Al Jazirah NewsPaper Thursday  17/05/2007 G Issue 12649
سماء النجوم
الخميس 30 ربيع الثاني 1428   العدد  12649

ملأى السنابل تنحني بتواضع
عبدالرحمن علي حمياني

من سعة رحمة الله، أن جعل المتكبرين يعيشون مع بقية البشر، ويأكلون من نعمه، ويستلذُّون بأطيب ما خلق، مع أنّهم يتكبّرون على خلقه وعباده، هؤلاء المتكبرون ليس لهم إلاّ منظار واحد، ونافذة واحدة، وشخصية واحدة، وكلمة واحدة، كلها تجتمع في (الأنا)، ولذلك ترى المتكبرين ينفخون أنفسهم، ويحاولون التحليق مثل الدخان، وسيعون دوماً لنفش ريشهم في كل محفل وعلى قارعة الطريق، كلامهم مختلف عن بقية خلق الله، ومشيتهم مشية الطاووس، وحديثهم الألغاز، وثيابهم نشاز، وفرحهم محدود، وسعادتهم مفقودة، يا لها من شقاوة وحرمان، - نعوذ بالله من ذلك - لا يشعرون بآلام الآخرين، ولا يقدِّرون الكبير، ولا يرحمون الصغير، ولا يواسون المصاب، لأنّهم يعدُّون هذه الخصال ضعفاً وانكساراً، كما أنّهم يرون أنّ من الواجب والمحتم أن يكون الاحترام يهدى إليهم، والتصفيق يجبى لهم، والنظرات لا تعرف إلاّ جنابهم، والإعجاب يكرس لذواتهم، الالتفاتة للمسكين - كما يرون - تضفي على نفوسهم المريضة التكبُّر، ولا يعدُّونها رحمة وعطفاً كما أمر الله للفقراء، إن أعطوا أذلوا، وإن ابتسموا احتقروا، وإن ضحكوا أحالوا الباقين مجانين، المتكبر في الخارج يسبح في فضاء الكبر والخيلاء، وفي الداخل أحقر من الفأر، لهم طباع خسيسة مثل الغربان والعقارب، إذا خلوا بأنفسهم يبكون ويصرخون لأنّهم يحسون بالغربة المقيتة، بل يحتقرون أنفسهم لأنّهم فقدوا التصفيق والتطبيل، وإذا خرجوا عميت بصائرهم إلاّ من ذواتهم، ومع هذا يعلمون علم اليقين أنّ الناس يحتقرونهم ويتفلون عليهم، ولكنه الكبر المقيت! - نعوذ بالله من الكبر والمتكبرين -، فسبحان الخالق البارئ الذي له ملكوت السموات والأرض، وله الكبرياء والعظمة، عندما يجازي العبد من جنس عمله، فالمتكبرون يُحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس بأقدامهم، فتخيّل حجم الذرة مقارنة بحجم الإنسان، ولكنه الجزاء من جنس العمل، وهذا عقاب من لم يتواضع لعباده، ويشكر الله على نعمائه، وجعل النعمة وسيلة للفخر والكبرياء، ومما سمعت عن معنى التواضع: إنّ التواضع أن ترفع الشخص الذي أمامك إلى مستواك، وليس المعنى الآخر الذي يقول أن تنزل إلى مستوى من تخاطبه، فالفرق واضح بين المعنيين من حيث إدخال السرور على قلب المخاطب واحترامه. ومن العبارات الجميلة في هذا المعنى (ما من امرئ تكبّر أو تجبّر إلاّ لذل وجده في نفسه) وقول الشاعر:

ملأى السنابل تنحني بتواضع

والفارغات رؤوسهن شوامخ

ولقد ضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المثل الأعلى في التواضع بعمله وقوله، فوصفه القرآن الكريم بأنّه رؤوف رحيم، فكان صلى الله عليه وسلم يسلِّم على الصغار، فعن أنس رضي الله عنه (أنّه مر على صبيان، فسلم عليهم، وقال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعله، ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يصغى للأمة فلا ينصرف عنها حتى تنصرف عنه، فعن أنس رضي الله عنه قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي (صلى الله عليه وسلم) فتنطلق به حيث شاءت)، ومن كمال تواضعه (صلى الله عليه وسلم) أنّه كان إذا دخل بيته يكون في خدمة أهله يحلب الشاة، ويرقع الثوب ويخصف النعل، فعن الأسود بن يزيد قال: سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله يعني في خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) وقال الشاعر:

تواضع تكن كالبدر لناظره

على طبقات الأرض وهو رفيع

ولا تكن كالدخان يعلو تكبراً

على طبقات الجو وهو وضيعُ

وما أجمل قول الحق تبارك وتعالى عندما نهى عن الكبر فقال: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً وقول ذي الكبرياء والعظمة {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور اللهم اجعلنا من عباد الرحمن الذين قال الله فيهم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد