Al Jazirah NewsPaper Monday  21/05/2007 G Issue 12653
الرأي
الأثنين 4 جمادى الأول 1428   العدد  12653
إياكم.. وتكلُّف النقد..!!
م. عبدالعزيز بن محمد السحيباني

قبل أن توجه سهام نقدك لأي شخص آخر.. ضع مكان هذا الشخص نفسك وتخيل أنك أنت المُنْتَقَدُ.. وقدِّر ردة فعلك.. من الأشياء العجيبة والغريبة في حياتنا.. أننا دائماً ننتقد ونوجه سهام النقد لأي شيء مهما كان جميلاً.. دائماً ننظر إلى النصف الفارغ من الكأس.. دائماً تنهال سهام نقدنا الجارحة بمبرر وبدون مبرر.. لأي شيء قبيح.. وأي شيء جميل.. وبهذا أصبح النقد والانتقاد لا قيمة له.. بل هو حاجة ملحة لأن نعلن للآخرين أننا أذكياء ونستطيع أن نكون أفضل من الآخر.. والعجيب والغريب أنه إذا عمل أحد منا عملاً (مبنى مثلاً)، فإننا لا ننظر إلى جماله وإنما نحاول البحث عن العيوب فيه مهما كانت الأسباب وإذا لم نجد عيباً حولنا صفات الجمال فيه إلى عيوب وهي في دواخلنا صفات جمال وإنما لنعلن للآخرين أننا أذكياء ولدينا (رأي) ولا يمكن أن (ننخدع) بالآخرين.. وأقول لكم للأسف الشديد أن 99.9% منا كلنا هم من نفس هذا النمط.. فإذا وجدت شخصاً ينتقدك ليل نهار وفي كل جلسة وفي كل مناسبة لأن لون (ثوبك مثلاً) كذا ويجب أن (تغيره) حسب مزاجه إلى لون آخر.. فإذا حققت طلبه وغيرت هذا اللون فسيبدأ بانتقاد هذا اللون نفسه الذي كان معجباً به قبل ذلك.. ويبدأ بكيل الانتقادات لك لأنه ليس اللون الذي كان يقصده!! لا أدري لماذا أصبحنا في هذا الزمن لا يعجبنا العجب ولا الصيام في رجب؟ أصبح كل همنا الحط من الآخرين ومن قدراتهم وانتقادهم.. هل هذا مركب نقص فينا.. أم هي صفة جُبل الإنسان عليها؟.. قد يقول بعض الناس إن النقد هو السبيل الوحيد نحو تعديل العيوب.. ولكن أقول لكم وبصراحة إن النقد لا بد أن يكون له هدف أسمى لا أن يكون هدفه شخصياً وللحط من قدر الآخر.. لأن النقد إذا كان سلبياً وسوداوياً وجارحاً وفي بعض الأحيان حتى لو كان خفيفاً، فإن له قدرة عجيبة على الهدم.. في كثير من الأحيان فإن انتقاد الأخطاء وحتى ولو كانت علنية ومعروف أنها خطأ 100%، فإن النقد لها سيكون هادماً.. والشيء الخفي الذي لا يعلمه أحد أن كل إنسان مركب وله أهواء وله مقاييس للخطأ.. فما تعتقد أنت أنه خطأ 100% قد يعتقد الآخر أنه صحيح 100% فاختلاف تقديرنا للأمور هو السبب الرئيسي في النقد فليس هناك شيء أبيض اسمه الصح وهناك شيء آخر اسمه الخطأ.. وهذا هو السبب الرئيسي في الخلاف المر بين شخص وآخر فلكل شخص مقاييسه، فإذا انتقدك شخص لأنك قلت كلمة (كذا) في المجلس الفلاني، فإنه ينتقدك من منظوره هو لا من منظورك أنت.. وإذا سألت شخصاً آخر عن صحة هذا النقد لأكد لك أنه خطأ 100% وأن كلمتك يجب أن يقدم لك خطاب شكر عليها وأن يقام لك احتفال تكريمي لأنك قلت هذه الكلمة!! وهذا دليل على انعدام المقاييس وأن هناك أشخاصاً كل همهم هو توجيه سهام النقد لأنهم يعتقدون أنك إذا لم تنتقد فإنك ليس بإنسان جدير بالثقة؛ وأريد أن أسأل سؤالاً.. وهو: ما هي المرة التي تذكر أنه عرض فيها عمل قام، أو قدم إنسان تبرعاً سخياً وعملاً جليلاً وقُدِمَ إليه الشكر.. ستجد أن الإجابة هي ولا مرة واحدة (مع عدم توجيه أي نقد له).. إن النقد يحول حياتنا إلى جحيم وطعمها إلى علقم ويحيلنا إلى أشخاص بلهاء وكسالى.. ويكوِّن منا فريقاً متعادياً يُضاف إلى محيط من الكسالى وإلى قطيع في الصحراء لا هم لهم إلا إشباع أنفسهم دون الآخرين؛ إن النقد الذي لا هدف له أصبح معول هدم لا بناء!!

من الكتب النادرة التي قرأتها كتاب بعنوان (لا تهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر) من تأليف د. ريتشارد كارلسون.. وعدَّد فيه عادات يومية نمر بها ولا نشعر بأن مثل هذه العادات.. هي شيء يمكن أن يقلب حياتنا رأساً على عقب.. تصرفات عفوية أو صغيرة ولكن لها تأثير كبير في شعورنا العام وعلاقاتنا مع الآخرين يقول مثلاً بعنوان (كف عن إلقاء اللوم على الآخرين): (إن إلقاء اللوم على الآخرين يستنفد قدراً هائلاً من الطاقة العقلية، إنها حالة نفسية تزداد مع الوقت وتؤدي إلى التوتر والمرض، وإلقاء اللوم على الغير يجعلك تشعر بالعجز عن السيطرة على حياتك، لأن سعادتك تتوقف على تصرفات الغير وسلوكهم، وهو ما لا تملك عليه سلطاناً، أما عندما تتوقف عن إلقاء اللوم على الآخرين فستستعيد شعورك بقوتك الشخصية وستنظر إلى نفسك بأنك قادر على الاختيار.. وستعلم عند شعورك بالضيق بأنك تلعب دوراً هاماً في خلق مشاعرك، وهذا يعني أن بمقدورك خلق مشاعر جديدة وإيجابية. إن الحياة تكون أكثر إمتاعاً وأيسر في التعامل مع مجرياتها عندما تكف عن إلقاء اللوم على الآخرين، فلتجرب ذلك ولتنظر ماذا يحدث).

وهذا اللوم الذي تلقيه على الآخرين هو سلوك يومي لا نشعر به ولا نعلم أنه سبب ضيقنا ونكدنا.. دائماً نلقي باللوم على الآخرين وننسب أي تقصير وأي خطأ لهم ونحن المخطِئون.. نعاقبهم ونحن المجرمون.. إن إلقاء اللوم والتقصير على الآخرين يستهلك منا جهداً كبيراً لو استغلنناه في تعديل هذا الخطأ لكان أسهل بكثير من الطاقة المستنفدة في إلقاء هذا اللوم.

ويقول في موضع آخر: (إياك وتكلف النقد)، (إن إصدار حكم أو انتقاد شخص ما لا يدل على شيء معين عن هذا الشخص، بل إنه يدلك على حاجتنا نحن لأن ننتقد. لو أنك حضرت اجتماعاً واستمعت إلى النقد الذي يُوجه إلى الغير ثم بعدها عدت إلى البيت وتأملت النفع الذي يعود به علينا كل هذا النقد في تحويل العالم إلى الأفضل، فمن المحتمل أن تتوصل إلى نفس النتيجة التي توصلت إليها وهي صفر! إن النقد لا يجدي شيئاً ولكن ليس نهاية الأمر، فالإنسان بتوجيه النقد لا يؤدي فقط إلى عدم حل أي شيء، بل إنه يسهم كذلك في وجود القضية وانعدام الثقة على حياتنا، وعلى أية حال فليس منا من يجب أن يوجه إليه الانتقاد، وعادة ما يكون رد فعلنا على النقد أن نتخذ مواقف دفاعية أو ننسحب.

إن الشخص الذي يشعر بأنه تعرض للهجوم قد يقوم بأحد أمرين:

أ إما أن ينسحب فيتلبسه الخوف والخزي.

ب أو يهاجم في غضب.

كم مرة وجهت فيها النقد لشخص ثم أجابك بقوله (شكراً جزيلاً لك على إظهار عيوبي، إني أقدِّر ذلك حقاً).

إن النقد تماماً كالسب، لا يزيد على مجرد كونه عادة سيئة، إنه شيء نعتاد فعله، والشعور الذي يتسبب فيه مألوف لنا تماماً. إن النقد يبقينا في حالة انشغال ويمنحنا شيئاً نثرثر به، ولكن إذا لاحظت الشعور الذي ينتابك مباشرة بعد أن توجه النقد إلى شخص ما لأدركت أنك تشعر بقليل من الخزي، كما أنك الشخص الذي وجه إليه النقد، والسر في صحة ذلك يكمن في أنه عندما نقدم النقد فإن ذلك إعلان لأنفسنا وللعالم، أنني أشعر بحاجة إلى أن أنتقد).وقد يقول قائل إن توجيه النقد للأشخاص هو المرفوض وتوجيه النقد لأعمالهم مقبول.. وأقول إن ذلك خطأ 100% فعندما توجه النقد لعمل شخص ما فأنت تنتقده هو ولا تنتقد عمله وفي زماننا هذا أصبح توجيه الانتقاد للأشخاص وليس لأعمالهم وإن حاولنا إخفاء ذلك بزعم أن النقد (للمصلحة العامة).. والدليل على ذلك أنك إذا كلفت شخصين في عمل ما وأنجزاه في نفس الوقت وبنفس المهارة فإنك ستوجه جام غضبك وسهام نقدك لواحد منهما ولن توجهه للآخر.. وأنت لا تعلم أنك تنتقد هذا الشخص لشيء ما في نفسك ضده وتحاول إسقاط ذلك على (المصلحة العامة).

إنني أتمنى من كل مَنْ قرأ هذا المقال أن يفكر لبرهة من الزمن وأن يسأل نفسه.. إذا كان توجيهي للنقد للآخرين لن يفيد شيئاً بل سأكون أنا المتضرر الوحيد.. فلماذا لا أوجه طاقتي في النقد إلى طاقة في الثناء والشكر لأن النتيجة ستكون باهرة؛ جربوا ذلك وستعرفون الفرق.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد