Al Jazirah NewsPaper Wednesday  30/05/2007 G Issue 12662
أصداء
الاربعاء 13 جمادى الأول 1428   العدد  12662

أُمّي..
شعر : عقل الجر

تُمثِّل الأُمّ لابنها أهم قيمة لحياته، وأهم مصدر للشعور بالأمان، ذلك الأمان الذي يبدأ بالزوال تدريجياً مع التقدّم في العمر، ولعله يبدأ بالتلاشي مع بداية المراهقة والشباب.. ذلك ما جعل عقل الجر لا يتمنّى رجوع الشباب بل تمنّى عَوْد الصِّغَر.

ذكرْتُ ولكنْ كَحُلْمٍ عَبَرْ

أموراً تقضَّتْ زمانَ الصِّغَرْ

أُثَغْثِغُ، لا مُفْصِحٌ، كِلْمَةً

فَتَحْسَبُ أُمّي كلامي دُررْ

وأَعبثُ في البَيْتِ مُسْتَبسِلاً

فأيَّ إناءٍ أصبْتُ انْكَسَرْ

أُمَرِّغُ بالوَحْلِ ثوبي الجديدَ

وأنفضُ فوقَ السريرِ القَذَرْ

وأَبكي فَيَضْجرُ بي والدي

وليسَ يُلِمُّ بأُمّي الضجرْ

فَتُلْهِبُ خَدّيَ في لَثْمِها

وتَمْسَحُ من مَدْمَعي ما انْهَمَرْ

فديتُكِ أُمّاً تُسامُ العَذابَ

النهارَ وفي الليلِ ضَنْكَ السَّهرْ

ولَمَّا يَفَعْتُ وشَقَّ الصِّبَا

كِمامي كَما انشقَّ كُمُّ الزَّهَرْ

وسِرْتُ على مَدْرَجي حائراً

كأنيَ ضَبٌّ أضاعَ الوَكرْ

أعومُ وأغرقُ في لُجّةٍ

رماني الشبابُ بها والغِرَرْ

لَقِيْتُ بأُمّي مَنارَ الهدى

وحِرْزاً حَريزاً يَقيني الخَطَرْ

تُسَدّدُ خَطْوي وتُلقي عَلَيّ

دُروسَ الحياةِ وَوَعْيَ العِبَرْ

ودارَ الزمانُ بأحداثِهِ

ومَرَّ على عِقْدِنا فانْتَثَرْ

وجَرَّدَ أُمّيَ مِنّي كَما

تُجَرِّدُ كَفُّ الخَريفِ الشَّجَرْ

ورُحْتُ أخوضُ غِمارَ الحياةِ

ودونَ الحياةِ زحامُ البَشَرْ

فأَعثرُ بالمَكْرِ والاحتيالِ

وأُمنى على عِفّتي بالضَّرَرْ

وأزرعُ صِدْقاً فأحْصُدُ كذباً

وأُسْلِفُ خيراً فأُجْزى بِشَرْ

وحَطَّم سَيْفي القِراعُ ولولا

يَراعي فقدْتُ الرّجا بالظَفَرْ

وهذا الشَّبابُ تَولّى وإنّي

أُحسُّ الكهولةَ تَقْفُو الأَثَرْ

إذا ما تمنَّى رُجُوعَ الشبابِ

أُناسٌ تَمَنَّيْتُ عَوْدَ الصِّغَرْ

***

عقل الجر: شاعر لبناني مِهْجَريّ (1886 - 1947م)، ولد في جبيل وترعرع في يحشوش، درس الطب والمحاماة ولم يكمل دراستهما، هاجر إلى البرازيل.. له ديوان شعر يحمل عنوان (العناقيد).


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد