يختار الله تعالى فئة من عباده يسخرهم لعبادته ونشر دينه، وإعلاء سنة نبيه صلى الله عليه وسلم..
ومن حكمته جل وعلا أن نوع أصناف وأطياف تلك الفئة المسخّرة فمنهم القائد الملهم، ومنهم العالم المتبحرّ، ومنهم المربي المصلح، ومنهم الداعية المخلص.
إن وصفاً واحداً من تلك الأوصاف لترفع من قدر الإنسان ومن منزلته، وإنها لتعلي من نصيب محبته في قلوب البشر فما ظنكم إذا اجتمعت تلك الصفات كلها، أو جلها في شخص واحد، إن فقيدنا ابن عنيزة الغالي حمد بن محمد الجويعد رجل قد جمع الله له صفات وأخلاقاً يندر أن تجتمع ويقل أن تتوافر مجتمعة في شخصية واحدة.
حمد محمد الجويعد رحمه الله قد حصل مؤخراً على شهادة الماجستير في رسالة بذل فيها كل ما آتاه الله من جهد وخبرة، فوفقه الله تعالى بالحصول عليها بتقدير مشرف.
وهو كذلك رمز من رموز محافظتنا في مجال التربية، وحفظ النشء، وإنماء المواهب، فلا يكاد يخلو نشاط أو معسكر من لمسات (الجويعد) وهندسته.
أما الدعوة إلى الله عز وجل فهمٌّ يحمله فقيدنا. وأمر ملازم له في بيته وفي مسجده، ومع أبناء حيه، ومع طلابه. لقد كتب الله لي معاشرة ذلك الفاضل، ومجالسته، والتعامل معه في عقود ومبايعات، لم أر والله تعالى شاهد على ذلك إلا تطبيقاً لمنهج الشرع القويم، واتباعاً لسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في وقت يكثر فيه تأجيل النظريات، ويشح تطبيقها في الواقع المحسوس.
إن كلمة الحق نور يخرج من قلب وفم ذلك المربي، فيسطع الحق مبدداً ظلام الهوى والمراء المنتشرين في مجتمعاتنا.
لقد وفق الله تعالى أستاذنا الراحل إلى اغتنام كل فرصة تزيد الأجر، وتمحو الخطيئة فتراه مسارعاً إلى التعرض لنفحات الله تعالى، طارقاً لكل باب من أبواب جنته، سباقاً إلى مساعدة الخلق، وتفريج الكربات، وقضاء الحوائج.
لست هنا في مقام سرد الفضائل.. إذ فضائله غرة في جبين ذاكرة عارفيه ومحبيه.. إن (حمد محمد الجويعد) راية علقت في القلوب، فنصبت شامخة على هامة الخلود والذكر الحسن.
مدرسة الفضائل (الحمدية) نسبة لاسمه.. أثبتت لنا بالبرهان الساطع والدليل القاطع أن المعاملة بالحسنى هي مكسب الإنسان وفخره وتجارته وغناه.
مدرسة (حمد الجويعد) الأخلاقية زادتنا يقيناً بأن الخير في أمة محمد باق ما بقي الدين.. زادتنا يقيناً بأن للخير رجالاً مثلوه وجسدوه في زمن غربة الدين، وفي الوقت يكون المتمسك فيه بدينه ومبادئه وأصالته كالقابض على الجمر (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
إن رسائل الجوال المتبادلة بين أبناء المحافظة بعد دقائق من وفاته والمشتملة على تعبيرات الحزن، وأدعية الرحمة لتؤكد مجدداً أن الحب في الله حبل متين يربط قلوب المتحابين برباط القدسية والأخوة والصفاء.
ثم تغص المقبرة بالمصلين والمعزين من أبناء عنيزة بمختلف الفئات والأعمار والطبقات لتبرهن أن من زرع المعروف وأسقاه بماء الإخلاص، وأزال أشواك الحقد حصد محبة صادقة من كل القلوب.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام اغفر لعبد عَمرَ وقته في عبادتك، وأفنى عُمْرَه في طاعتك، وأضناه الشوق إلى جنتك.
اللهم نضر وجها سجد لوجهك، وخضع لقوّتك وخشع لعظمتك.
اللهم صبر زوجةً صالحة فجعت بشريك الحياة ورفيق درب مات.
اللهم قَوِّ عزم صغار طوى الموت كاسبهم وحاضنهم، وسراجاً يضيء دربهم، وسياجاً يحمي ضعفهم.
اللهم اجعل محمداً، وعمرَ، وعزاماً، وسليمانَ أئمة حق، ومنابر نور، وأقرّ بصلاحهم عين أمٍّ بكت فراق حبيب.