحويل هذا المكان القفر إلى مركز نشاطات لم تقتصر على السباقات بل لقد وفروا مخيمات وحطباً لمن يأتي للفرجة والسياحة، ولعل الأمل أن يتطور هذا الموقع ليكون أحد مواطن الجذب السياحي عالمياً إن شاء الله، وهمة الأهل والعشيرة في المذنب قوية لا يعيبها سوى شدة التنافس في الحب الفطري للمذنب ولا سيما أن لها من اسمها نصيباً فهي قيعان ونفود ونجوع ونجود تحفظ الماء الذي من خلاله ينبت الزرع والاستقرار والقرار فالأرض جالبة للتوطن لكن بكثير الوعي والتفطن. كما فعل إبراهيم العبودي رجل اتخذ من فعل الخير مذهباً حين خصص بضعة ملايين تبرعاً ليس فيه تبرم، ولا منة لتكون مورداً لإيجاد مساكن لمن كانوا من الفقراء معاشاً لا خلقاً وانتعاشاً. وقد حاز السبق في تبنيه إعطاء عون لمن يتزوجان من أهل بلدته المذنب شريطة البقاء في المذنب؟؟ |
لكن ما زاد من بهجتي بالسياحة ما كان من في ساحة السوق القديم الذي كانت نشأته وإعماره عام 1290هـ فقد أُعيد ترميمه وبات متحفاً فريداً في الوطن بسبب بقاء الهيكل المعماري، وإعادة الحركة من خلال توزع أركانه من قبل هواة جعلوا بقاء الهيكل المعماري، وإعادة الحركة من خلال توزع أركانه من قبل هواة جعلوا من جمع التحف والتراث الشعبي مثالاً يُحتذى في إفساح المجال للأجيال المتعاقبة أن ترى ما كان من شظف العيش وقسوة الأرض مناخاً ومعاشاً، لتكون رابط ذكرى لعزيمة وإرادة الناس على الحياة ومقاومة موجات التوجس والتوحش بالارتباط بالأرض فهي كالعرض تستحق الاستعمار والعمار. |
خرجت المذنب من نمطية الاحتفاء بالسياح السعوديين في وطنهم، فلم تكن القصائد ولا التفاخر في الدعاية وحرق البخور واستجداء العون، فلقد كسرت هذه القاعدة، فقد تبدل الحال إلى الوقوف على مواقع الأعمال والتطوير المتواصل كي يكون الدخول إلى مقر لمركز الاحتفالات الشعبية الذي حوى مسرحاً من طابقين الأعلى للنساء والأسفل للرجال وسيكون هذا منطلقاً لنهضة فكرية واجتماعية كبيرة جالباً لجيل تنوير لا يعبأ بمن يخذل أو يزايد. وهنالك غنايم جمة من شد الرحال والمطايا فقد كان الأهل والعشيرة في المذنب قد عقدوا مع التاريخ والفكر عملاً جميلاً من خلال التوثيق التاريخ سواء في وجود الإسلام والسلام، أو التنافس في جلب المصالح للأرض والإنسان كما فعل السويداني الذي تغرب للكسب ثم عاد ليتبرع بكل ما كسب 80 ألف روبية لحفر بئر للماء كانت نقطة تحول في حياة الناس والنبات في المذنب، وقد كان ما قام به عبدالرحمن الغنايم من توثيق تاريخ البلد أمر جد رائع لا يستحق سوى الإشارة والإشادة. |
ما قبل إقفال السوق لأسهم المذنب المربحة هو ما كان من جولات على مراكز عدة تشارك المجتمع في إنشائها، ولعل مركز التدريب المهني واحد منها، لم يعطل الإنتاج فيه تعليق فتاوى على جداريات كبيرة تحرم رفع الصوت بالغناء أثناء ممارسة التدرب والتدريب، فلقد تنامى الوعي بالقراءة والاستقراء حين انخفض عدد الأشرطة الموزعة في مركز توعية الجاليات من 80 ألف شريط إلى بضع آلاف؟؟ |
كان الختم احتلال مقاعد النساء في مسرح للبنات في المذنب، ولم يكن في ذلك حرج، فقد كانت محاضرة أستاذنا خالد المالك عن المذنب شريطاً مسموعاً جرت به وفيه والتخيلات لما كان الحال قبل أربعة عقود من مساهرة للنجوم في السفر من إقليم القصيم إلى الرياض، ومغالبة السفر في مجافاة السير نهاراً والبحث من ظل وبرد ماء للسيارات والبشر ليكون الاهتداء بالنجوم هو بوصلة الهجرة إلى الشرق، فكانت محاضرته قراءة في مسار طويل من التعايش مع الزمن ومجاراة التطور والنزوع إلى الارتقاء في التحصيل والرؤية والدربة في حب الديار ومن سكن الديارا. |
لقد استحضرت في مخيلتي وأنا في المذنب، روح رجلين من أجدادنا هما الشاعر الشنفري الأزدي الذي كان يجول في غابات حظوة في بني الأسمر، وقد أسس نظرية بات لها الخلود وهي: |
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
|
وفيها لمن خاف القلى متحول
|
وطيف طبق الأجداد في تجوالهم واستيطانهم الأرض، فقد كان التدافع احتراباً وحروباً لكن الغالب في الأمر والله أعلم كان نظرية الشنفري. |
أما الآخر فكان عبدالرحمن بن خلدون الذي أسس نظرية العمران، التي جعلت من العصبية عنصراً للقيام والنهوض لكن كان العمران الاجتماعي أو الاجتماع العمراني هو الأس الثابت في التحول من العصبية الطاردة إلى العصبية المنتجة من خلال التنافس في فنون الإعمار والاستقرار فوجدت أن كلا النظريتين قد تحققتا في جل أرجاء الوطن والحمد لله. |
شكر الله للداعي والمحاضر والمحافظ والأهل والعشيرة في المذنب. |
alwakad.nen |
|