Al Jazirah NewsPaper Wednesday  09/05/2007 G Issue 12641
متابعة
الاربعاء 22 ربيع الثاني 1428   العدد  12641

الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز - سيرة عطرة وذكرى خالدة
د. عبدالعزيز محمد الفيصل

رحل عبدالمجيد عن الدنيا الفانية إلى الدار الباقية نرجو له القبول من الرب الغفور، وطريقُ الموت سار فيه والده وأبناؤه الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد، فهو طريق يمر به كل يوم أعداد كثيرة من البشر ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة.

لقد استبشرنا بعودة الأمير من العلاج واستقبال خادم الحرمين له، وعم الفرح أرجاء البلاد، ثم فوجئنا بخبر وفاته في وقتِ طمعٍ في بقائه، فكانت الفاجعة أكبر وطأة على قلوبنا:

صال فينا الردى جهارا نهارا

فكأن المنون تطلب ثارا

وأخذنا نردد قول الشاعر:

أيتها النفس أجملي جزعا

إن الذي تحذرين قد وقعا

وإذا كان عبدالمجيد قد رحل فإن أعماله تخلده، لقد تولى إمارة تبوك وعمل فيها عمل المخلصين فأحبه وألفه العاملون في الإمارة، وأحسن السيرة في نطاق إمارته في مدينة تبوك وفي قراها وباديتها، فاستقبل الكبير والصغير وصاحب الحاجة، لا يغلق بابه ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد فسرت محبته بين أبناء الإمارة فلا تسأل إنساناً عن الأمير عبدالمجيد إلا ويجيبك بمحبة الأمير وبالإشادة بأعماله، لقد كان متواضعا يألف الكبير ويدني الصغير ويستمع إلى الشكاوى وإن طالت، ويقبل على محدثه بوجه الرضا والقبول بدون برم أو ضجر، واختار الله له الخير فنقل من إمارة تبوك إلى إمارة المدينة، وفي المدينة سيد البشر وقبور ثلاثة من الخلفاء الراشدين وبعض المبشرين بالجنة وقبور الصحابة والتابعين فخدمة بلد فيها سيد البشر وصحابته وأنصاره شرف وأي شرف، وقد كان عبدالمجيد أهلاً لهذه المسؤولية فنهض بعمله وخدم مدينة المصطفى، فأدى الأمانة وأرضى ربه قبل أن يرضي سكان المدينة والحجاج والزائرين، فقدر اجتهاده وقوبل بالرضا من لدن ولي الأمر، بالإضافة إلى إشادة قاطني المدينة وزوارها، إنها الأمانة عندما يحملها الرجل الصادق وهو يعرف ثقلها فإن أداءها يكون موازياً لحملها.

وينتقل من خدمة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خدمة مكة المكرمة أشرف بقعة في الأرض، ويتاح له غسل الكعبة المشرفة أكثر من سنة وتلامس رجلاه أرضها الطاهرة ويداه حيطانها المشرفة، فتكون أيامه الأخيرة خدمة البيت العتيق والعناية بحاجات الحجاج والمعتمرين، فهذا شرف لا يدانيه شرف قبل أن يكون مثوبة وأجراً، إن المسلم ليتمنى خدمة الحرم وإن كانت قليلة فكيف بخدمة مستدامة على مدى اليوم والليلة، إن رجلا خدم المدينتين المقدستين ثم انتقل إلى ربه بعد خدمة أفضل بقعة في الأرض ليرجى له الخير والقبول من رب العباد، لقد انتقل إلى الدار الآخرة وولي أمر المسلمين راضٍ عنه وهذا شرف عظيم، ثم إنه انتقل إلى الدار الآخرة وقاطنو المدينتين المقدستين مكة والمدينة راضون عنه؛ لأنه عمل فيهما بما يرضي الله فتابع المشروعات واهتم بأعمال البر من نفع اليتامى والفقراء والعاجزين بالإضافة إلى الأعمال اليومية التي لا بد من إنجازها. إن عبدالمجيد بن عبدالعزيز من الرجال العاملين، فقد شهد له بحسن الإدارة والحزم والعزم فهو لا يتراخى ولا يؤجل، وهذا هو سر نجاحه في عمله في الإمارات التي تولاها.

لقد قدر ولي الأمر الرجل العامل عبدالمجيد بن عبدالعزيز فاستقبله عندما عاد من العلاج، واستقبل جثمانه، وصلى عليه؛ لأن خادم الحرمين الشريفين يحب الرجال العاملين ويقدرهم، فهذا شرف للأمير الراحل، وقد كان خادم الحرمين الشريفين يتابع حالته الصحية ويتمنى له الشفاء ولكن:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كل تميمة لا تنفع

فهل نعتب على الدنيا في فقيدنا عبدالمجيد، وقد قيل فيها:

وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طواحة طراحة، آسية جراحة، كم راقد في ظلها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفَسه، ويودع دنياه، ويسكن رمسه وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخط من رماد تحت صفائح أنضاد، وقد أسلمه الأحباب، وافترش التراب، في بيت نجرته المعاول، وفرشت فيه الجنادل.

وإذا كان النثر قد أوقفنا على حال الدنيا فإن الشعر قد زاد عليه، فما أكثر الشعراء الذين ضمنوا أشعارهم غدر الدنيا، من ذلك:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

له عن عدو في ثياب صديق

وقول الآخر:

بنو الدنيا فرائس للمنايا

وناب الموت عنها غير ناب

ومن يغتر في الدنيا بعيشٍ

فقد طلب الشراب من السراب

وقوله:

أرى العيش في الدنيا كأحلام نائم

فلذاتها تفنى، وأحداثها تُفني

وقوله:

صروف الليالي لا يدوم لها عهدُ

وأيدي المنايا لا يطاق لها ردُ

ولكن ماذا نقول وحوادث الدهر تنتقل من حي إلى حي، فرواعدها مُرْزِمَة، مؤذنة بقدومها:

إذا ما الدهر جر على أناس

حوادثه أناخ بآخرينا

نعزي خادم الحرمين الشريفين في أخيه عبدالمجيد، فقد أعده -حفظه الله- للملمات ولكن يد المنون اخترمته، فكأني بخادم الحرمين يقول:

وأعددته ذخراً لكل ملمةٍ

وسهم المنايا بالذخائر مولعُ

ونقول لخادم الحرمين:

حفِّضْ همومك، فالحياة غرور

ورحى المنون على الأنام تدورُ

والناس في الدنيا كظل زائلٍ

كل إلى حكم الفناء يصيرُ

إن ذكرى الأمير عبدالمجيد باقية خالدة، فأعماله جليلة تذكر الناس بما قدم للمدينتين المقدستين، وهما أشرف بقاع الأرض ومن بقي ذكره في تلك البقاع فلن يضيره زوال شخصه، فالذكر للإنسان عمر ثان.

فتى غاب عنا شخصه دون ذِكرهِ

فأصبح فينا حاضراً، وهْو هالكُ

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيج جناته، وأبدله داراً خيراً من داره فقد طويت صفحة دنياه، ونشرت صفحة آخرته.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد