Al Jazirah NewsPaper Wednesday  16/05/2007 G Issue 12647
الرأي
الاربعاء 29 ربيع الثاني 1428   العدد  12647

رحم الله شيخنا
العلامة فهد بن حميّن آل فهد
بدر بن علي بن طامي العتيبي/ مشرف تربوي - إدارة تعليم محافظة الطائف

قال الله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } (156) سورة البقرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقد أصيب العلم وأهله بمصابٍ جلل، وخطبٍ جسيم، بوفاة الشيخ الإمام، العالم العامل، الزاهد الناسك : فهد بن حمين آل فهد، وذلك يوم الثلاثاء الماضي الموافق للتاسع والعشرين من شهر ربيع الأول، وهو من خاصة أهل العلم الفضلاء، وأهل الزهد النبلاء، ومن نوادر الدهر : علماً، وزهداً، وورعاً، وتواضعاً.

سألته عن ميلاده فقال بعد الخمسين من القرن الماضي، وقدم من مسقط آبائه وأجداده الزلفي إلى الرياض عام 1368 للهجرة، قاصداً مفتي المملكة العربية السعودية في وقته الإمام العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله، ولم يكن شيخنا قد بلغ العشرين من عمره، هكذا أخبرني شيخنا فهد رحمه الله تعالى، ويذكر شيخنا أول لحظة سعد فيها بالدخول إلى مسجد العلامة محمد بن إبراهيم، كما يذكر ما كانوا يقرؤون حينها من كتب العلم، بل ويذكر الموطن الذي كان يقرأ في ذلك الحين من كلّ كتاب !.

وقال بأنه لما قدم إلى الشيخ قاصداً ملازمته وطلب العلم فسكن في غرفة معدة لطلاب العلم، وعرض رغبته في طلب العلم عنده، فأمره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - أن يتم حفظ القرآن الكريم أولاً، فاجتهد الشيخ في ذلك، فأتمّ حفظه في فترة قصيرة، ثم انضم إلى حلقات دروس الإمام فلازمه ملازمة شديدة حتى مات، وقرأ عليه بنفسه، وسمع بقراءة الغير الشيء الكثير.

وخلال تلك الفترة كان يقرأ على شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز، رحمه الله تعالى، قال لي شيخنا فهد الحمين رحمه الله: ( قرأت على الشيخ ابن باز في حياة الشيخ محمد بن إبراهيم وبعد مماته )، واستمر على القراءة على شيخنا ابن باز حتى توفي .

ومما قرأ على شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى كتاب (الأنواع والتقاسيم) لابن حبان، وكتاب (منهاج السنة) و(الاستقامة) كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية، و(إعلام الموقعين) و(إغاثة اللهفان) وكلاهما للإمام ابن القيم.

وكانت قراءته عند شيخنا ابن باز - رحمه الله - مميزة تحن لها قلوب الطلاب لجمال قراءته رحمه الله، وعذوبة صوته، وسلامة لسانه، مع نفس الحزن والخشوع والتأمل في قراءته .

كما قرأ على الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في التفسير والأصول، وكذا أخذ العلم عن غيرهم من أهل العلم.

ودرّس في جامعة الإمام محمد بن سعود أكثر من عشرين سنة، وأُحيل للتقاعد وتفرغ للعبادة والتعليم.

ولن أتكلم عن خصوص حياة شيخنا، وتاريخ علمه وعمله الحافل، فالنصيب الأكبر أتركه لخواص طلابه الذين لازموه مدة مديدة من الزمان، فالمجال لهم في لاحق الأيام، أعانهم الله تعالى على الهدى، وإنما أتكلم عن خصوص عهدي بالشيخ رحمه الله، فكانت أول مرة أزوره فيها في بيته قبل سبع عشرة سنة تقريباً في بيته في الرياض، والطلاب من حوله يقرؤون عليه في فنون شتى، قراءةً وحفظاً، وهو يشرح ويفصّل، ويدلّل ويعلّل، باختصار ودقة لم أرَ مثله قط في ذلك.

ومن جميل وصفه في سرد أخبار السيرة النبوية، ومعرفته بوقائع التاريخ القديم والمعاصر، وسرده للقصص : أنه يذكر القصة، ويصف أحوالها وكأني أراها رأي العين، وما يمر به ذكر صحابي من الصحابة إلا وذكر نسبه، وقرابته من الصحابة من جهة الأم والأب.

ثم بعد ذلك تكررت زياراتي للشيخ بين فترة وأخرى في كل مرة أقدم فيها إلى مدينة الرياض، وفي صيف عام 1425هـ لازمت مجلسه في مسجد قتيبة بن مسلم بحي الروابي في شمال مدينة الرياض، وكان من عادته الجلوس في المسجد من بعد صلاة العصر إلى أن يصلي العشاء، سواء زاره أحدٌ من طلابه أم لم يزره أحد، فكنت أقدم إليه كلّ عصر، وقرأت عليه حينذاك من (كتاب التوحيد) للإمام محمد بن عبدالوهاب، وقرأت كتاب (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة) للحافظ ابن رجب، فكان يتحف مسامعي بتعليقات ماتعة نافعة.

وقد رأيتُ في شيخنا من وصف أئمة الزهد والحكمة جوانب عدة، ومن أجمل ما رأيته من شيخنا أنه إن قدمت إليه آمناً زائداً فرحاً ببهارج العصر ومحاسنه: تأفف، وذكر الغربة، وتغير الزمان، وسرد في ذلك الأخبار والآثار عن السلف الصالح.وإن قدمت إليه حزيناً يكاد يهد الإحباط قواي، وتخور من اليأس همتي، طمأنني بأن الدين محفوظ، وأن الحق منصور، وأن الله تعالى قوي، ودينه قوي، وتلا قول الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(54) سورة المائدة، وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ }(89) سورة الأنعام ونحو ذلك من الآيات، ثم ينشد من أبيات ابن القيم رحمه الله تعالى قوله:

والدين ممتحن ومنصور فلا

تعجب فهذي سنة الرحمنِ

وبمناسبة ذكر (نونية الإمام ابن القيم) فشيخنا يكثر الاستدلال من أبياتها، وقال لي بعض خاصته أنه يحفظها كاملة وعدة أبياتها قرابة الستة آلاف بيت، وهذا قدرٌ كبير، بل وليس ذلك بأوحد محفوظاته، فشيخنا يستظهر العديد من الكتب، ويحفظ الروض المربع عن ظهر قلب، وكذا (بلوغ المرام) وغير ذلك .

ومن جميل طريقة الشيخ سرعة استحضار الدليل من الكتاب والسنة مع حسن الاستنباط مما لا يخطر على بال، بل ربما سرد مجموعة من الأدلة في المسألة الواحدة وكأنه يقرأ من كتاب، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولا أعدُّ هذه الأسطر مع لوعة الأسى، وحرّ الفراق: ترجمةً لشيخنا، فحقه وقدره أكبر من ذلك، وإنما هذه السطور وجدٌ، ونفثة حزن على فراق شيخنا - رحمه الله تعالى -.

ولما بلغني وفاة شيخنا ارتحلت من الطائف صباح الأربعاء للمشاركة في الصلاة عليه ودفنه، وأكرمني الله تعالى برؤية وجهه المشرق المضيء قبل إتمام كفنه، وقبلته بين عينيه، في جمعٍ من أبنائه وطلابه، وقد تولى غسله أبناؤه وبعض طلابه كالشيخ وَجَب الشيباني وهو من خواصهم، وصُلّي عليه بعد صلاة العصر بجامع الراجحي الكبير بمدينة الرياض، وشهد الصلاة عليه خلقٌ كثير تجاوزوا الآلاف، ومن بينهم كبار العلماء كسماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية، والعديد من العلماء وطلاب العلم وعامة الناس.

ونُقل جثمانه بعد الصلاة عليه إلى (مقبرة النسيم) وكنتُ ممن رافق جثمانه - رحمه الله تعالى- من المسجد إلى المقبرة مع بعض خاصة طلابه كالشيخ محمد المنصور ووجب الشيباني وغيرهما، ولما حضرنا المقبرة كان المشهدُ عظيماً، والحضور غفيراً، وتوالت عليه الجماعة تلو الجماعة للصلاة عليه ممن فاتته الصلاة عليه في المسجد، فصليت عليه صلاة الجنازة في المقبرة خمس مرات، كلما فرغت جماعة ورفعنا النعش وضعتها أخرى وصلت عليه رحمه الله .

ثم وضع جثمانه الطاهر في قبره وكنت ممن أودعه فيه مع أربعة نفر منهم ابنه الشيخ الدكتور عبدالرحمن الحمين، والشيخ محمد المنصور، ثم توالى الناس بعد ذلك للمشاركة في دفنه، ولم تفترق الناس عن المقبرة إلا مع صلاة المغرب.

وهكذا يكون قبض العلم، بذهاب العلماء كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) متفق عليه.

فرحم الله شيخنا رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، والقلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب سبحانه وتعالى، وإنَّا على فراق شيخنا لمحزونون، وقد أنشدت في رثائه رحمه الله أبياتاً أذكر بعضها فأقول:

إلهي أنت تفعلُ ما تشاءُ

ولا دفعٌ إذا وقعَ القضاءُ

فنطلبُ كلَّ ما يُرضيك عنَّا

فلا قُطعَ المُنى بِكَ والرَّجاءُ

وقد بلغَ المُصابُ اليومَ مِنَّا

إلى أمدٍ يباحُ بِهِ البكاءُ

فقد مات الإمامُ الشهمُ فهدٌ

إمامُ الزهدِ وانطفأ الضياءُ

على الشيخِ الحُميِّنِ هلَّ دمعٌ

وفي أمثالِهِ تبكي السَّماءُ

فلا لومٌ عليَّ اليومَ أبكي

ودمعُ الحزنِ للبلوى شِفاءُ

ليَبْرُدَ مِنْ لهيبِ القَلبِ حَرٌ

غلَت من فرط حُرقتِهِ الدماءُ

على فَقْدِ الذي قَدْ كَانَ فِينَا

إماماً من سجيَّتِهِ السَّخاءُ

إمامٌ قد حوى مِنْ كلِّ فنٍّ

كبحرٍ لا تنقِّصُهُ الدِّلاءُ

حليفُ الخيرِ مَنْ بالخيرِ يحدو

ومجْلِسُهُ لِعِلِّتِنَا دواءُ

فكم جئنا بمعترَكِ القضايا

فيشرحها لنا : ألفٌ وباءُ

وبالتدليلِ والتعليلِ يأتي

فنفهمُ بَعْدَما كُشفَ الغِطاءُ

وفي التفسيرِ للقرآنِ شيخٌ

تُصاحبُه الهدايةُ والذكاءُ

فيشرح آية من كلِّ وجهٍ

كأن الشيخَ زيدٌ أو عطاءُ

وفي شرحِ الحديثِ رأيتُ أمَراً

مَهُولاً لا يُسَطّرُهُ الرثاءُ

بضبطِ النصِّ والتخريجِ أيضاً

ونقاداً إذا في النص داءُ

وفي فقه الفروعِ رأيت فهماً

يميّزه الدراية والصفاءُ

ويحفظ من متون الفقه فخراًَ

ورب الكون يُعطي من يشاءُ

وفي توحيدِ رَبِّ الخلقِ نجمٌ

* اقتداءُ

فينصرُ سنةَ المُختَارِ دوماً

ومن أهل الهوى شيخي براءُ

يحب الصالحين وكان منهم

فمثل الشيخ فلتلدَ النساءُ

تشاغل بالعبادةِ عَنْ سواها

ولم يُشغله بيعٌ أو شراءُ

يُرابِطُ جَوفَ بيتِ اللهِ عَصراً

ويخرج حِينَ يَنْقَضِيَ العِشَاءُ

غريباً في زمان النقص أمسى

مهمته التلاوةُ والدعاءُ

إلى آخر القصيدة.

فنسأل الله تعالى أن يرحمه وأن يسكنه فسيح جناته، و{إنا لله وإنا إليه راجعون} .


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد