Al Jazirah NewsPaper Thursday  10/05/2007 G Issue 12642
الرأي
الخميس 23 ربيع الثاني 1428   العدد  12642

شَرَفُ الانتماء
عبدالعزيز بن صالح العسكر

كل مخلوق يحب الأرض التي ولد فيها، والبيئة التي استنشق هواءها، والوطن الذي مشى فيه منذ أبصرت عينه الحياة. وعلى هذا جاء قول الشاعر:

ألم تر أن الطير إن جاء عشه

فآواه في أكنافه يَتَرَنَّم

ومثل الطير الحيوانات الأخرى، وعند العرب قصص كثيرة للإبل وغيرها في حبها وحنينها إلى موطنها الأول ورجوعها إليه إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.

ولكن الإنسان وهو أشرف المخلوقات قد ضرب في حبه لأرضه ووطنه مثلاً رائعاً قوياً؛ وسجل الشعراء ذلك الحب في أبيات من الشعر حفظها الناس على

مر الأزمان. ومنها قول أحدهم:

إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي

وأضحى فؤادي نُهْبَةً للهماهم

حنيناً إلى أرض بها اخضر شاربي

وَحُلَّتْ بها عنِّي عُقُودُ التمائم

وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه

وأرعاهم للمرء حقَّ التقادم

أما الصِّمة بن عبد الله القشيري فقد أبدع في وصف حبه لوطنه؛ وأصبح وصفه لما يكنُّه من حبٍ لنجد حديث الركبان في أسفار الأدب. يقول القشيري:

أقول لصاحبي والعيس تهوي

بنَابَيْنَ المنيفة فالضِّمار

تمتع من شميم عَرار نجدٍ

فما بعد العشية من عرار

ألا يا حبَّذا نفحات نجدٍ

وريَّا روضه عبَّ القطار

وعيشك إذا يحل القوم نجداً

وأنت على زمانك غير زار

شهور ينقضين وما شعرنا

بأنصافٍ لهنَّ ولا سِرار

فأما ليلهنَّ فخيرُ ليلٍ

وأقصر ما يكون من النَّهار

وإذا كان الحديث عن الوطن وحبه والانتماء إليه فإن حديثنا عن المملكة العربية السعودية له طابع خاص، ومعان مُتميِّزة، وسياق فريد؛ فالمملكة ليست بلداً عربياً فقط، وليست وطناً لفئة من الناس فحسب، كما أنّها ليست بيئة جغرافية فريدة يعشقها أهلها لجمال طبيعتها، وليست كذلك بلاد انتصارات وتقدم ونهضة تأسر ساكنيها بخصائصها السياسية والاقتصادية؛ ولكنّها ذلك كله وفوقه ما لا يملكه بلد في العالم، وما لم تنله دولة على وجه الأرض في عالمنا المعاصر إنَّ أرض المملكة العربية السعودية تضم أقدس الأماكن في العالم؛ وفيها قبلة المسلمين التي إليها يتجهون في صلاتهم إلى قيام الساعة. ويكفى ذلك شرفاً وفخراً وعزّاً.

ولقد أسست المملكة على منهج شرعي وأقيمت أنظمتها وفقاً لما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما كان يحرص عليه الملك عبدالعزيز باني المملكة وموحدها.

يقول رحمه الله: (وإن خطتي التي سرت - ومازلت أسير - عليها هي إقامة الشريعة السمحة كما أنني أرى من واجبي ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف)(1). وكان هذا جزءاً من خطبة له في المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة ورد في إحدى خطبه (أنا بذمتكم، وأنتم بذمتي، إن الدين النصيحة أنا منكم وأنتم مني، هذه عقيدتنا في الكتب التي بين أيديكم، فإذا كان فيها ما يخالف كتاب الله تردونا عنه، واسألونا عما يشكل عليكم فهمه، والحكم بيننا كتاب الله، وما جاء في كتب الحديث والسنة)(2).

تأصيل شرعي لقيام الدولة المسلمة سار عليه الملك عبد العزيز وأبناؤه من بعدهم رحمهم الله وغفر لهم.. ووثقه النظام الأساس للحكم الذي صدر في عهد الملك فهد وورد في المادة الأولى منه: (المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ولغتها هي اللغة العربية).

إنّ سلامة المنهج وصلاح التأسيس قد ضمن لهذه البلاد - بحمد الله - أمناً ورخاءً وعزَّةً فقدتها بلاد كثيرة في العالم. وفي ذلك يقول الملك عبدالعزيز: (لقد كنت لا شيء، وأصبحت اليوم وقد سيطرت على بلاد شاسعة.. ولقد فتحت هذه البلاد ولم يكن عندي من الأعتاد سوى قوة الإيمان، وقوة التوحيد ومن التَّجدد غير التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فنصرني الله نصراً عزيزاً.

لقد خرجت وأنا لا أملك شيئاً من حطام الدنيا ومن القوة البشرية، وقد تألبَّ الأعداء عليَّ، ولكن بفضل الله وقوته تَغَلَّبتُ على أعدائي وفتحت كل هذه البلاد)(3).

وفي كلمة جوابية من الملك سعود إلى والده - رحمهما الله- تأكيد قوي على سلامة المنهج وعمق الفهم للدين الذي تتميز به بلادنا ولله الحمد يقول الملك سعود: (انه لا قوام لديننا ودنيانا إلا بالله ثم به، من اتبعه نجا بنفسه ونجا من ولاه الله عليه، وإني إن شاء الله سأجتهد واعتمد ماذكره مولاي من النصائح الدينية والدنيوية وأرجو إن كان الله يعلم في ذلك أن يوفقني لرضاه ثم لرضا جلالتكم وأن يوفقني لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين وولايتهم...إلخ.)(4).

إنّ الملك سعود وهو خليفة والده في الحكم يؤكد حقيقة منهج الدولة وصدق قيامها بأمر الله وتطبيق شرعه ويعدُّ ذلك مفخرة وامارة عز ورقي ورفعة.

وحينما طلب من الملك فهد -رحمه الله- أن يتحدث عن والده تحدث بحديث يؤكد ما أشرنا إليه هنا ويعبر بصدق ووضوح أنَّ زَرْعَ عبدالعزيز قد اتي أكله بإذن الله، وأثمر خير ثمرة في هذا العصر. يقول الملك فهد: (وحين أتكلم عن شخصية الملك عبدالعزيز فإني أتكلم عنه والداً وأستاذاً وإماماً. الوالد الذي أعد بنيه وربى فيهم الإحساس الصادق الواضح بالمسؤولية العظيمة الدقيقة تجاه العقيدة والشريعة والدعوة والمقدسات والوحدة ومصالح الوطن والمواطنين والأمة الإسلامية جمعاء.

والأستاذ الذي علم تلاميذه (فن الحكم) القوي الحكيم الصالح.

والإمام الذي قاد هذه الأمة - في هدي الكتاب والسنة - إلى مراقي العزَّة، ومدارج الكمال، ومستوى المهابة والمجد، وأحرز لها مكانة مرموقة في المستوى الدولي والعالمي.

ثم يوضح الملك فهد أنَّ والده ليس زعيماً سعودياً لا يحبه ولا يستفيد منه إلا شعبه فقط؛ ولكنه إمام نفع الله به وببلاد المسلمين جميعاً ولذلك أحبوه من قلوبهم وأحبوا بلاده أكثر من حبهم لأوطانهم. يقول الملك فهد: وإذا كان من حقنا - ومن حظنا - أن نفخر ونعتز بهذا القائد الملهم المجدد، والمصلح التاريخي باعتباره أباً قوياً صالحاً حَقَّق من الإنجازات الوطنية مالم يحققه زعيم آخر معاصر له، وما لم يحققه زعيم آخر جاء بعده، فإنَّ من حق كل مسلم - في هذا العالم - أن يشترك معنا في هذا الفخر والاعتزاز باعتبار الملك عبدالعزيز زعيماً إسلامياً عالمياً رفع راية التوحيد، وطبق شريعة الإسلام، وجدد مسؤولية الدعوة إلى الله على مستوى التزامات الدولة، وأقام وحدة اجتماعية وسياسية وجغرافية كبرى على أساس الإسلام...)(5).

هذه أبرز دعائم وأسس مكانة المملكة بين دول العالم ردَّدها المؤسس وأبناؤه من بعده وشهد بها التاريخ لهم سجل مجداً وعزاً. وبالإضافة إلى ذلك سمعنا وقرأنا من خصائص بلادنا وولاة أمرها الشيء الكثير جداً الذي يملأ الأسفار. وسأورد هنا باختصار بعض الخصائص الأخرى للمملكة العربية السعودية.. وهي خصائص تمنح المملكة بُعْداً إسلامياً عالمياً ومكانةً دوليةً متميزةً واستقلالاً ينفي عنها التبعيَّة لشرق أو غرب. وممن شهد للملك عبدالعزيز وأبنائه من بعده عددٌ من علماء أهل الحدث في الهند. وورد ذلك في كتاب ألفه أبو المكرم بن عبدالجليل سنة 1419هـ ومن خصائص المملكة العربية السعودية:

1 - ان تقويم الدولة هو التقويم الهجري وقد نص على ذلك النظام الأساس للحكم في مادته الثانية. وصدر الأمر السامي الكريم في 18-1- 1421هـ بالتأكيد على العمل بالتأريخ الهجري في كافة المكاتبات والمراسلات في جميع الوزارات والمصالح الحكومية والأهلية.. وذلك استناداً إلى أن التاريخ الهجري هو تقويم الدولة.

2 - ان علم الدولة هو العلم الوحيد في العالم الذي يحمل كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولذلك - وكما ورد في النظام الأساس للحكم: لا ينكس العلم أبداً.

3 - ورد في المادة السابعة من النظام الأساس للحكم: يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة.

4 - وفي بيان صريح وصادق نَصَّت المادة الثالثة والعشرون من النظام الأساس للحكم على ما يلي: (تحمي الدولة عقيدة الإسلام، وتطبق شريعته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة إلى الله).

ولذلك تطبيقاً لمقتضى هذه المادة أنشأت الدولة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعين الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ مساعداً لرئيسها عام 1336هـ حيث كلفه بذلك الإمام عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز ثم ولاه الملك عبد العزيز منصب الرئيس لهذه الهيئة عام 1345هـ واستمر فيه حتى توفي سنة 1395هـ. وفي عام 1400هـ صدر المرسوم الملكي بإقرار نظام الهيئة.

5 - وكما أسلفنا فقد نص النظام الأساس للحكم في مادته الأولى على أنّ لغة الدولة هي اللغة العربية، وأكدت توجيهات الدولة وأنظمتها هذا الأمر فجاءت التعاميم لتؤكد على أنَّ لغة المكاتبات الحكومية والأهلية ولغة التعليم وأسماء المواطنين والمحلات التجارية يجب أن يكون كل ذلك باللغة العربية الفصحى.. وإذا احتيج إلى لغة أخرى فتوضع تحت العربية ونصت التعاميم على أنَّه لا يقبل بحالٍ أن تطغى لغة أخرى على اللغة العربية.

ويطول بنا المقام لو أردنا استقصاء خصائص بلادنا وما أنعم الله به عليها وما قدمه ولاة الأمر لأمتهم وبلادهم.. وما جهود الملك عبدالعزيز وأبنائه سعود وفيصل وخالد وفهد ثم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في دعم الفلسطينيين وجمع كلمتهم ودعم المسلمين في أنحاء العالم وبخاصة في النكبات والكوارث ما ذلك بخافٍ على أحد ولقد شهد به كل منصف، وكان له أعظم الأثر في نفوس المسلمين وغير المسلمين.

وسأورد هنا بعض شهادات المنصفين من المؤرخين والكتاب والشعراء قديماً وحديثاً ممن عرفوا الملك عبدالعزيز وأبناءه ورأوا ما أثار إعجابهم من خصائص المملكة.

يقول عبد الرحمن عزام أول أمين للجامعة العربية عندما أنشئت عام 1364هـ:

(عرفت جلالة الملك عبد العزيز وعرفني قبل أن نلتقي ببضع سنين، فلما كان حج سنة 1346هـ - 1928م وأتيح لي أن أتشرف بلقائه، وأنزل ضيفاً في ساحته، رأيت فيه مثلاً للعروبة في حالتها النظرية، تتجلى فيه المعاني التي ظهرت في حياة العرب في جاهليتهم وإسلامهم وأول هذه المعاني العزة والثقة في النفس، وما ينطوي عليه ذلك من عقيدة في سمو القوم الذين ينتسب إليهم، فكل شيء في نظره هو دون المستوى الذي ترسمه العروبة في خاطره، والملك عبدالعزيز في ذلك مثل كل عربي لم تلوثه الحضارة الغربية، يعتقد أنَّ العزة لله ثم له)(6).

أما غير العرب فقد كانت شهاداتهم قوية الدلالة على ما كان للملك عبدالعزيز من مكانة دولية، وما تبوأه من مقام بين زعماء العالم وقادته مما جعل بلده شامة بين البلدان ومضرب مثل في الأمن والرقي النفسي والاجتماعي قبل أي رقي وتقدم. يقول المستشرق المجري جرمانوس (الملك الذي جرد السيف في سبيل دينه وعقيدته يجمع بين روح الحرب وروح السلم، لا يقاتل الناس ولا يعتدي عليهم، وإنما يحارب الجهل، ويقاتل الجمود ويكافح التآمر). ولما قابل هذا المستشرق الملك عبدالعزيز وحادثه أعجب به وترجم إعجابه في هذه الكلمات: (استروحت في حديثه للعواطف التي تصدر عن أب يحيط ابنه بجليل سجاياه حتى يتأثر بها، ويحتذيها، وكانت هذه الأحاديث دلالة قوية على أنني أجلس إلى رجل عربي التفكير، مع ما هو مفطور عليه من إغراق في رعاية الجانب الديني، وتسويده على مشاعره جميعاً، وهكذا مستني وأنا أصافحه تلك الرهبة التي تمس العارف بأقدار الأبطال حين تكون يده ملء يد البطل)(7).

ويرجع أحد الكُتَّاب الغربيين سبب نجاح الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في توحيد المملكة إلى سبب واحد لا ثاني له فيقول موريس جارنو: (إذا كان ابن سعود قد نجح في لم شعث الجزيرة العربية تحت لوائه، فإن مردَّ ذلك إلى أرقى عوامل الترامي والتماسك، أي: (التقيد الشديد بأحكام القرآن) (8). وإنها لشهادة حق وصدق شهد بها هذا الرجل وقد جاء بها القرآن الكريم. قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (55) سورة النور.

وانظر هنا (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم) وفي مقابلها (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) وعاجل ثوابهم وجزائهم (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).

وفي موضع آخر ضمن الله تعالى النصر والتمكين لمن يقيم شرعه، ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. فإقامة شرع الله تبدأ بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وما يتبع ذلك من شعائر الدين؛ وجاء النص على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأهميتها قال الله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج 40-41).

ومن المنثور إلى المنظوم؛ فقد شهد الشعراء بما كان للملك عبدالعزيز ودولته من مكانة وتفوق. وهذه أمثلة يسيرة من دواوين الشعراء مما قيل من الشعر في موضوعنا. يقول الشاعر اللبناني الفلسطيني خليل مطران المتوفى عام 1369هـ من قصيد بعنوان: (سل أهل نجد):

كالنجم بعداً وتدنيه مؤانسةٌ

كالليث بأساً وفيه حلم إنسان

رصانةٌ وذكاءٌ وانبساط يدٍ

أكرم بها يد سمح غير منان

سل أهل نجدٍ وسل أهل الحجاز به

تسمع أحاديث سمار وركبان

وسل أولي عبقريات جروا معه

عن عبقريته في كل ميدان

نعم الأمين لبيت الله يوسعه

براً ويرعاه في تقوى وإيمان

أقرَّ حاضره عدلاً وباد به

ما انفع العدل مقروناً بإحسان

بنى القرى في أقاصي البيد يعمرها

وقبله لم تباشرها يداً بانِ

يستقبل العيش فيها من تَدَبَّرها

ولا تُرَاع له شاءٌ بذؤبانِ

وأخرج الدرُّ من أخلاف جلمدها

للعائلين ومن أجواف غِيْرانِ(9)

يشير الشاعر إلى مواطن تفوق ونبل عبدالعزيز آل سعود، فيذكر رعايته لبيت الله الحرام، وبناءه للمدن والقرى في المملكة، ويذكر الأمن الذي عم البلاد، ويذكر الثروة التي فتحها الله عليه من البر والبحر.

أما الشاعر سليم اليعقوبي فإنه يشير إلى خاصية بارزة في المملكة العربية السعودية، وهي أن شعبها الذي بايع الملك عبدالعزيز وآزره وعامله بالوفاء والصدق.. ودرج على ذلك الأبناء بعد الآباء، وذلك الشعب شعب متدين متمسكٌ بدينه صافي العقيدة أصيل الشيم والأخلاق، فيقول الشاعر في ذلك:

شعب عبدالعزيز، شعبُ جهادٍ

في سبيل الإسلام والتوحيد

لا يرى أن يحيد عن منهج الح

قِّ، ولا أن يكون شعب جمود

درج المسلمون فيه على الدي

ن فما كان أمرهم في خمود

إنَّما الدين للحياة وما كا

ن لغير الحياة شعب الخلود

فهناك الحياة لا ذُلَّ فيها

إنما العزُّ في حياة النجود

وهناك الإقدام إن ثارت الحر

ب، يثير الجهود تلو الجهود

وهناك التجويد في نظم العد

ل، وخير الجهود في التجويد

وهناك الأخلاق يغرسها الشي

خ - وللشيخ خلقه - في الوليد

وهناك الإسلام يرفعه الل

ه ويحمي عرينه بالأسود (10)

ونختم نماذج الشعر بأبيات للشيخ فؤاد الخطيب الذي عمل مستشاراً عند الملك عبدالعزيز عام 1945م، وهذا الشاعر يقارن بين حال الجزيرة قبل حكم الملك عبدالعزيز في خوف وجوع وحروب، وبين ما صارت إليه بعد مجيء الملك عبدالعزيز وتأسيسه للمملكة؛ فيقول:

إنَّ الجزيرة كانت أمس عاريةً

واليوم قد لبست أثوابها القُشُبا

كم خيَّمت فوقها الأرزاء حالكةً

كأن كل ضياء في السماء خبا

فكان سيفك نوراً في الظلام لها

وأين قبلك سيف يخلف الشهبا؟!

جمعت من شملها الأشلاء فاتحدت

بعد الشقاق وقد كانت لمن نهبا

يُمزِّق الغزو منها كل ناحية

وينشر الرعب والإملاق والسغبا

وقد سهرت فنام الشَّعب في دعةٍ

وخاف من كان منه الشر مرتقبا

وكاد يمسك حتى الذئب من هلعٍ

عن العواء، ويخشى البوم لو نعبا

وأوشكت تأمن الأحلام مزعجةً

عينٌ تنام، وكانت لم تنم رهبا

نهضت وحدك لا حزبٌ ولا دولٌ

تشُدُّ أزرك في أمر إذا حزبا

ولقد أصاب الشاعر وأحسن التصوير؛ فلم يكن للملك عبدالعزيز حزبٌ أو دولة تسنده؛ ولم يكن له إلا الله، وكفى بالله ناصراً ومعيناً. ولقد صدق الله فأعانه ويسّر له أمره، ثم يشير الخطيب إلى ما يلقاه الحجاج إلى بيت الله الحرام من عناية وتيسير سبل في ظل حكم الملك عبدالعزيز؛ فيقول:

وأنت مهدت للحجاج موطئهم

في البحر لا خطراً يخشون أو عطبا

تصونهم فيه أبراج موطدة

من المرافئ أعيت لُجَّة اللجبا

سل الخلائف من عرب ومن عجم

عن الخلافة في العهد الذي ذهبا

تُجبى المكوس وما أغنت جبايتها

عن الحجيج وما ردَّت لهم سلبا

فجئت تَنْسخُ منها كلما فرضت

وقرَّ للأمن حبْلٌ كان مضطربا

ويشير الشاعر إلى ما منَّ الله به من نعم وخيرات ورخاء اقتصادي نعمت به البلاد في ظل حكم الملك عبدالعزيز وأبنائه من بعده، ويقول في ذلك:

إنَّ الجزيرة قد كانت وما فتئت

تراك في كل خيرٍ نالها سببا

فأخصبت بك بعد الجدب وانهمرت

فيها العيون وكان الماء قد نضبا

يجري إليها وما تجري لها قدم

إليه بل هو فيها جال منسكبا

وأصبح الوعر سهلاً من مسالكها

وكم تحيَّر فيها الضَّبُّ مُنْسربا (11)

بعد هذا يحق لنا أن نفخر بالمملكة بلداً إسلامياً عربياً متميزاً، ونفخر بالمملكة قِبْلةً للمسلمين في أنحاء العالم، ونفخر بالمملكة بلداً يحكمه ولاة أمر يُطبِّقون شريعة الله، ويحكمون بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.. وبلادنا قدوة حسنة لكل المسلمين في نجاحها في جميع شئون الحياة، وبخاصة الشئون الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ونفوسنا يملؤها الأمل في مستقبل مشرق يُبنى على ماض مجيد، ومستقبلنا بأصالته ومحافظته، وبالتطوير والتجديد في الوسائل والأنظمة يبقى قوياً متماسكاً.. وكم يقف المرء عاجزاً عن التعبير وهو يرى ويسمع صفات الأصالة وهي صفات الرجال الكبار؛ يراها في ولاة الأمر، حفظهم الله، وهي كثيرة، ولكن خادم الحرمين الشريفين قد بهر المتابعين لسيرته منذ تولى ملك البلاد؛ فجاءت الدلائل تترى لتؤكد ما يتمتع به من شيم ومكارم ورثها من شجرة عبدالعزيز، ومن أبرز تلك المكارم:

1 - تواضعه الجمّ. وقد بدا ذلك في مظاهر كثيرة، منها: أنّه اختار لقب (خادم الحرمين الشريفين) بدل صاحب الجلالة - كما كان الملك فهد -، وقال: الجلالة لله تعالى، ومنع تقبيل يده من قبل المواطنين، وقال - حفظه الله -: تقبيل اليد لا ينبغي أن يكون إلا للوالدين. وكان يحب أن يستقبل المواطنين، وبخاصة ضعفاءهم، ويناولهم بيده ما يحتاجون إليه من ماء وغيره، ويسمع شكاواهم بصدر رحب.

2 - شجاعته في الحق؛ فقد قال مراراً بأنَّه لا يرضى بالظلم والتقصير من فرد أو جماعة أو دولة، وقال: سنضرب بيد من حديد على كل من يريد زعزعة أمن بلادنا كائناً من كان.

3 - كرمه البالغ؛ فقد رأينا سخاءه في مدّ يد العون للمنكوبين والمحتاجين في داخل المملكة وخارجها، وكم تبرع من ماله الخاص لبناء المساكن للمحتاجين وتوفير وسائل العيش الكريم لهم.

4 - غيرته على المسلمين ونصحه لهم، وتمثل ذلك في أمور عديدة، منها إصلاحه بين الفرقاء المتخالفين في عدد من البلدان الإسلامية، ومنهم:

أ - حركتا فتح وحماس في فلسطين.

ب - الزعماء في لبنان.

ج - العراقيون.

د - جهوده - حفظه الله - للإصلاح في السودان وغيره من البلدان.

ولقد سمعنا في خطابه الأخير في مجلس الشورى ما يؤكد تلك المكارم وغيرها، وفي الخطاب المذكور رسم سياسته الحكيمة وهمومه تجاه المملكة وشعبها.

وإنَّ المتابع لتلك المكارم جميعها ليملكه التقدير والاحترام والحب العميق لهذا الرجل الذي يستحق بجدارة أن يسمى (ملك الإنسانية)، وما أجمل ما قال الدكتور غازي القصيبي عندما أمر - حفظه الله - بمنع تقبيل يده، وهي مقطوعة بعنوان (يا فارس الأخلاق):

سلمت يد لا تقبل التقبيلا

وسلمت للشعب النبيل نبيلا

جسدت في شخص كرامة موطن

تأبى العقيدة أن يكون ذليلا

علَّمتنا أنَّ الرجولة موقفٌ

يقف الزمان أمامه مذهولا

وملكت ناصية الجموع مروءةً

بالحب تفتح أضلعاً وعقولا

يا فارس الأخلاق رُبَّ سجية

حسناء تهزم صارماً مصقولا

تاج التواضع زان جبهتك التي

تخذت سجودك تاجها المجدولا (12)

إنَّ مكتسبات بلادنا ومكارم ولاة الأمور فيها تحتاج من كل مواطن ومقيم على أرضها إلى وقفات وفاء، ومشاعر ولاء، ومواقف صدق وإخلاص؛ فبالشكر تدوم النعم، وبتعاون وإخلاص المواطنين نحافظ على ما وهبنا الله، وكما نحب المخلصين والصالحين يجب أن نحارب - كما يقول خادم الحرمين الشريفين - كل مفسد ومخرب؛ فالفساد بأنواعه يدمر أمن البلاد ويضيع ثرواتها ويسيء إلى كل فرد فيها من حاكم أو محكوم.

حفظ الله لبلادنا أمنها، وسدّد خطى ولاة الأمر فيها، وجزاهم خير الجزاء على ما يقدمونه من جهود كريمة لمصلحة المسلمين وخدمة كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونفع البلاد ومن فيها.

الهوامش:

1 - كتاب الملك عبدالعزيز آل سعود أمة في رجل. تأليف الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ط 1419هـ ص 109.

2 - المصدر السابق نفسه، والصفحة نفسها.

3 - كتاب رسائل أئمة دعوة التوحيد: تأليف د. فيصل بن مشعل آل سعود، ط 3، 1422هـ، ص 152.

4 - المصدر السابق ص 165.

5 - كتاب الرحلة الملكية عام 1343هـ. إعداد: يوسف يس. ط 1404هـ، ص 15 - 16

6 - كتاب الملك عبدالعزيز آل سعود أمة في رجل ص 162.

7 - المصدر السابق نفسه، ص 172.

8 - المصدر السابق نفسه، ص 173.

9 - كتاب الملك عبدالعزيز في عيون شعراء الشام تأليف: خالد بن محمد الخنين، ط 1419هـ، ص 122 - 123.

10 - المصدر السابق، ص 137.

11 - المصدر السابق، ص 177 - 178 - 179.

12 - جريدة الجزيرة العدد 12042 الصادر في 13 شعبان 1426هـ، ص 36

ص ب 190 الدلم 11992

al-delm190@maktoob.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد