لاشك أن بر الوالدين من أعظم الأعمال التي فيها التقرب إلى الله لأن طاعة الوالدين من طاعة الله، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) الآية (15) سورة الأحقاف.
فتذكر أيها الابن عندما كنت في بطن أمك ما هي المتاعب والمشاق التي كانت الأم تتحملها منذ فترة تلقيح البويضة إلى الولادة ومخاضها، مرّت بأشهر تسعة كانت تتألم وتسهر الليالي من أجل المحافظة على هذه المنطقة حتى كبرت وترعرعت حتى جاءتها فترة الولادة، حيث تمنت أن تموت نتيجة آلام هذه الولادة وعندما وُضعت ضمتك إلى حضنها وقبلتك وأصبحت ترعاك، تسهر وطفلها ينام، تجوع من أجل أن يشبع طفلها، رعتك صغيراً حتى كبرت وترعرعت، تحنو عليك وتعطف عليك هي ووالدك حتى أصبحت طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً، فعليك يا أخي ببر والديك ووصلهما، عليك بطاعتهما في غير معصية الله، قل لهما قولاً ليناً ولا تنهرهما كما طلب الله منك ذلك حيث قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} الآية (23) سورة الإسراء.
والبر يبدأ بالكلام والخضوع لهما والنفقة عليهما وقضاء حوائجهما وصلة أصحابهما من بعد وفاتهما، وأنا أقول هذا لما ألحظه من بعض شبابنا -هداهم الله- وأنهم لا يؤدون المطلوب منهم تجاه بر الوالدين وبخاصة هذه الأيام - وهم قلة والحمد لله- فنجد بعضهم عندما يتحدث مع والده أو والدته كأنه يتحدث مع شخص عادي لا يعيره أي اهتمام، يرفع صوته ويحرك يديه في وجههما، لا يلبي طلباتهما لا في النواحي المادية ولا المعنوية، وقد يغيب عنهما أياما وشهورا، فهذا والله من عقوق الوالدين ومن أسباب سخط الله، أين الوفاء.. أين المحبة.. أين الطاعة؟ ألا يعلم هؤلاء (أن الجنة تحت أقدام الأمهات)، فبالله عليكم ماذا نقول لهؤلاء -هداهم الله- وقد وصل ببعضهم الحد إلى أن يدخلوا أحد والديهم دور رعاية المسنين من أجل الفكاك منهم أو يدخلونهم المستشفيات ويتركونهم دون رحمة أو زيارة ومن ثم تحويلهم لدور رعاية المسنين.
أنا أقول لكم هذا لأنني -والحمد لله- قد مررت بتجربة بر الوالدين وقد ذقت طعم هذا البر وأنا في ريعان شبابي، فوالدي رباني التربية الإسلامية الصحيحة حتى كبرت وأنا أدعو له ولوالدتي كلما نظرت إلى ما أنا عليه من استقامة وصلاح وأحمد الله أنه سبحانه وتعالى رزقني الصحة والعاقبة ووسع في رزقي وأطال عمري، كل هذا بفضل الله ثم بفضل دعاء وبر الوالدين، فأنا -والحمد لله- ما زلت على هذا النهج في بر الوالدين حتى يتوفاني الله بعد عمر طويل وسوف لن يضيع هذا البر فهو دَيْن لي، وسوف يبرني أولادي إن شاء الله، وكما قيل: (بروا بآبائكم يبروا بكم أبنائكم)، لذا سوف أفدي والدي بكل ما أملك من نفسي ومالي من أجل البر بهما أطال الله في عمرهما وأنجاهما من النار وأدخلهما فسيح جناته والله المستعان.