إذا كان الأمير عبد الله الفيصل قد جعل من الحرمان موضوعا أساسيا في شعره، فإنه كما قال الدكتور طه حسين (اتخذ التصوير الرمزي وسيلة إلى الشكوى منه - من الحرمان والتبرم والتمرد عليه - وقد عرف الأمير نفسه تعريفا خاصا بأنه (شاعر عربي كل غايته أن يظفر العرب بالآمال) وذلك حين قال عن قصيدته التي سماها (صناجة العرب): |
من الجزيرة أهديها مغلغلة
|
إلى الكنانة في تاريخها الذهبي
|
من شاعر عربي كل غايته
|
أن يظفر العرب بالآمال والغلب
|
شاعر عربي حلمه الظفر - ظفر العرب، حلم عربي خالص، عربي حتى النخاع كما يقولون. |
فما الذي تعنيه عبارة طه حسين إذا نحن قرأناها في ضوء هذا التعريف - تعريف الشاعر لنفسه؟ تعني أنه إذا كان الظفر والحرمان هما القطبان اللذان يدور عليهما شعر عبد الله الفيصل، فإن الأمة العربية تكون هي المحبوبة التي تيمت الشاعر وأسهرت ليله. أمة توافرت لها مقومات السعادة والظفر، لكن منيت بالحرمان، وهو عين ما قاله الشعر عن نفسه في مقدمة ديوانه (من وحي الحرمان): أنا محروم والحرمان مرادف للشقاء، أو هو دليل عليه. وهل السعادة في المنصب والجاه أو هي في الإمارة والوزارة أو في الشباب والجمال أو الثروة والمال؟! إن كانت كذلك فأنا سعيد. ثم يعود فيقول: |
لكنه لا يجد الإحساس بالسعادة حتى وقد اجتمعت كل متمماتها واعتباراتها، لأنه شغل عن السعادة بعوامل أخرى من الألم والأسى وتشغله وتستأثر به عن الشعور بها. |
لقد صور الشاعر عجز القمر، وهو في تمامه، عن ملاحقة السحاب وكأنه يصور الحرمان الذي منيت به الأمة العربية في حقبة من تاريخها الحديث: |
إن ضقت بالحرمان يا ربي
|
والري من حولي فما ذنبي
|
حولي شباب ضاحك يانع
|
كالزهر في أحلى ليالي الربيع
|
والبدر من فوق الربى ساطع
|
يلاحق السحب ولا يستطيع
|
هذا بيت من أروع ما قرأت في الشعر العربي! وهو بيت يفيض بالمعاني حقا: |
البدر من فوق الربى ساطعْ
|
يلاحق السحب ولا يستطيعْ
|
البدر الذي يكتمل ويعلو الربى ويسطع، رمز إلى كل المعاني الإيجابية التي ترجع إلى مقومات ذاتية، فهو مكتمل وهو عال، بل هو يعلو الربى التي هي أصلا من رموز العلو، وهو ساطع، لكنه حين ينهض لملاحقة السحب وهي أدنى منه، لا يستطيع. أليست هذه هي المفارقة التي تطبع النفس بمشاعر الحرمان القاسية حقا؟! ولذلك نرى الشاعر بين حيرة وسهد وبكاء: |
أنا في حيرتي أموت وأحيا
|
كل يوم وأدمعي لي شهود
|
أسهر الليل كالنجوم براها ال
|
حزن غما وهدها التسهيد
|
كلما ساقني إلى البشر مد
|
عاد بي للبكاء مد جديد
|
ولقد بكى الشعر الرمز العربي الخالد في أبيه القائد العربي، فقال: |
كيف أرثيك يا أبي بالقوافي
|
وقوافي قاصرات الجناح
|
ليتني كنت فدية للذي ما
|
ت فماتت من بعده أفراحي
|
وعاش غريب الروح والمشاعر ينشد الراحة فلا يجدها: |
غربتي غربة المشاعر والرو
|
ح وإن عشت بين أهلي وصحبي
|
أبدا أنشد الهناء فألقى
|
حيثما رحت شقوة الحس جنبي
|
أزرع الود والحنان وأسقي
|
واحة الحب من روافد قلبي
|
التاريخ العربي مزروع في قلب الأمير الشاعر، يشهد على ذلك شعراء العربية الكبار الذين اقتفى أثرهم وتفيأ ظلالهم في شعره واحدا بعد واحد، ابتداء من أمير شعراء الجاهلية إلى أمير شعراء العصر الحديث، كما ذكر هو حين قال: (أحببت كثيرا من الشعراء لا أستطيع حصرهم الآن، في العصر الجاهلي طرفة بن العبد والنابغة الذبياني وامرأ القيس وعنترة. ومن العصر الأموي عمر بن أبي ربيعة ومن العصر العباسي المتنبي ومن الشعراء المعاصرين إبراهيم ناجي وأحمد شوقي وعلي محمود طه وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة) إلخ. وإذا كان هؤلاء جملة الشعراء الذين ذكرهم، فغيرهم ممن لم يذكرهم كثير. |
نستطيع نحن أن نذكر الشاعر ابن زيدون مثلا الذي يستصرخه ويستنطقه في القصيدة النونية. حيث يقول الفيصل: |
يا ناعس الطرف قد فازت أعادينا
|
واستبشروا بمناهم في تجافينا
|
وكان بالأمس شادي الورق يطربنا
|
لكنه إذ يغني اليوم يشجينا
|
هما اختصمنا فإن الشوق يجمعنا
|
أو افترقنا فإن الحب يدنينا
|
والقصيدة التي عارضها الأمير هنا، وقد عارضها كذلك شعراء آخرون، هي القصيدة المشهورة لابن زيدون التي مطلعها: |
أضحى التنائي بديلا من تدانينا
|
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
|
عارضها أحمد شوقي كذلك بقصيدة مطلعها: |
يا نائح الطلح أشباه عوادينا
|
نأسى لواديك أم نشجى لوادينا
|
وأمير الشعراء الذي عارض كثيرا من قصائد الشعر العربي، وكان مدينا لهذا الشعر العربي بتفجير شاعريته، كان حظ شاعرنا من التجاوب مع شعره ومعارضته أو محاورته غير قليل. استمع إلى الأمير عبد الله الفيصل وهو يقول: |
قد ساءلت من أنت قلت أنا الذي
|
قضيت عمري مدنفا أهواك
|
ما كنت أومن بالعيون وفعلها
|
حتى دهتني بالهوى عيناك
|
قلبي كما تبغين ألف صبابة
|
قد مل كل خريدة إلاك
|
لترى ما يكون بين طائرين من طيور الأيك من تجاوب وتراسل بالغناء والتغريد، حين يقول شوقي: |
ما لي فتنت بلحظك الفتاك
|
وسلوت كل مليحة إلاك
|
وهذا شيء يعمد إليه عمدا ليرينا عمق الوشائج التي تربط الشعر العربي بعضه ببعض وتجعل بعضه يستنطق بعضا. |
انظر كذلك ما بين قوله السابق: |
أبدا أنشد الهناء فألقى
|
حيثما رحت شقوة الحس جنبي
|
|
أبدا أقطع البلاد ونجمي
|
في نحوس وهمتي في سعود
|
لتدرك غزارة ما قرأ عبد الله الفيصل من الشعر العربي، ولنعلم أن همه وشقاءه من ميراث هذا الشعر نفسه. |
لقد حظي شعر الأمير بدراسة عنه في جامعة السربون هي دراسة الباحثة منيرة العجلاني، وأشار إلى ذلك الرئيس الفرنسي جاك شيراك، حين كان عمدة باريس، فقال مخاطبا الشاعر: (إن الروائع الأدبية تأتي نتيجة اتفاق بين الكاتب وعبقرية اللغة التي يستعملها. ولعل هذا هو الذي وقع بالضبط لصاحب السمو الملكي واللغة العربية. لقد تعزز عملكم الأدبي سنة 1982م بظهور ديوان جديد (حديث القلب)، إلا أن لكم أكثر من ديوان لم يزل مخطوطا، وإن محبا مثلي ليأسف على ذلك.وقد كانت روائعكم الأدبية مادية لإنجاز أعمال جامعية، ذلك أنها كانت موضوعا لرسالة الماجستير في جامعة السربون.ولكنني أرى أن شعره جدير بدراسات أخرى، خصوصا وقد مضى زمن طويل منذ ظهور الدراسة المشار إليها التي اعتمدت على بعض شعر الشاعر، ثم إن جوانب الدرس في شعره متعددة إذا علمنا أنه أراد أن يخضع الشعر القديم لمستجدات المادة الشعرية الحديثة. |
د.السيد إبراهيم |
|
|