قبل ربع قرن كانت لي ذكريات جميلة في منطقة الجوف، حيث كنت وقتها أشرف على دراسة هيدروجيولوجية لمنطقة واسعة من بلادنا الغالية ومنطقة الجوف، وبسيطاء بالذات إحدى محطات هذه الذكريات.. في ذلك الوقت كانت كلمة بسيطاء تخيف من يسمعها، وكل أهل المنطقة يطلقون هذه الكلمة للدعوة على العدو بالبسيطاء أي بالهلاك في تلك الأرض التي كانت بالفعل تمثل الصحراء الجرداء القاحلة، زرت وزملائي منطقة الجوف عام 1402هـ وتجولنا بها وحددنا مواقع لحفر آبار استكشافية للبحث عن مصادر المياه الجوفية وتنميتها، الشاهد أن بسيطاء في ذلك الوقت كانت عبارة عن أرض منبسطة واسعة لا يوجد بها أي مظهر من مظاهر الحياة، لا يوجد بها أشجار أو أي معلم من معالم الحياة. تم حفر العديد من الآبار الاستكشافية التي أظهرت نتائج غيرت وجه المنطقة بشكل عام وبسيطاء بشكل خاص فيما بعد. تم ولله الحمد اكتشاف الطبقات المائية في بسيطاء وكانت المياه الجوفية ذات نوعية جيدة وكميات كبيرة وتسابقت الشركات الزراعية للحصول على موطئ قدم هناك بمجرد تسرب بعض نتائج الدراسة.
أوضحت النتائج أن هناك خيارين للوزارة، أحدهما إذا كانت وزارة الزراعة والمياه ترغب في الاتجاه إلى استثمار منطقة بسيطاء وإعطاء الأولوية للإنتاج الزراعي فإنه يمكن توزيع نحو (96.000) هكتار وكانت ثورة القمح في بدايتها، أما إذا رأت الوزارة إعطاء الأولوية للمحافظة على مصادر المياه فيمكن توزيع (48.000) هكتار. اختارت الوزارة وللأسف الشديد الخيار الأول ولم يتم الاكتفاء بتوزيع ما أوصت به الدراسة وهو (96.000) هكتار، بل تضاعف ما تم توزيعه عدة مرات، وأصبحت هناك هجرة للشركات الزراعية والأفراد إلى منطقة بسيطاء لوجود ميزة نسبية لا تتوفر في غيرها وهي توفر المياه الجوفية على أعماق متوسطة ونوعيات ممتازة، وكذلك توفر التربة الصالحة للزراعة وهذه العوامل مجتمعة ساعدت على تحقيق معدلات عالية من الإنتاج الزراعي.
يوجد بمنطقة بسيطاء طبقتان مائيتان هي طبقة الرواسب الثلاثية وطبقة الطويل ويعتقد البعض أن المياه الجوفية لم تتغير كمياتها وأن مناسيب المياه الجوفية لم يطرأ عليها أي تغيير وأن هناك تغذية مستمرة، حتى أن البعض يدعي أن التغذية تأتي من تركيا، وفي الواقع إن هذا الكلام ليس صحيحا أبداً بل العكس صحيح، فالمياه الجوفية مستوياتها في انخفاض والشيء الذي لا يعرفه إلا الراسخون في علم المياه أن هناك تسربا في مياه الطبقات فبعضها تتسرب إلى طبقات أحدث منها، وسبب ذلك وجود خسف وادي السرحان wadi Sirhan Graben الأرضية وهو أخدود هابط بفعل الحركات التكتونية Tectonic movement الأرضية، حيث تتسرب المياه حسب الدراسة التي تنفذها الوزارة حالياً من طبقة الساق وما فوقها من طبقات مائية عبر أخدود وادي السرحان إلى الطبقات العليا.
وعلى الرغم من أن الوزارة قد تبنت العديد من التنظيمات والإجراءات للحد من ظاهرة التسابق على الزراعة وحفر الآبار، إلا أن الكثير والكثير من أصحاب الأراضي والاستراحات كانوا وما زالوا يتحايلون على النظام بأعذار واهية هدفهم منها حفر المزيد من الآبار وليت هذا الحفر يتم وفق المواصفات الفنية بل على العكس هدف الحفار الحصول إلى تكلفة الحفر وهدف صاحب البئر الحصول على المياه، أما المحافظة على المياه فينطبق عليهم المثل (أنا ومن بعدي الطوفان) إلى أن أصبح وللأسف استزاف المياه الجوفية على مستوى المملكة ظاهرة من بعض أصحاب المصالح موجودة ونتائجها مخيفة وخطيرة والمتتبع للوضع القائم يدرك أن هناك سباقاً للوصول بالمياه إلى الهاوية بدليل الهجرة الزراعية من منطقة بعد أن يغور ماؤها إلى منطقة أخرى وكأن المصلحة الخاصة وتحقيق الأرباح السريعة لها الأولوية في حياتنا، أما استدامة مصادر المياه لهذا الجيل وللأجيال القادمة فتعتبر من روايات ألف ليلة وليلة وليس لها وجود في قاموسهم.
ولشدة استهتار إحدى الشركات الزراعية بالمياه أن قدمت دراسة لزراعة الأرز الذي لا يعيش إلا في الأراضي الزراعية المغمورة طوال فترة حياته.
يحل هذه الأيام خادم الحرمين الشريفين وحكومته -أعزه الله- في منطقة الجوف، وها هي الجوف تهتز فخراً بمقدمه - يحفظه الله- ويحق لها أن تفخر؛ فهي أرض الخير، أرض العطاء، أرض الماء، وهي التي لم تبخل بالماء الذي حباها الله عز وجل، وآثرت أن يشرب غيرها من مائها ومشروع مد المياه من بسيطاء إلى طريف خير دليل على ذلك.
(*) وكيل وزارة المياه والكهرباء لشؤون المياه