إشارة إلى دعوة الأستاذ محمد بن عبدالله آل رشيد في جريدة الجزيرة، عدد (12645) إلى إعادة النظر في كتاب (عجائب الآثار في التراجم والأخبار)، فإنه لا يسعني إلا أن أشكره على هذا الاهتمام وتلك اللفتة التي تنبئ عن اطلاع يتمتع به وحرص ودراية بالمصادر الأولية ذات الارتباط الوثيق بتاريخنا الوطني.
والحقيقة أني أحد من شدة الشوق إلى تصفح هذا التاريخ الكبير بمختلف طبعاته، فوجدت أنه غنيٌ بمادة ضخمة وجديدة عن تاريخ الدولة السعودية الأولى، وهذا ما دفعني إلى التعمق في هذا الموضوع، فبدأت فعلاً مشواري وعمقت قراءاتي في هذا المصدر التاريخي العظيم، فكان أن خرجت ببعض الأمور التي تتعلق بما يلي:
أولاً: المؤلف، وهو الشيخ عبدالرحمن بن حسن الجبرتي، ولد سنة 1167هـ- 1754م من أم جارية، وتوفي سنة 1241هـ- 1825م وليس سنة 1237هـ- 1822م كما ذكر الأخ محمد آل رشيد، فالذي توفي في تلك السنة هو ابنه خليل.
وكانت نشأة الجبرتي نشأة علمية في بيت علم، وتربطه علاقة حميمة مع العالم اليمني مرتضى الزبيدي صاحب كتاب (تاج العروس)، وقد عاصر الجبرتي قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1213هـ- 1798م، وتولي محمد علي حكم مصر سنة 1220هـ- 1805م مما جعله يكتب عن معاصرة ومعايشة لأحداث تلك الفترة.
وقد عمل الجبرتي في بعض المهام الرسمية بمصر خلال مرحلة الوجود الفرنسي بمصر مما مكنه من الاطلاع على تفاصيل كثير من الأمور التي دونها، وهو ما جعل بعض المؤرخين الفرنسيين يعدوه مصدراً مهماً من مصادر الحملة الفرنسية على مصر.
ثانياً: الكتاب، وهو تاريخه الكبير (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) الذي كتبه على النهج الحولي، بل اليومي في أغلب الأحيان، ويعد من أكبر أعمال الجبرتي وأعظمها شأناً، ولهذا وصفه الأستاذ ماكدونالد makdonald بأنه أعظم تواريخ مصر في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي.
وتوجد له عدة نسخ مخطوطة: منها نسخة محفوظة في مكتبة جامعة ليدن تحت رقم (988) يقال إنها بخط المؤلف نفسه؛ وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة توجد نسخة من (4) مجلدات بخطوط مختلفة للحاج محمد حسين بن أحمد تحت رقم (466) تاريخ؛ وأخرى بخط أحمد بن موسى الشاهد تحت رقم (1424) تاريخ؛ وأخرى بخط توفيق اسكاروس تحت رقم (485) تاريخ؛ وأخرى بخط محمد أحمد الشافعي وأحمد يونس بن التيسير تحت رقم (1425) تاريخ؛ وأخرى بقلم معتاد منقولة عن الأصل تحت رقم (2287) تاريخ.
بالإضافة لنسخة مصورة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
وأورد فيه الجبرتي معلومات تفصيلية عن الحياة الاجتماعية في مصر، وعن تاريخ المماليك ويكاد يكون هو المصدر الوحيد لتلك المعلومات، كما تحدث فيه عن الحياة العلمية في عصره وترجم لأغلب علماء تلك الفترة.
دوَّن فيه الجبرتي أحداث الحملة الفرنسية على مصر أولاً بأول، وأوضح أثر تلك الحملة على المجتمع المصري، وكتب من واقع معاصره بالتفصيل عن تاريخ مصر في عهد محمد علي كشاهد عيان.
كان أول ذكر فيه للدولة السعودية الأولى سنة 1217ه-1802م تحت مسمى (الوهابية) وذلك عندما بدأت صراعها مع الأشراف، وكان الجبرتي مقتنعاً بمبادئ الدعوة والدولة السعودية، لذا نجده يتعاطف معها في كثير من المواضع غير أنه خلط كثيراً بين أسماء رجالها وأخطأ في بعضها الآخر كتسمية الإمام سعود ب(مسعود)، والشيخ محمد ب(عبدالوهاب).
ولقد أشار الجبرتي في تاريخه الكبير بطريقة غير مباشرة إلى أن الأشراف كانوا يقومون بتشويه سمعة الدولة السعودية الأولى عند سلاطين وخلفاء الدولة العثمانية ويقومون بتضخيم أخطاء أئمتها مما أثار حفيظة الدولة العثمانية ضدها، وجعلها تجند كل طاقتها للقضاء عليها خاصة بعدما تجاوزت الدولة السعودية الأولى الخطوط الحمراء بضمها للحجاز سنة 1221هـ- 1806م.
كل هذه الأمور وغيرها جعلتني أتشجع لأتقدم بهذا البحث وهذه الدراسة إلى اللجنة العلمية الخاصة بجائزة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أمير منطقة الرياض- متعه الله بالصحة والعافية وأمد في عمره، وكان لي شرف نيل جائزة سموه في منحه البحوث والدراسات المتعلقة بتاريخ الجزيرة العربية بهذا الموضوع الذي أعكف حالياً على إعداده وتأليفه كي يخرج إن شاء الله بالصورة المأمولة والمرجوة.
ولا يسعني إلا أن أجزل الشكر والعرفان بأجمل عبارة وأثمن معنى إلى أمير المؤرخين الأمير الجليل سلمان بن عبدالعزيز على دعمه للباحثين وتشجيعه لهم، وليس هذا بغريب على دولة قامت على العلم ومحاربة الجهل.
Alsunied06@hotmail.com