كم يخسر أولئك الذين يبدِّدون ساعات الليل في القلق والأرق والاضطراب، ويسهرون على مثل حَسَكِ السعدان متململين في مضاجعهم مستسلمين للأوهام التي تجد لها مجالاً حينما يخيِّم الظلام.
|
قال لي صاحبي: لو رأيتني البارحة وأنا أتقلَّب على فراشي كالملدوغ، لا يقرُّ لي قرار، ولا يسعُني أهلٌ ولا دار، النوم جافاني، والقلق وافاني، والحسرة تشتعل في وجداني، والألم يهزُّ أركاني.
|
قلت له: ويحك أيُّها الصاحب العزيز. ماذا دهاك؟ وإلى هذه الهاوية من الألم والحسرة والقلق رَمَاك؟ وما الذي أسهر ليلك وآذاك؟ لا بد أنه أمرٌ عظيم، وخَطَبٌ جَلل، ومشكلة كبرى، تجعل كلَّ مشكلةٍ سواها صغرى، فأخبرني لعلي أساعدك في تجاوز هذه الحالة المؤلمة في ليلتك القادمة.
|
وبعد سكوتٍ غير قصير، وبعد شهيق وزفير، نطق صاحبي بما فاجأني، وإلى التعجُّب والشعور بالغرابة ألجأني، فقال - غفر الله لي وله ولكم أجمعين -:
|
جرى نقاش بيني وبين صديق لي في مسألةٍ مشتركة بيننا، قضينا في نقاشها ساعاتٍ طوالاً من نهار الأمس دون أن نصل إلى اتفاق، حتى ضاقت بنا الآفاق، وساءت منَّا الأخلاق، وتهيَّأتْ كلماتُ السوء بيننا للانطلاق، فقيَّدتُ شوارد لساني، وكبحت جماح غضبي وعنفواني، أما صاحبي، فقد فقط السيطرة على العقل والجنان، وأطلق للسانه العنان، فقال كلاماً لو سمعه جبلٌ لتصدَّع، ولو سمعه حليم العرب (قيس بن عاصم المنقري) لاهتزَّ حِلْمُه وتضعضع، ولو سمعه تلميذه (الأحنف بن قيس) لغضبت معه مائة ألف سيفٍ فضرب قائلها وأوجعْ.
|
قلت لصاحبي، الذي بدا لي أنه أصبح يغلي كالمرجلْ، وهو يروي لي ما حصل؛ هل يمكن أن تخبرني ببعض تلك الكلمات القاسيات، التي تهزُّ بما فيها من السوء الجبال الراسيات؟ التي جعلتك تسهر ليلك، وتشكو إليَّ ثبورَك وويلَكْ؟.
|
قال: نعم، ثم ذكر لي كلمات أصابتني بالذهول، هي أهون عشرات المرات مما قاله بعض المشركين، والمنافقين للرسول - عليه الصلاة والسلام - كلمات تدلُّ على غضب قائلها، ولكنها لا تستحق هذه الغضبة المضرية من سامعها، بل هي أهون من أنْ يشغل بها مساحة سمعه، فكيف به وقد أسهر بها ليله، وأوجع بها قلبه؟!
|
قلت له: أما والله لقد بالغت أنتَ في استقبال كلام صاحبك بمثل هذا الاستقبال، وضيَّعْتَ ليلك الجميل بهذا التضخيم والتهويل، إني - أيها الصاحب الغاضب - لأربأ بساعات ليلي ونهاري، وهي جزء من عمري وحياتي، أنْ أبدِّدها بهذه الصورة التي بدَّدْتَ بها ساعات ليلك، ونسيت أن سعة الصدر وسلامةَ القلب، وسمة الصبر من صفات الأنبياء والمرسلين - عليهم صلاة وسلام رب العالمين - وأنَّ الصَّبر على سفاهة السُّفهاء وجهالةِ الجُهلاء، يرفع مقام الإنسان، ويجعله يكسب في نهاية المطاف الرِّهان، وكذلك مقابلة الإساءة بالإحسان.
|
الليل يا صاحبي فرصة هائلة لحياةٍ هادئةٍ، وأنٍسٍ بالزوجة والأهل، ولجوء إلى الحي القيوم، لجوْء خضوع وخشوع واستسلام، الليل واحةُ أصحاب القلوب المطمئنة والصدور المنشرحة، وفيه من فرصة التوجُّه إلى الله والدُّعاء ما يُريح قلب الحزين ويشرح صدر المتضايق.
|
في الليل - يا صاحبي - أسرارٌ لو عرفها أصحاب الأرق والقلق لعرفوا كيف يرفعون نفوسهم إلى مقامات الصفاء والنقاء، والراحة والهدوء، والتجاوز عن الآخرين والصَّفح، أتُراك نسيت قصة ذلك الصحابي الذي ذكر الرّواة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه وهم في مسجده أنه سيدخل عليهم رجلٌ من أهل الجنة، فدخل رجلٌ تقطر لحيته من الوضوء قد علق حذاءه في ذراعه، ولما تابعه بعض الصحابة وبات عنده ليعرف السبب في هذه البشارة العظيمة، لم يجد كثير صوم ولا صلاة، وإنما علم أنَّ الرجل لا يبيت ليلةً وفي قلبه غِلٌّ أو حقد على مسلم؟؟ أَنسيت أن سلامة الصدر أدخلته الجنَّة؟!
|
هوِّن عليك، واربأ بنفسك أن تبقى أسير حقدٍ أو غضب أو سوء خلق، فإن هذه الصفات ستحرمك حتى الموت من جمال ساعات الليل، ومعرفة أسرار الرَّاحة والهدوء فيه حينما تلجأ إلى ربِّ العالمين في جُنْح ظلامه الذي لا يراك فيه أحد من العالمين، استثمر ليلك ففيه تجارة رابحة.
|
|
يا ليل كُنْ بحراً بلا طرفٍ |
فزوارقي الآياتُ والسُّورُ |
www.awfaz.com |
|