Al Jazirah NewsPaper Sunday  13/05/2007 G Issue 12645
مقـالات
الأحد 26 ربيع الثاني 1428   العدد  12645
الأسباب الاجتماعية للأمراض
د. عبد الرزاق بن حمود الزهراني*

كثيرٌ من الأمراض تعود أسبابها الرئيسة إلى عادات المجتمع وتقاليده، وقيمه وطريقة حياته، أي أنها تعود في مجملها إلى أسباب ثقافية باعتبار أن الثقافة تشمل جميع جوانب حياة المجتمع التي يورثها الجيل السابق للجيل اللاحق.. وعناصر ثقافة المجتمع ليست جامدة بل تتغير بتغيُّر الظروف والأحوال، فمجتمعنا اليوم يختلف كثيراً عن مجتمعنا قبل خمسين سنة في كثير من جوانب الحياة، فعادات الطعام والشراب، ونوعية الأغذية التي نتناولها تغيَّرت كثيراً وتغيَّرت طرق إعدادها وتناولها، ولهذا يرى الكثيرون أن الصحة العامة في بعض جوانبها كانت أفضل في السابق منها اليوم، فالناس كانوا يمشون ويعملون كثيراً، ويأكلون قليلاً، وكانت أصناف الطعام محدودة.. ومن أجل ذلك كله لم تنتشر في الجيل السابق الأمراض التي انتشرت اليوم مثل السكري، والضغط، والنقرس، وأمراض القلب والشرايين والكلى.. لقلة الأسباب التي تؤدي إليها.. ومع تغيُّر الأوضاع الاقتصادية والاعتماد على الآلة.. ووفرة الأطعمة وتنوعها.. وقلة الحركة بدأت تلك الأمراض تنتشر بطريقة مخيفة.. حتى إن معدل الإصابة بالسكري في مجتمعنا يساوي ضعف المعدل العالمي.. ومثل ذلك يُمكن أن يُقال عن أمراض القلب والكلى.. ولو عدنا لتحليل أسباب انتشار تلك الأمراض لوجدنا أنها تعود في قسم كبير منها إلى أسباب اجتماعية.. فالجميع يدرك أن أسباب تلك الأمراض تعود إلى الطعام الدسم وإلى كثرة تناول اللحوم.. ورغم إدراكنا لهذه الحقيقة فإننا نصر على تقديم (المفطح) لضيف نعلم أنه يعاني من بعض تلك الأمراض.. ونصر على أن يبقى الذيل والشحوم التي في داخل الذبيحة ضمن الوجبة.. وعندما يدنو الضيف على طعامه يجد طبقة من الدهن تغطي الأرز، وغالباً ما تأتي تلك الوجبة في ساعة متأخرة من الليل، عندها يكون الضيف قد جاع ولا يملك إلا أن يسد جوعه بتناول شيء من ذلك الطعام الضار.. مع علمه أنه يفاقم مشكلته وبخاصة رفع نسبة الكولسترول في الدم التي تؤدي إلى انسداد الشرايين، وإلى أمراض القلب، وتؤدي إلى رفع نسبة الحامض البولي الذي يزيد من احتمالات الإصابة بالنقرس.. والنقرس يُطلق عليه منذ القدم (مرض الملوك) لأن تناول اللحوم الحمراء الغنية بالبروتين كانت عادة خاصة بالملوك لقدرتهم على توفيره على مائدتهم.. أما اليوم فقد أصبح معظم أفراد المجتمع ملوكاً لكثرة ما يتناولون من اللحوم.. يُضاف إلى ما سبق.. أن ثقافة الرياضة والحركة التي فيها بركة ما زالت بعيدة عن أن تكون ظاهرة اجتماعية في حياتنا.. ولو استطاع البعض أن يقود سيارته إلى غرفة نومه لما تأخر.. يضاف إلى كل ما تقدم أن هناك بقايا من عادات وتقاليد بالية ما زال البعض يمارسها مثل تعليق الحرز في رقبة الطفل أو في ساعده.. فبالإضافة إلى تحريمه شرعاً فإنه يكون مكاناً تتجمع فيه الجراثيم والأوساخ، وقد تكون سبباً في الإضرار بالطفل بدلاً من حمايته والمحافظة عليه.. وانتشرت في حياتنا عادات لم نكن يعرفها الجيل القديم مثل تناول الطعام الذي يحوي مواد حافظة، وكثرة المواد الكيماوية المستخدمة في إنتاج المواد الغذائية.. وكثرة استخدام المشروبات الغازية رغم التحذيرات المتكررة من أضرارها وعدم معرفة أسرار بعضها إلى اليوم.. وانتشر استخدام الوجبات السريعة التي لا تؤمن طرق تخزينها ولا تؤمن المواد المستخدمة فيها.. ونجد الكثير من الشباب يعزف عن طعام المنزل الطازج والمأمون، الذي تصنعه ربة البيت، ويعمد إلى تناول تلك الأطعمة غير المأمونة.. وأدت تلك التغيرات الاجتماعية في عادات الطعام والشراب إلى ارتفاع نسبة السمنة لدى الجيل الصغير، وارتفاع منسوب الهرمونات الأنثوية في أجسامهم حتى إن بعضهم لديه ثديان مثل الفتيات.. والدراسات تشير إلى أن الدجاجة تحقن بما يُعادل شريطاً كاملاً من حبوب منع الحمل التي تتناولها الأنثى خلال شهر.. وفيها نسبة كبيرة من الهرمون الأنثوي.. ومع الأيام تتراكم تلك الهرمونات في جسم الصغير.. ومن ثم يتزايد نده الهرمون الأنثوي حتى إن بعضهم لا يستطيع القيام بدور الرجل عندما يتزوج فيضطر إلى الطلاق بسبب العجز الجنسي.. وتُعتبر هذه الموضوعات جزءاً مما يتناوله علم الاجتماع الطبي، الذي يُعتبر من أكثر فروع علم الاجتماع الحديثة تطوراً، ويعمل فيه أكثر من ثلاثة آلاف عضو هيئة تدريس في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.. وهو فرع يبحث في الأسباب الاجتماعية للأمراض في المجتمعات المختلفة حسب ظروفها، وتطورها، وعاداتها وتقاليدها وقيمها.. والاهتمام بهذا الجانب من حياة المجتمعات ليس جديداً، لكن الجديد فيه يتمثَّل في الجهود المؤسساتية والبحثية والاعتمادات المالية، والكوادر البشرية المدربة التي تُهيأ لمثل هذه الدراسات .. فالناس منذ القدم يحاولون فهم أسباب الأمراض ومعرفة أفضل السبل لتجنبها.. يروى أنه اجتمع عند كسرى أربعة من الحكماء وهم عراقي ورومي وهندي وسوداني.. فقال لهم: ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء معه.. فقال العراقي: أن تشرب كل يوم على الريق ثلاث جرعات من الماء الساخن.. وقال الرومي: الدواء الذي لا داء معه أن تسف كل يوم قليلاً من حب الرشاد.. وقال الهندي: أن تأكل ثلاث حبات من الهيلج الأسود.. ولا أدري ما هو الهيلج الأسود.. ولو لم يذكر الأسود لظننت أنه يقصد الهيل.. أما السوداني فكان ساكتاً وكان أحذقهم وأصغرهم سناً.. فقال له الملك: ألا تتكلم؟!!

فقال: يا مولاي الماء الساخن يذيب شحم الكلى ويرخي المعدة.. ويبدو أن شحم الكلى في زمنه كان قليلاً وليس مثل اليوم الذي تغيَّرت فيه تضاريس الأجسام.. ولا يزال الإندونيسيون يقدمون لضيوفهم الماء الساخن.. ويضعون في غرف الفنادق حافظات (ترامس) تحفظ الماء حاراً.. وواصل السوداني كلامه قائلاً: أما حب الرشاد فيهيج الصفراء.. والهيلج الأسود يهيج السوداء.. أما الدواء الذي لا داء معه فهو أن لا تأكل إلا بعد جوع.. فإذا أكلت فارفع يدك قبل الشبع، فإنك لا تشكو علة إلا علة الموت.. فقالوا كلهم: صدق.. صدق.. والحمية في وقت الصحة خير من تناول الدواء عند المرض.. ويؤيد قول السوداني ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع.. وإذا أكلنا لا نشبع) وقوله: (المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء).. إن الثقافة الصحية يجب أن تكون جزءاً من المناهج الدراسية، وأن تكون موجهة للجانب العملي أكثر من الجانب النظري، وأن تركز على ترشيد عادات الطعام والشراب، ومزاولة الرياضة بأنواعها المختلفة.. وفي مقدمتها المشي والسباحة.. نسأل الله أن يديم على الجميع الصحة والعافية والستر.

(*) أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام، رئيس مجلس إدارة (الاجتماعية)

الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية

فاكس 012283689 zahrani111@yahoo.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد