Al Jazirah NewsPaper Saturday  12/05/2007 G Issue 12644
الطبية
السبت 25 ربيع الثاني 1428   العدد  12644
البهاق ..مراجعة تاريخية

البهاق (Vitiligo) كلمة ذات أصل لاتيني معناها الحبة الصغيرة أو الطفح وقد ذكرت في المراجع القديمة منذ 1500 سنة قبل الميلاد ولكن كان هناك خلط وعدم تفريق بينها وبين الجذام وهو مرض جلدي معدٍ. ومن هنا كان هذا الشعور السلبي نحو المريض المصاب بالبهاق.

والبهاق مرض غير معدٍ لا يتجاوز كونه تغيراً في لون الجلد المصاب وهو ناتج عن فقدان الخلايا الصبغية في الطبقة السطحية للجلد ويمكن أن يصيب أي مكان تتواجد فيه هذه الخلايا الصبغية خصوصاً تلك التي ينمو فيها الشعر.

ولم تذكر المراجع القديمة البهاق باسمه الحالي ولكن كل المدونات كانت تتكلم عن بقع بيضاء على الجلد حيث تم تصنيفه إلى نوعين:

الصعب أو السيئ الذي يتمثل بطفح جلدي ملتهب ويرجّح أن يكون الجذام.

أما النوع الثاني فهو السهل الذي يتمثل بفقدان اللون والبقع البيضاء والمعتقد أنه البهاق كما نعرفه اليوم.

وفي التاريخ الهندي القديم (1500 ق.م) استعملت كلمتا (كيلار) و(كيلاس) اللتان تعنيان البياض أو المرض الأبيض لوصف هذا المرض.

وبعد ذلك حوالي (1200 ق.م) تصف المدونات اليابانية مجموعة من صلوات الشنتو من الشرق الأقصى المعروفة ب(ماكاتومينوهاراي) مصطلحاً (الرجل الأبيض) اسمه (شيرابيتو) ولكن من غير المؤكد إن كان ذلك يعني البهق أو المهق أو كليهما. وقد ارجع الفيلسوف اليوناني هيروديتس عام 449 ق.م ما يعتقده اليونانيون أن سبب البقع البيضاء هو خطيئة بحق الآلهة واتجهت الثقافة الفارسية القديمة إلى اعتبار البقع الجلدية البيضاء سواء كانت بهقاً أو جذام خطيئة تجاه الشمس ولم تسمح للمصابين بها بالدخول إلى أسوار المدينة والتعامل مع الناس.

أما أبو قراط الذي هو أبو الطب فلم يفرق بين البهاق كما نعرفه اليوم والجذام أو مشاكل التصبغ الأخرى للجلد في حين ذكر الأنجيل هذه المشكلة ضمن مجموعة أخرى من أمراض الجلد بدون تحديد واضح حيث استخدم الكلمة العبرية (زرعات) التي تعني البقع البيضاء والتي ترتبط بعقوبة إلهية ولكن مع ذلك فإن الترجمة اللاتينية للإنجيل ذكرت كلمة (زرعات) على أنها الجذام، والجذام مرض معدٍ سببه جرثومة (مايكوبكتيريوم ليبري) يظهر على شكل بقع ملتهبة وطفح على الجلد ويؤدي إلى ظهور بقع بيضاء مكانها كما يؤدي إلى انخفاض في درجة الإحساس في الأيدي والأرجل وضعف في العضلات.

وقد ذكرت الكتب العربية القديمة البقع البيضاء على الجلد بالبرص ثم استبدلتها بالوضح لتفادي سوء الفهم واختلاطه بالجذام. ومع ذلك فإن بعض المعاجم العربية لا تزال تعتبر البرص هو الجذام.

ويرجع هذا الخلط بين البهاق والجذام إلى كون أكثر المراجع القديمة الذي ذكرته كانت تاريخية ولم تكن علمية واستمر هذا التشويش لغاية نهاية القرن التاسع عشر حيث قام طبيب أوروبي اسمه غوتيل وآخر فرنسي اسمه باروك بوصف البقع البيضاء على أنها نقص في الخلايا الصبغية.

وقد أدى هذا التشويش عبر التاريخ إلى إجحاف كبير بحق مرضى البهاق الذين عوملوا معاملة مرضى الجذام من ناحية عزلهم وعدم السماح لهم بالاختلاط أو التعامل مع الآخرين والنظر إليهم كأنهم مذنبين استحقوا العقوبة الإلهية مع كل ما يلحق ذلك من ازدراء وافتراء. وما يزيد من حدة المشكلة أن البهاق مرض يصيب الجلد، أكبر عضو لدى الإنسان وأكثرها بروزاً للعيان. ما يجعله مرضاً يحمل في طياته مشاكل نفسية واجتماعية خطيرة خصوصاً في المجتمعات الشرقية التي يميل لون الجلد في أهاليه إلى الاسمرار وحيث يظهر الفرق في اللون واضحاً لدى الإصابة بالبهاق.

ويقول الدكتور نوردلاند الذي زار المركز الوطني للبهاق في الرياض الأسبوع الماضي والذي شارك أيضاً في المؤتمر السنوي للمركز: (قد يكون التشوه حاداً إلى درجة أن بعض المرضى لا يستطيعون العمل بكفاءة سواء في المدرسة أو في أمكنة العمل بسبب الرفض الاجتماعي).

إن الإحراج الذي يواجهه مرضى البهاق جزء من حياتهم اليومية وعادة ما يبدؤون بمراقبة البقع تنمو وتمتد لتغطي مناطق أخرى مع الوقت ويبدؤون بتغطيتها سواء باللباس أو غيره ثم (يطفشون) من ذلك ويحاولون تجنب الناس والانعزال ويراقبون تغير مظهرهم الذي يلعب دوراً أساسياً في كيفية حكم المجتمع عليهم.

فالمجتمع يضع ثقلاً كبيراً للمظهر ويربط بينه وبين سلوك الفرد مما يفرز أحاسيس ومشاعر سلبية مثل الخجل والاضطراب وقلة الثقة بالنفس وقد يتطور ذلك إلى مشاكل نفسية كالقلق والاكتئاب.

ويزيد تأثير البهاق في المجال الاجتماعي مقارنة بالعديد من الأمراض الأخرى خصوصاً في حالات الإصابة بالأماكن الظاهرة كاليدين والوجه ولدى التعامل مع الآخرين كما يفاقم الوضع كون المصاب أسمر اللون مما يبرز البقع البيضاء ويجعلها أظهر للعيان. ويقول أحد أصحاب محلات البخور: (لقد أغلقت متجري بعد عدة شهور فقط من إصابتي بالبهاق على أطراف أصابع يدي، لقد ابتعد الناس عن الدخول إلى المحل خوفاً من انتقال المرض إليهم كما يعتقدون).

ومع أننا نعرف الآن أن البهاق ليس سوى حالة من نقص التصبغ في الجلد وقد لا نكون مجافين للحقيقة إذا قلنا إنها ذات طابع جمالي ولكن لسوء الحظ فإنها تمثل تحدياً كبيراً سواء من ناحية النظرة إلى الذات أو جودة الحياة للمصابين.

منذر جبق -عيادات ديرما - الرياض


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد