Al Jazirah NewsPaper Sunday  20/05/2007 G Issue 12652
وَرّاق الجزيرة
الأحد 3 جمادى الأول 1428   العدد  12652

الخيل الأصيلة بين الجزيرة ومصر

* بقلم: بدر بن نجر الردعي العتيبي

الخيل التي اقترن اسمها بالعرب، فقيل فيها الخيل العراب، كان لها شديد الأثر في حياة العرب كما يظهر ذلك جلياً في الفتوحات التي حققوها في تاريخهم الطويل، ويكفي للدلالة على أهميتها الآية الواردة في القرآن الكريم: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (60)سورة الأنفال.

بل ويكفي الخيل شرفاً أن الله تعالى أقسم بها في كتابه فقال: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} (1) سورة العاديات.. وهي خيل الغزو التي تعدو فتضبح؛ أي تصوّت بأجوافها. ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حض المسلمين على ارتباطها، بل كان هو نفسه من أرغب الناس فيها وأصونهم لها وأشدهم إكراماً لها وحبّاً وعجباً بها، وكان يسابق بينها في المدينة، وقال في ذلك: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا نواصيها وادعوا لها بالبركة).

وقد التفت العرب إلى أنساب خيولهم، وحافظوا على أصولها، وبالغوا في الحرص على ألا تختلط الخيول الأصيلة بغير الأصيلة، لتظل أنسابها صافية خالصة، لا تشوبها شائبة، وتراهم إذا تحدّثوا عن خيولهم احترزوا في القول كما يحترزون في التحدث عن الأعراض، فلا يقولون عن الخيل ما يمسّ أصولها، ويبرؤون إلى الله ممّن يذكر نسب فرس ما بسوء إن لم يكن كلامه حقيقة معروفة.

والتفت المؤلفون القدماء من العرب إلى أهمية الخيل ومكانتها، فوضعوا عنها الكتب، بحيث لا نكاد نرى مؤلّفاً مشهوراً عرف بكثرة التأليف إلاّ وله كتاب في الخيل.

وممّن اهتم بالخيل وأصولها في العصور المتأخرة والي مصر عباس باشا الأول بن طوسون بن محمد علي في الفترة ما بين عام 1264هـ إلى عام 1270هـ.

العلاقة بين الإمام فيصل

بن تركي ووالي مصر عباس باشا

يقول الشيخ حافظ وهبة في كتاب (جزيرة العرب في القرن العشرين ص 238): (.. وفي سنة 1259هـ تمكّن الإمام فيصل من الفرار من مصر ثانية، ويقال: إنه تمكن من ذلك بمساعدة عباس باشا الأول، فإنه كان معجباً به وبعقله..). انتهى. بل ويؤكد هذه الرواية، ما ورد على لسان حفيد الإمام فيصل الأمير مساعد بن عبدالرحمن من أن الإمام فيصلاً كان يهدي الخيول إلى عباس باشا، ويقول عنه: (هذا صديقنا.. وساعدنا على الخروج من مصر...). ثم إن عباس باشا سافر إلى الحجاز مغاضباً لعمه الحاكم إبراهيم باشا في يوم 27- 8-1264هـ، ومكث ما بين الحجاز والشمال 4 أشهر عاد بعدها حاكماً لمصر. وأثناء تلك المدّة وقبلها كانت العلاقة بين الإمام فيصل وعباس باشا على أتمّ الوفاق، وهذا ما تؤكده الوثيقة الصادرة عن الإمام عبدالله بن فيصل إلى والي جدة محمد وجيهي باشا في عام 1283هـ.. جاء فيها: (.... وقد كنا في المدّة السابقة كان يدفع ذلك المذكور جناب عباس باشا والي مصر، لأنه هو الواسطة بيننا وبين جناب شريف مكّة لما توجه إلى نجد عام ثلاثة وستين ومئتين وألف، وبعده جاءتنا مكاتبة الدولة العالية لطلب خيول على وجه الشراء، وأرسل إليهم جناب والدنا المرحوم ثمانين حصانًا من جياد الخيول العربية.....إلخ) (مجلة الدرعية، س6، عدد21 و22، ص 104 وص 116).

مخطوط عباس باشا في الخيل وبعثات الشراء

فكرة تأليف الكتاب نبعت من حفظ أصول الخيل المهداة إلى عباس باشا أو المشتراة لمصلحة إسطبله في القاهرة من إنتاج خيل جزيرة العرب خلال تلك الفترة. فقد أرسل بعثات استقصاء لأنساب تلك الخيل إلى جزيرة العرب، فما كان من الإمام فيصل إلاّ أن بعث برسل عباس باشا إلى القبائل التي تقتني أصول الخيل المهداة أو المشتراة، وعن شيوخ القبائل استقيت معلومات وافية عنها، دونت في هذا المخطوط.

أ- المساهمون في جمع مادة المخطوط

ورد في النسخة الإنجليزية للمخطوط أسماء عدد من المساهمين لعل من أبرزهم: مصطفى بك مدير الإسطبل، علي بك صاحب صياغة الكتاب، رستم بك حاكم الشرقية بمصر، محمد كاشت سليم، بهجت أفندي، بهجت آغا، محمد أفندي أحمد.

ب- البعثات من الجزيرة العربية إلى مصر

ورد في كتاب محمد علي توفيق ذكر لعدد من بعثات الخيل التجارية بين الجزيرة ومصر، من أبناء الجزيرة أنفسهم، كالخيل الأربعة المرسلة من الشريف محمد بن عون، والثلاثة صحبة ابن عريعر، وستة صحبة عيادة بن رخيص في 4-1267هـ.. وأربعة رؤوس بصحبته أيضًا في 2-1268هـ.. وستة رؤوس صحبة خزام العتيبي.

ج- البعثات من مصر إلى الجزيرة العربية

كان هناك تبادل وتهاد وشراء بين عباس باشا وأبناء الجزيرة في الأعوام بين 1263هـ و1267هـ.. ثم أرسل عباس باشا بعثات للشراء والاستقصاء عامي 1268هـ، و1269هـ.

في البداية كان دور مصطفى بك الذي قابل الإمام فيصلاً، ورستم بك وبهجت آغا الذي قابل الشيخ محمد بن خليفة حاكم البحرين في 27 رمضان 1268هـ.. ثم استقصاء من علي بك، والآخرون مطلع عام 1269هـ.. حيث وردت إشارات كثيرة في كتاب الأصول تدعم ذلك.. ويؤكد ذلك الوثيقة العثمانية الإرادة الداخلية برقم: 16102 بتاريخ 11-10-1268هـ.. وهي مرسلة من والي جدة حول التحقق من خبر الرجال الذين جاؤوا من مصر لمقابلة أمير إيالة نجد فيصل بن تركي.. جاء في ترجمتها التي ترجمها لي مشكورًا الدكتور سهيل صابان: (... أن الرجال كانوا قد توجهوا إلى نجد بالمال من أجل شراء الجياد منها...).

وثيقة

الوثيقة الثانية: إرادة داخلية برقم 16102 بتاريخ 6 محرم 1269هـ.. بخصوص الرجال المتوجهين إلى نجد لمقابلة الإمام فيصل.

وثيقة

وخلال تردد هذه البعثات بين نجد والحجاز كانت تتعرض في بعض الأحيان لمضايقات بعض العربان في نجد، ولأسباب قطع الخطوط التموينية بين نجد والمدينة المنورة كما بينته الوثيقة السابقة.

يقول الإمام فيصل بهذا الصدد كما ينقل لنا الدكتور منير العجلاني في كتابه تاريخ البلاد العربية السعودية الدولة السعودية الثانية - عهد الإمام فيصل بن تركي (ص 164) نقلاً عن تقرير لويس بيلي: (.. وقد كان عباس باشا المصري يريد إقامة مواصلات بريدية مع نجد، ولكن مضايقات وأذى القبائل كانت من الكثرة بحيث أهمل هذا المشروع، مع أنه في أول الأمر عاقب العرب المعتدين).

ويؤكد هذا الخبر حملتا محمد ناصر المدني على العربان في جمادى الآخرة عام 1268هـ.. كما نقل المؤرخ النجدي إبراهيم بن عيسى.

وكان لاهتمام عباس باشا بالخيل واقتنائه الأصايل منها وبذله في سبيل تحصيلها أموالاً طائلة دوره في تنشيط حركة تبادل الخيل وتجارتها في جزيرة العرب وارتفاع أسعارها؛ ما كان له الانعكاس الكبير على ثقافة أبناء الجزيرة في تلك الفترة.. ومما حفظ لنا التاريخ الأدبي لهذه البعثات أبيات لبعض أبناء جزيرة العرب فيقول عبيد بن رشيد مخاطبًا علي بك مندوب عباس باشا:

يا بيه أنا لكروش لا أعطي ولا أبيع

قبلك طلبها فيصل وابن هادي

يا بيه مايرهم على مثله البيع

ولايجي مثله يقوده مهادي

ولاجمّع أصله بالقراطيس تجميع

بيته يعرفونه جميع البوادي

وقال أيضًا:

هم ويش لو كز المراسيل عباس

ماسلت عن راس به الزوم طايل

أنا بأجا ماسلت عن باقي الناس

ولولا المعزّة ما نزلنا بحايل

وقال أيضاً:

يادار ياللي من ورى غرّ الاطعاس

لاتحسبين أني على الطول ناسيك

يادار خليتك على شان عباس

ولغير عباس فلاني مخليك

ويقول قاسي بن عضيب العاصمي:

ياسابقي حبك مقيم على ساس

ومولّع في حبك القلب توليع

والله لو ساموك بفلوس عباس

أنّي شفيٍ فيك لا أصخي ولا أطيع

ولا دخل قلبي من البيع هوجاس

وأن زوّدوا لي بالثمن قلت ما أبيع

والشواهد الشعرية كثيرة من هذا النوع الذي يظهر منها معارضة أهل الخيل في بيعها لباشا مصر.

أصول الخيل العربية

تختلف الآراء والكتابات حول الأصول العامة للخيل لكنها في الغالب ترتكز على خمس سلالات هي:

كحيلات، صقلاويات، عبيات، حمدانيات وهدب. ولتمازج هذه السلالات وتداخلها تعددت الأصول الفرعية إلى عدد كبير، منها: الدهم، والمعنقيات، وشويمات، ووذنات، وربد، وكروش، وصويتيات، والكبيشة، والطويسة،.... إلخ

مثلاً نجد أن كروش كحيلة.. وكذا الوذنا.. وهكذا..

ولاهتمام العرب بأصول خيلهم وحفظ مرابطها.. وثّقوا مضابط شهادة في ذلك كما هي هذه المضبطة لتوثيق أصل حصان مشترى غرة صفر 1302هـ:

وثيقة

أسنان الخيل

من الولادة يقال للواحد من الخيل (طريح) ما دام رضيعًا، ومن حين فطامه يعني من بلوغه ثلاثة أشهر إلى تمام عشرة أشهر يقال له: (فلو)، ومن السنة إلى السنتين يقال له: (مهر) أو (حولي)، وفي تمام السنتين يقال له (جذع)، وعند إتمام ثلاث سنوات يصير (ثني)، وفي السنة الرابعة يقال له (رباع)، وفي الخامسة (قارح)... وهلم جرّا، وتمام نفعه والتمتع به من السنة الثالثة إلى الاثنتي عشرة... وقد يصل عمر الخيل إلى الثلاثين، وفي الفترة ما بين العشرين والثلاثين يسمى غالباً (عود).... والسن المثالية لتناسل الخيل من 5 إلى 7 سنوات ثم للركوب حتى 13 سنة، ثم يعاد للتناسل حتى تصل ما بين 20 و25 سنة.

ألوان الخيل

للخيل ألوان وشيات تميزها بعضها عن بعض، وقد عرف العرب المتأخرون عددًا من ألوان الخيل، لعلي أجملها هنا على درجات:

الأصفر: وهو بعرفنا اليوم الأبيض وله درجات ومسميات: صفرا بردا وهي شديدة البياض، وشهباء أقل بياضًا، وصفرا مرشوشة، أي منقطّة بنقط سمرا (حبشية).. ويميز الصفرا أن شعر معرفتها وسبيبها لونه أبيض.

الأزرق: الزرقاء: هي ما اختلط بياضها بسواد.. ويميزها عن الصفراء أن الزرقاء بيضاء إلا أن معرفتها وسبيبها فيها شعر أسود، وهناك زرقاء ربشا إذا كانت مبقعة ببقع حمراء، وهناك من يطلق اللون الأزرق أيضًا على الرمادي الفاتح.

الشعلى: ما خالط بياضها شقار، والشقار هو ما بين البني والأصفر، القريب لدرجة البرتقالي المذهّب، أي تكون الفرس بيضاء وفي معرفتها وسبيبها شعرات شقراء مع بياض.

الشقراء: وهي ما بين الأصفر والبني أقرب إلى البرتقالي الفاتح المذهّب، وهي من الألوان الزاهية في الخيل، إلا أن للعرب المتأخرين رأيًا فيها، حيث إنهم يتشاءمون من هذا اللون في الخيل.

الحمراء: وهي ذات اللون البني بدرجاته. هناك حمراء صمّاء، أي ليس فيها علامات بيضاء، وحمراء صبحا، إذا كان فيها علامات بيضاء، وحمراء صديا، بها بقع سوداء.

الخضراء: وهي بحسب اصطلاح كثير من أهل الخيل تطلق على الرمادية، وهناك من يطلقها على البيضاء.

الدهماء: وهي الغامقة القريبة للسواد، ومنها الدهماء الغرابية شديدة السواد، ومن العرب من يطلق السوداء على الفرس الدهماء، وكلاهما جائز. وقد تتفاوت اصطلاحات الألوان من منطقة إلى منطقة.

وهناك علامات للخيل مثل التحجيل وهو البياض في الأيدي والأرجل.. وقد يقال فرس محجلة مطلوقة اليمين، أي محجلة الثلاث إلا أن يدها اليمنى مثل لون باقي جسمها... وهكذا.

وهناك الغرة: بياض بالجبهة، ومثلها النجمة، وهناك السيالة: وهي شريط أبيض من الجبهة إلى قصبة الأنف.

وكمثال لتميز الخيل بألوانها وأصولها وضلع العرب بأوصافها، فإن هذه الوثيقة للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، وهو فارس عصره.. والخبير بشؤون الخيل يصف فيها حصانًا وفرسًا قدما إلى السير كلايتون القنصل البريطاني في جدة، والمؤرخة في 20-11-1345هـ، مصدرها كتاب الخيل العربية، للمؤلف بيتر أبتون (صفحة 88 ):

وثيقة

الخيل والفروسية اليوم

أختم هذا المقال بنبذة عن نادي الفروسية السعودي وفارسه الأول فارس العروبة، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، حفظة الله ورعاه، حيث يعتبر أول رئيس لهذا النادي وذلك عام 1387هـ لشغفه بالفروسية وحرصه - حفظه الله - على اقتناء الخيل العربية الأصيلة منذ صغره، وفي عهد والده الملك عبدالعزيز - رحمه الله - كإخوته الأمراء. وكوّن له مجلس إدارة فيه الأمير بدر بن عبدالعزيز والأمير سلمان بن عبدالعزيز والأمير سلطان بن محمد بن سعود الكبير. وقد أولى - حفظه الله - الخيل الرعاية والتشجيع، وصار يتعهد سير الأمور فيها، ويرعى بنفسه حفلات السباق، ويبذل المكافآت السخية لأصحاب الخيل الفائزة؛ ما كان له الأثر الأكبر في نفوس المواطنين بصفة عامة، وملاّك الخيل بصفة خاصة، من اقتناء الأصايل واجتذابها.. مصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (..الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة..).

ولعل لي عودة لهذا الموضوع بشكل موسع في بحث يرى النشر في قابل الأيام.

(*)rogi@gawab.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد