Al Jazirah NewsPaper Monday  14/05/2007 G Issue 12646
محليــات
الأثنين 27 ربيع الثاني 1428   العدد  12646
يارا
استراحات افتراضية
عبدالله بن بخيت

عندما كنت صغيراً كنت أتمنى أن أشوف خبيراً. وفي أيامنا هذه أتمنى أن يمر يوم دون أن أشوف خبيراً. الخبير في نظري حينذاك أمريكاني أو إنجليزي.

رجل أحمر يلبس بنطلون ويعلق البايب (الغليون في فمه). هذه هي إجمالي المواصفات. يمكن التنازل عن اللون والجنسية أما الغليون فلا يمكن. في أحد الأيام كنت أتجول في شارع الوزير. كان شارع الوزير أكسفورد الرياض. فوجئت بشاب سعودي صغير في السن مضمحل الجسد قصير القامة أسيمر يلبس كنادر سوداً (رأسها مدبب) نسميها أم بوز. هذا الكلام مع بداية انتشار تربية السوالف والسكسوكة وإطالة الشعر من استطاع إلى ذلك سبيلا. كان شرب الدخان في ذلك الزمن رجولة وتمدناً وفتوة مع ملاحظة أن دخان أبو بس مشروب العرابجة ودخان (كنت) مشروب الطبقة الراقية والبنات. على كل حال هناك أنواع أخرى من الدخان لا توجد في دكاكين اليمانية المنتشرة في حاراتنا الأمر الذي جعلها خارج تصوراتنا.

توقف الشاب أمام إحدى الفترينات يتأمل في البضائع واضعا دبة الغليون في جماع يده. بالضبط كما يفعل الأمريكان. حتى أني فكرت أن أقول له هالو وقفت بإزائه ورحت أتأمل فيه.. شعرت بالارتباك. شيء ما يحدث.. منذ متى سعودي وأسيمر يكون خبيرا، شكل هذا الشاب وموصفاته تفرض أنه الآن مختبئ تحت سور مقبرة العجلية يدخن أبو بس أو في قهوة بخشة مضطجع على المركاز حاسر عن سيقانه يتفاحش في القول مع القهوجية ولي الشيشة يتدلى من قبضته. ارتبك مفهوم الخبير في خيالي. بدأ الخبير يقترب من الناس الذين أعرفهم وأراهم. معناتها أن كل هؤلاء الذين أشاهدهم في القهاوي خبراء مندسون. في كل مرة أدخل قهوة أحصي عدد الخبراء. في بعض الأحيان يتعدى الرقم ثلاثين خبيرا في قهوة واحدة. كم قهوة في الرياض وكم قهوة في جدة وكم قهوة في الدمام. ما الذي تفعله الأمة بكل هؤلاء الخبراء؟ سؤال بقي حائراً في داخلي إلى أن جاء عصر الفضائيات والمنتديات. عصر الشفافية والانفتاح فكشفت الأمة عن مخزونها كلها لو أحصينا عدد الخبراء الذي يطلون علينا في الفضائيات يوميا لما كفتهم قهاوي العالم كله. أين كانوا هؤلاء الخبراء قبل الفضائيات. لا يمكن أن تستوعبهم قهاوي المملكة كما أن قهاوي العالم لا توفر جراكاً ومعسلاً، هل كانوا مخزنين في ملاحق المنازل وفي الاستراحات.

تبدأ رحلتك معهم ابتدءا من الساعة الحادية عشرة. مع افتتاح سوق الأسهم. أكثر من أربع قنوات فضائية يزدحم فيها خبراء الاقتصاد والمال. تحليل شامل وموسع عن المال عن الشركات عن الاقتصاد العالمي مع انتهاء سوق الأسهم لا تتذكر ما الذي قيل. نفس الكلام يعاد يوم غد واليوم الذي يليه. ميزة كلام خبراء الأسهم أنه كالسراب. لا يمكن تفهمه لا يمكن حتى تحفظه. الشيء الوحيد الذي يربطك به هي الخسائر. وبعد الانتهاء من خبراء الاقتصاد نتجه فورا إلى خبراء الإرهاب. عندما يتحدث هؤلاء لا تشعر أنهم كانوا في قهاوي واستراحات حائرين بين المعسل والجراك تحس أنهم فعلاً عاشوا في تورا بورا والتقوا أقطاب الإرهاب ولديهم معلومات لا يصل إليها غيرهم. في النهاية يلتقون مع إخوانهم خبراء الاقتصاد والأسهم لا شيء مفهوم ولا شيء يمكن أن تحفظه.

المعروف أن معظم الديكورات في الاستديوهات الحديثة قائمة على وهم يسمى الاستديو الافتراضي أو الديكور الافتراضي. ما تراه بعينك غير موجود في الواقع لو تقف مع المذيع في داخل الاستديو أمام الكاميرا فلن تشاهد هذه اللوحات والأرقام كلها مجرد مواد مخزنة في الكمبيوتر. وهؤلاء الخبراء أضافوا بعدا جديدا إلى هذا الوهم التقني، يقدمون كلاما لا يمكن أن تفهمه أو تستوعبه أو حتى تحفظه. تتوهم أنك فاهم، ما أن تغلق التلفزيون حتى يتلاشى كل شيء. عصر القهاوي والاستراحات الافتراضية بامتياز.

yara.bakeet@gmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6406 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد