Al Jazirah NewsPaper Friday  18/05/2007 G Issue 12650
مقـالات
الجمعة 01 جمادى الأول 1428   العدد  12650
عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن نميان فرد من جيل الجهاد والإخلاص
عبدالرحمن بن سليمان الرويشد

من يعرف الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن نميان؛ يعرف أنه من جيل الجهاد الذين تعاملوا مع مسؤولياتهم بإخلاص في أداء مهماتهم ثم مضوا!!

وأنا لا أطمع أن أقدم سجلا عن حياة هذا الرجل الذي ظل وفيا للأرض التي أنجبته طيلة شبابه وكهولته، بل وشيخوخته بقدر ما أريد أن أقدم شيئا عن حياته ونشاطه طيلة عمر امتد مائة سنة ونيف!!

فقد ولد عام 1325هـ، وتوفي فجر يوم الأحد التاسع عشر من شهر ربيع الثاني عام 1428هـ، وكان مولده ووفاته بمدينة الرياض، وهو من أسرة كانت قديما من أكبر أسرها الحضرية المنتمية نسبا لقبيلة السهول، فخذ البرازات؛ قبيلة عدنانية من بني عامر بن صعصعة من هوازن.

ولهذه الأسرة العارضية شبكة واسعة من الخؤولة والأصهار فأخوال فقيدنا (آل ثنيان من آل حوشان) من بلدة المزاحمية، كما أن أخوال أبيه (آل مرشد) من أكبر البيوتات المعروفة في الرياض، وآل حميد، وآل شاشات، وبيوتات أخرى، منهم أعلام ومشاهير!!

وقد لا يبدو هذا غريبا، فآل سهل بن يونس (السهول) من أكثر سكان بلدان العارض حاضرة وبادية. لهم انتماء ولحمة بالبيت السعودي، وبالدعوة الإصلاحية السلفية منذ القدم.

والمطلع على أخبار التاريخ لا يجد راية رفعت أو نشرت في سبيل الدعوة الإصلاحية، إلا ووجد تحت المنضوين إليها عددا من أفراد تلك القبيلة من الحضر والبادية!!

فما زال تاريخنا المحلي السعودي معطرا بذكر أفراد منهم في الدولة السعودية الأولى أمثال: الفارس خزيم بن لحيان رئيس السهول، والذي كان أحد قواد الإمام سعود (الكبير) عندما وطئ أرض العراق، وهو - وليس غيره - الذي قتل زعيم عشيرة شمر (مطلق الجرباء) في غزوة كان قائدها الإمام سعود بن عبدالعزيز عام 1212هـ.

كما لا يزال التاريخ يذكرنا بشجاع اشتهر اسمه وذاع صيته في العارض هو (شِديْد اللوح) السهلي، صاحب برج ناظرة في الدرعية، والذي دافع ما استطاع عندما هاجم البلدة إبراهيم باشا، وظل يقاتل حتى استشهد، وهو من أهل قرية (الصفرة) وما تزال أسرة هذا البطل تعيش بيننا إلى هذا اليوم.

وأيضا؛ فوزان السهلي شاعر الإمام فيصل، وشايع بن محمد بن شداد السهلي الذي صحب الملك عبدالعزيز ليلة استعادة الرياض.. وغيرهم.

فالشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عبدالله بن نميان، واحد من أولئك الرجال الذين التحم اسمهم بأحداث تاريخية هامة أيام الملك عبدالعزيز، لكن معظم مواقع نشاطه كانت مرتبطة بصحبة الأمير عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي.. ذلك البطل الذي يزدان التاريخ السعودي بقصص روائع أمجاده، وشجاعته ومواقفه، يشايعه عدد من الرجال الذين نذروا أنفسهم لخدمة الدين والوطن.

فالقليل من هذا الجيل لا يعرف من هو ذلك الأمير، ولا عن مساعديه وأعوانه الأشاوس الذين كانوا يؤدون أدوارهم على مسرح تاريخ هذه البلاد.. ثم مضوا إلى رحمة الله.

ومن بينهم: محمد بن شهيل، أحد الأفراد الذين أسهموا بفعالية في خدمة هذا الوطن إبان توحيد البلاد، وكان ممن التحق بطلائع قوات عبدالعزيز بن مساعد اليد اليمنى للملك عبدالعزيز.

وصالح بن عبدالواحد، أحد الشخصيات البارزة، وكان من بيت ولاء، استشهد والده في معركة البكيرية، وقد شارك صالح في كل معارك الملك عبدالعزيز.

وبعد انضمام مدينة حائل وبلدانها إلى بقية مملكة الملك عبدالعزيز، عين مسؤولا لشؤون البادية في حائل، ثم نقل إلى مناطق أخرى، فكان أميرا للحفر (من مناطق الحدود الشمالية) حتى توفي.

وسليمان الشنيفي أحد القواد الكبار والأمراء في تلك المناطق.

ومبارك بن مبيريك، وهو من أقدم رجال الملك عبدالعزيز ومساويا له في السن، فقد ولد عام 1297هـ، وقد بعث به الملك عبدالعزيز إلى اسطنبول مع عبدالله أبو عبيد، وصالح بن عذل إلى السلطان العثماني عبدالحميد، وبعد عودة مبارك اختاره الأمير عبدالعزيز بن مساعد ليكون إلى جانبه، ثم اختاره ليكون أميرا للقصيم بعد أن استقل ابن مساعد بمسؤوليات إمارة حائل.

وعبدالرحمن بن شبيب - من أهل حريملاء - حضر أكثر وقوعات وغزوات الملك عبدالعزيز، وعندما انضمت حائل وبلدانها إلى بقية أجزاء المملكة 1342هـ، تسلم ابن شبيب مسؤوليات كبرى، وأسندت إليه إمارات كثيرة في شمالي المملكة إلى أن توفي.

وعبدالعزيز بن إبراهيم بن مرشود، أحد أمراء المناطق الشمالية، وندا بن نهير أحد رجال عبدالعزيز المخلصين، ونافع بن فضلية الحربي.

ومنهم فقيدنا عبدالعزيز بن نميان الذي قدم إلى حائل بعد أن جرب حظه في مشاركات وقوعات الإخوان، عام 1342هـ، وكان الأمير عبدالعزيز بن مساعد قد تسلم الإمارة - آنذاك - وعندما قابل عبدالعزيز بن نميان الأمير سأله عن سبب قدومه: قال ابن نميان: أبحث عن أخ لي انقطعت أخباره، ونما إلى علمي أنه في حائل، لكنني بعد البحث والتقصي علمت أن أخي قد ترك حائل قبل استسلامها، وذهب إلى ناحية أخرى.. فطلب منه الأمير عبدالعزيز بن مساعد أن ينضم إليه، بعد أن توسم مخائل النجابة بادية على وجهه السمح، لا سيما وأن عبدالعزيز بن نميان كان يحسن الكتابة، وله خط جميل، حيث كان في صغره قد ذهب إلى الأحساء تاركا الرياض، ليلتحق بوالده عبدالله الذي اتخذ من الأحساء سكنا له، وهناك ألحقه والده بإحدى المدارس حتى نال قسطا من العلم، وحفظ بعض الأشعار، وحاز على ما يعرف بالثقافة السائدة.

وفي حائل توثقت علاقته بأميرها الجليل عبدالعزيز بن مساعد، فكان لا يفارقه حضرا ولا سفرا، فأصبح أحد مساعديه الشخصيين.

وكان الأمير عبدالعزيز بن مساعد يحظى بجاذبية عجيبة لا تقاوم، وحاز أرقى الصفات العسكرية والإدارية والمدنية، مهيبا فارسا، طموحا، مارس كل أدوار النضال، حتى تم توحيد هذه المملكة عام 1351هـ وحينئذ ألقى السلاح وتسلم مسؤولياته مع صحبه في حماية الحدود الشمالية للمملكة حتى شاع الأمن والرخاء والاستقرار.

ولم تلبث حائل أن احتلت المرتبة الأولى التي كانت تحتلها بريدة، وأصبحت تمثل مركز الثقل، وانتقل ابن مساعد إليها لتكون مركز المنطقة، وأصبحت منطقة القصيم تابعة لها.. ومنذ ذلك اليوم لازم فقيدنا ابن نميان الأمير عبدالعزيز بن مساعد في حائل، ولم يفارقه حضرا ولا سفرا، وشهد معه وقعة السبلة المعروفة بقيادة الملك عبدالعزيز، كما شهد معه وبشكل مباشر وقعة (المسعري) المعروفة بوقعة (أم رضمة) في نفس السنة، والتي انتهت بهزيمة الإخوان، وقتل زعيم التمرد، كما شهد إخماد فتنة الأدارسة في الجنوب عام 1351هـ حتى استسلم العصاة، وفر زعيم التمرد إلى صنعاء، ورجع الأمير عبدالعزيز بن مساعد ومن معه إلى حائل بعد أن عين (محمد الشويعر) أميرا على بلاد الأدارسة (تهامة عسير) بأمر من الملك عبدالعزيز.

هنا وكل إلى فقيدنا عبدالعزيز بن نميان تنظيم أحوال شؤون الإمارة التابعة لحائل، ولقد وجد الأمير عبدالعزيز فيه الكفاءة لهذا المنصب، كما أوكل له رئاسة الديوان بها، بعد أن عرفه وعجم عوده في مغازيه، وشهد الكثير من معاركه ووقوعاته، وقد أبان عن شخصية قوية فذة قادرة على التحمل والصبر. لذا نجد صاحب كتاب (حياة عبدالعزيز بن مساعد) قد لجأ في تحقيق ما كتبه من دراسة عن ذلك الأمير إلى ابن نميان، وجعله مصدرا له فيما يتعلق بالإدارة في حائل، ومغازي الأمير ابن مساعد في الشمال والجنوب، والقضاء على التمرد سواء كان مرافقا للملك عبدالعزيز أم مضطلعا بتلك الغزوات وحده.

واستمر ابن نميان في إدارة أعمال إمارة حائل حتى عام 1382هـ، فقدم استقالته في عهد الملك فيصل ليتيح الفرصة لغيره معتذرا عن مواصلة العمل وكيلا لإمارة حائل، لكن الملك فيصل ووزير الداخلية الأمير فهد ونائبه الأمير نايف لم يقبلوا أن يتخلى عن العمل نهائيا، فوكلوا إليه شؤون البادية - بوزارة الداخلية - ثم اختير أميرا لمنطقة ينبع، ثم أميرا لمنطقة بيشة، وأخيرا عاد ليكون مستشارا بوزارة الداخلية، حتى أثقلت سنوات العمر كاهله.

وما عبدالعزيز بن نميان إلا واحد من أولئك الرجال الذين وهبوا شبابهم واسترخصوا الموت في إعلاء راية بلادهم خدمة للدين والوطن، لذا وجب علينا أن نضع ما نعرفه عن حياة هذا الرجل تحت سمع وبصر أبناء هذا الجيل كي نعرفهم بالدور الذي قام به هذا الرجل وأمثاله بقيادة الباني العظيم وأعوانه من العمالقة الذين أدوا أدوارهم على مسرح التاريخ.

كانت تجمعنا بالفقيد ونحن زملاء عمل مكاتب وزارة الداخلية فكنا نأنس بحديثه الطيب الممتع، ونطلب منه أن يسترسل في الحديث عن الماضي، لكنه ككل جيله يحاولون بقدر الطاقة أن يطووا صدورهم على أحداث الماضي دون أن يستطيع أحد إخراجهم عن الصمت عن كثير من المكنونات.

وكانت فلسفتهم أن الماضي قد انقضى وأن كل خصم إما أن يكون انتقل إلى - رحمة الله - أو أن يكون قد صلح شأنه، ونحن اليوم نعيش في مسيرة الأمن والأمان، ويردف: وما نحن إلا جند حاول كل منا أن يخدم دينه ووطنه في رتل قادة كبار يتحلون بالدين، والإخلاص والأمانة، ولم نكن نستفيد من حديثه إلا ما جاء عفوا، أو ما كان يطلقه استرساله في الحديث، فإذا أدرك أننا ننصت عاد إلى صمته وقطع الحديث!!

رحمك الله أبا عبدالرحمن، وغفر ذنبك، وإنا لفراقك لمحزونون.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد