Al Jazirah NewsPaper Thursday  26/05/2007 G Issue 12658
الرأي
السبت 9 جمادى الأول 1428   العدد  12658
المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة
جذور في التأسيس وانطلاق في العطاء
د. عبدالرحمن بن سلمان الدايل/وكيل وزارة الثقافة والإعلام (سابقا)

تثير الذكرى الفضية لتأسيس المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة العديد من المعاني التي تعتمل في النفس، وتحمل معها العديد من المشاعر التي تستدعيها هذه الذكرى، فقد انطلقت مسيرة هذه المنظمة العريقة منذ خمسة وعشرين عاماً مع مؤتمرها العام التأسيسي الذي عقد في مدينة فاس وهي العاصمة الثقافية للمملكة المغربية الشقيقة، فقد انطلقت المنظمة الإسلامية في رحابة ميادين العمل الإسلامي وخصوبة حقوله، كيف لا ؟ ومجالات عملها هي التربية بما تعني والعلوم، وما تشتمل والثقافة وما تتضمن.

إن هذه الميادين الرحبة والحقول الخصبة لعمل هذه المنظمة العريقة تمثل ميادين العمل الإنساني التي تشكل فكر البشر، وتصنع توجهاتهم وتحدد تصرفاتهم وسلوكهم في حياتهم، بل وفي ظلالها يتم صياغة مستقبل الأمم وتتحدد مصائر الشعوب وأبنائها، فكم من أمة تفوقت باهتمامها بتربية أبنائها وفاقت غيرها حين جعلت العلوم وسيلتها للتقدم والتطور والثقافة أداة لتطوير ذاتها وتكوين قوتها وحشد طاقاتها من أجل المستقبل الأفضل.

وفي هذا الإطار جاء تأسيس المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ومن هنا كانت انطلاقة عملها وصياغة طموحاتها في ميادين العمل الإسلامي المشترك.

لقد أثارت مناسبة مرور خمس وعشرين سنة على تأسيس تلك المنظمة الغالية على نفوسنا أن ميلادها والتفكير فيها يشهد للمملكة العربية السعودية قيادة وشعباً بالسبق في ميادين التضامن الإسلامي والمسارعة إلى ما فيه جمع كلمة المسلمين وتحقيق خيرهم وسعادتهم؛ فقد نبعت فكرة المنظمة من المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة بإشراف من إحدى جامعاتنا العريقة وهي جامعة الملك عبدالعزيز، وكان ذلك في شهر ربيع الثاني عام 1397هـ حيث دعا هذا المؤتمر إلى إتاحة نظام تعليمي يستمد أصوله من الكتاب والسنة ويلتزم بالمفاهيم والتطورات التعليمية.

ومنذ ذلك المؤتمر أخذت مراحل تأسيس المنظمة الإسلامية تتوالى حتى جاء المؤتمر الإسلامي العاشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في مدينة فاس جمادى الثانية 1399هـ في مايو 1979م ليكلف الأمانة العامة بمنظمة المؤتمر الإسلامي بإعداد مشروع للنظام الأساسي للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وتواصلت الجهود لتحقيق هذا الأمل وتوالت الأعمال المكثفة حتى انطلق ذلك الأمل، وصار واقعاً في دنيا العالم الإسلامي، وكانت هذه الانطلاقة أيضاً من مكة المكرمة وبالتحديد من مؤتمر القمة الإسلامي الثالث المنعقد في هذه الرحاب المقدسة في ربيع الأول 1401هـ (يناير 1981م) حيث صادق قادة العالم الإسلامي على النظام الأساسي للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة واختيار المملكة المغربية الشقيقة مقراً لها.

وهكذا نبعت الفكرة في مكة المكرمة وانطلق مولدها أيضا من رحابها الطاهرة لتصبح هذه المنطقة جامعة لإرادة الأمة الإسلامية في ميادين العمل الخصبة تؤدي عطاءها برؤية ثابتة شاملة تجعل التربية والعلوم والثقافة ميادين لجمع الشمل وتوحيد الكلمة، وتضاعف الجهود لتحقيق خير المسلمين وصالحهم وتقوية التعاون فيما بينهم وتأكيد الصلة القوية بين أبناء المسلمين في هذه الميادين الحياتية المهمة التي أصبحت ميدانا للمنافسة ومضماراً للتسابق في عالمنا المعاصر.

لقد جاءت انطلاقة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة انطلاقة حضارية واعية منذ ربع قرن من الزمان حيث أدرك قادة العالم الإسلامي - وأكدوا - أن المقومات الثقافية والتربوية لأمتنا الإسلامية تلعب دوراً مهماً في المحافظة عل استمرارية وجود هذه الأمة بما يجعلها صامدة أمام عوامل الهدم التي تحاول النيل منها ومن دينها ومن شخصيتها الحضارية الأصيلة المستمدة من الدين الحنيف وأخلاقه الكريمة الفاضلة.

وقد كانت نظرة القادة منذ انطلاقة هذه المنظمة نظرة استشرافية واعية حيث أكدوا على إبراز معالم الثقافة والتربية الإسلامية وضرورة التعريف بها والكشف عن جوانبها المضيئة المشرقة، وفتح باب التفاهم والحوار والتعاون بين رجال الثقافة الإسلامية وأجهزتها وبين الثقافات الأخرى لصالح الإنسانية ولفائدة السلام العالمي.

وهكذا وبمثل هذه المنظمة الصائبة الصادقة من قادة المسلمين انطلقت مسيرة المنظمة من مؤتمر القمة الثالث لهم في مكة المكرمة، وهذا هو عهدنا جميعاً وعهد العالم أجمع بما يصدر في مكة المكرمة، وما ينتج عنه من جمع الكلمة ولم الشمل والتخطيط لمستقبل أفضل لأمة الإسلام في مختلف أنحاء الأرض وجاءت انطلاقة المنظمة الإسلامية تحيطها قلوب المفكرين والمثقفين ورجال التربية والمهتمين بالعلوم من أبناء المسلمين، وأخذت إنجازاتها تتوالى مؤكدة أن وجودها كان ولا يزال يمثل ضرورة ملحة في سبيل نهضة هذه الأمة وتقدمها؛ فقد حققت هذه المنظمة من الإنجازات ما يفوق الحصر في مجالات عملها وفي مختلف ميادين التنمية الثقافية والعلمية والتربوية وصارت إنجازاً حضارياً للمسلمين في عالم اليوم، يشير بالدليل القاطع أن بإمكان المسلمين أن يصنعوا بتوحدهم وبإرادتهم ما يعد مستحيلا أو صعب المنال، فكم من القضايا الإسلامية تمت دراستها، وكم من المؤتمرات والندوات قد جمعت رجال الفكر والتربية والثقافة في رحاب هذه المنظمة العريقة، وكم من الاستراتيجيات والخطط التي أعدتها المنظمة وأصبحت إطاراً للعمل الإسلامي المشترك، وكم من العطاء الذي قدمته لخدمة قضايا المسلمين وفي الحوار بين الحضارات بما يكشف عن أخلاقيات السماحة والعفو والصفح والتعاون والتوسط والاعتدال وغيرها من الأخلاقيات التي حث عليها ديننا الحنيف.

لقد تم ذلك عبر مسيرة المنظمة وبخاصة بعد أن تولى مسؤوليتها ابن من أبناء هذا الوطن الكريم وأعني به معالي الأخ الفاضل الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري مدير عام هذه المنظمة الذي انطلق بها إلى مجالات أرحب من العمل المخلص البناء فجعل من المنظمة الإسلامية خلية نحل تؤتي أشهى الرحيق في ميادين التعاون الإسلامي؛ فقد واصل مسيرة سلفه معالي الأستاذ الدكتور عبدالهادي بوطالب أول مدير عام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وأضاف إليها بحسه وإخلاصه وخبرته ودأبه وحرصه المزيد من الفكر، وفتح لها وأمامها حقول العمل الخصبة فجعل قضايا التنمية الإسلامية هماً من هموم المنظمة وسخر برامج التربية والثقافة والعلوم لخدمتها. وأقام جسور التفاهم مع حضارات العالم، وكان نعم المهندس في اختيار التوقيت المناسب لمد هذه الجسور، كان نعم المخطط لتوظيف الفكر من أجل التقارب والتربية والثقافة والعلوم من أجل البناء والتنمية، فأصبحت المنظمة الإسلامية شاهدة على عطاء المواطن السعودي المخلص لدينه، المنتمي لأمته، الحريص على حسن تمثيل وطنه، ورفع شأنه في المحافل والمنظمات الدولية. ولعل من يشاهد المقر الدائم للمنظمة الإسلامية في الرباط ويدرك حجم الجهود التي بذلها معالي الدكتور عبدالعزيز التويجري منذ توليه مسؤولية هذه المنظمة سيقف على حجم الإنجازات التي حققها هذا الرجل للمنظمة، فقد جعل من مقرها الدائم الذي سهر عليه فكرة ورعاه حتى صار حقيقة جعله تحفة معمارية رائعة، ومعلماً حضارياً جميلاً وصرحاً للتضامن الإسلامي يشع برسالة المنظمة الإسلامية في الميادين الإنسانية والحضارية؛ مما نال تقدير زعماء العالم الإسلامي وقادته، فلا عجب بعد ذلك أن يقلدوه أعلى الأوسمة وأن يصفوه بأنه رمز من موز التعاون الإسلامي، وهذا شرف لمن عرف شخص الدكتور عبدالعزيز التويجري وشرف لكل من يحبه، وهو بمثابة رد الجميل لقادة هذا الوطن الذين رشحوه لهذا المنصب المرموق فأحسن فيه أداء الواجب والقيام بمسؤولياته.

وهكذا يتواصل عطاء المملكة العربية السعودية في ميادين خدمة الإسلام والمسلمين، وفي مساندة المنظمات التي تجمع كلمتهم وترعى شؤونهم، وفي هذا الإطار الإنساني النبيل تجيء هذه المكرمة السخية لخادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز -يحفظه الله- لتتوج عطاء المملكة في رعاية هذه المنظمة الإسلامية، فكان تبرعه السخي لها إسهاماً منه - أعزه الله- لمسيرة منظمة تعني بشؤون المسلمين ثقافة وعلماً وتربية بما يحقق طموحات الأمة في هذه المجالات. ويأتي هذا الدعم السخي مع بداية مرحلة جديدة للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة تنطلق خلالها إلى ميادين أخصب من العمل لتحقيق استراتيجياتها التي تستحق وقفة إزاءها سوف أجعلها بحكم معايشتي لها موضوع حديث قادم بعون الله.

حفظ الله لنا ديننا، ووفق قيادتنا، وأمدنا بعونه لخدمة أمتنا في جميع المجالات.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد