ثمة مثل قديم تتداوله الحاضرة والبادية على حد سواء حينما يعتقدون باستحالة الأمر وصعوبته، وذلك بقولهم (جايب رأس الدريعي؟!).. والدريعي في مخيلة العامة يُوازي في الشجاعة والمنعة عنترة العبسي أو الزير سالم.. وهو لمن لا يعرفه من القراء هو الفارس والشيخ الدريعي بن شعلان أحد مشاهير وفرسان وشيوخ قبيلة الرولة العنزية.. والشعلان كما هو معروف لدى القاصي والداني قد برز منهم في التاريخ القديم والحديث رجال دهاة وساسة عظام وفرسان معدودون توارثوا المجد كابراً عن كابر.
أما بالنسبة للشيخ الدريعي مدار موضوعنا هذا، فقد استطاع يوماً ما أن يجمع كل قبائل الشمال تحت رايته، ويربط كبار شيوخ القبائل برباط عظيم على أن يكونوا يداً واحدة معه في كل الأمور، وعوناً له في خلافه مع العثمانيين.
وتمَّ التوقيع على وثيقة الاتحاد تلك في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1811م - 1226هـ، وذلك بترتيب مع أحد ضباط نابليون بونابرت لكي تعبر الحملة الفرنسية إلى الهند عبر الشرق، وذلك بعد (تحييد) تلك القبائل العربية التي كانت تخضع للحكم العثماني آنذاك، وكان ذلك الضابط الفرنسي هو ثيودور لاسكاريس ومعاونه وترجمانه فتح الله الصايغ الحلبي.
وبالطبع كتب لاسكاريس عن مهمته ورحلته تلك بالفرنسية كما كتبها بالعربية ترجمانه الحلبي، ومع أنه لم يصل إلينا ما كتبه لاسكاريس، إلا أن ما كتبه الصايغ قد ترجمه إلى الفرنسية الشاعر الرومانتيكي (لامارتين) منذ عام 1835م، وترجمه بعد 165 عاماً الدكتور يوسف شلحد مدير أبحاث المركز الفرنسي للبحث العلمي ومدير الإنثربولوجيا الثقافية في جامعة السوربون لتصدر الطبعة الأولى بالعربية منه في عام 1990م.. والكتاب يتحدث عن رحلات الصايغ وصاحبه لاسكاريس في بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية في الفترة من (1810م - 1814م)، وهو يصف حال القبائل العربية وقوتها وثروتها وحروبها وعاداتها، وبالطبع لا يخلو الأمر كما هو حال أغلب المستشرقين أن يضفي على نفسه نوعاً من البطولة الوهمية باعتبار أن (شاهده غائب) وشاهد (أبي الحصين) أي الثعلب كما يقول العامة ذيله (!!) ولأن ذلك الذيل - أي لاسكاريس - قد (انقطع) أو مات، فقد أخذ كتاب الحلبي يُتداول منذ 155 عاماً دون أن يعرف عنه أحد، لكنه حينما تُرجم إلى العربية قد شكك في صدقيته محققه أولاً - أي الدكتور (شلحد) -، ثم المستشرق فرنيل، ليرد هذا النص إلى العربية، ثم عرض هذا النص الجديد على أرباب الخبرة من العرب ليبدوا رأيهم فيه، فكتب الشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي معلِّقاً عليه ولا سيما في شكّه في وصف الإمام عبدالله بن سعود وعاصمته الدرعية قبل سقوطها، إذ قال الشيخ الحنبلي: (كذب هذا النصراني ولم يصدق في شيء).
فقبلت المجلة الآسيوية هذا الحكم الصارم، والشيخ أحمد بن حسن بن رشيد (الحنبلي) قد ألقى عليه القبض إبراهيم باشا في حملته على الدرعية سنة 1818م، وأمر بقلع أسنانه، ثم ذهب به إلى القاهرة، حيث أحسن إليه والي مصر وأسند إليه مهمة التدريس في القلعة وفي الأزهر حتى توفي عام (1814م).
***
ورغم أن الكتاب يحتشد بأسماء القبائل ونجعاتها وشيوخها إلاّ أنه رغم ادّعائه المحبة للدريعي والإخلاص له، فإنه كثيراً ما يخدع القارئ ويستخف بعقله حينما يتحدث عن (زعبراته) وهي كذلك كما يكتبها، تلك (الزعبرات) و(الطزلقات) التي لا يقبلها العقل إذ كيف ينطلي على القارئ أن الحلبي وصديقه يقتحمان عقل الدريعي الفارس والشجاع والمحنك هكذا.. كما يقول الحلبي:
(ولما رجعنا إلى البيوت وأنا أفكر كيف سأجد طريقة حتى أقول ذلك للدريعي، ومن أي باب يجب أن أدخل عليه، فافتكرت أن عندنا ألعاباً من (نار الهواء) مثل صوفة نشعلها فتطق، ومكتوب تفتحه فيطق أيضاً وقنينة ملآنة نار هواء فسفور، ومن هذه الأشياء معنا بكثرة في آلة (الزعبرة) فتعجب العربان، ومن طبعهم الغشم الطبيعي!! حتى طارت عقولهم من رؤوسهم، وأصبحوا يكرموننا، ونشعر أننا في نظرهم مثل الأولياء).. وسنكمل فيما بعد!!