Al Jazirah NewsPaper Friday  08/06/2007 G Issue 12671
أفاق اسلامية
الجمعة 22 جمادى الأول 1428   العدد  12671
عالج فيها أخطاء الترجمات بالإنجليزية.. الداعية محمود مراد وترجمة جديدة لمعاني القرآن:
ترجمات معاني القرآن الكريم بها أخطاء كثيرة في الألفاظ و المعاني

*الرياض - خاص بـ (الجزيرة):

تعدد ترجمات معاني القرآن الكريم للغات العالمية، أمر مهم لإبلاغ دين الحق للبشرية جمعاء، ولتعريف العالم أجمع بحقيقة هذا الدين، الذي فيه الخلاص، وفيه السعادة والخيرية للجميع، ومن بين فينة وأخرى تظهر ترجمة لمعاني القرآن الكريم لتصحيح مسار الترجمات الموجودة، والتي كانت في الغالب حكراً على المستشرقين، أو غير المسلمين بصفة عامة، الذين قاموا على أغلب - إن لم يكن معظم - هذه الترجمات للغات المختلفة.

وبفضل الله عز وجل ثم جهود طلبة العلم الذين من الله عليهم بإتقان اللغات الأجنبية، وفهمهم لمعاني القرآن الكريم وترجماته، واتصالهم بكبار العلماء، فقد ظهرت ترجمات كثيرة لمعاني القرآن الكريم تعالج أخطاء الترجمات السابقة، وتقدم المعنى الصحيح للآيات.

ويقوم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة بدور كبير في هذا المضمار، حيث بلغت إصدارات المجمع من ترجمات معاني القرآن الكريم (48) لغة، والتي وصلت إلى كافة أصقاع الأرض، وهناك جهود أخرى مكملة لجهود المجمع، يقوم بها من عاشوا في الغرب، ودرسوا ترجمات معاني القرآن الكريم، وحاولوا علاج القصور التي شابت هذه الترجمات.. ومن هؤلاء الداعية محمود رضا مراد رئيس جمعية القرآن والسنة في أمريكا الشمالية (سابقاً)، والذي عاش سنوات في الغرب، ودرس اللغة الإنجليزية، وتمكن منها، ودرس كافة ترجمات معاني القرآن الكريم بهذه اللغة، بل وجمع خمس وعشرين ترجمة، ودرسها دراسة وافية, واكتشف الأخطاء في كل ترجمة، وأخذ في إعداد ترجمة جديدة لمعاني القرآن الكريم بعنوان: (آي القرآن)، استفاد فيها من توجيهات كبار العلماء والمشايخ وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله -، والشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -، وقد أوشك الشيخ مراد من الانتهاء من ترجمته التي سيكون فيها بإذن الله الجديد.

والشيخ محمود مراد قدم من قبل (مكتبة المسلم الصغير) باللغة الإنجليزية، وهي تكون من عشرة كتب، تتناول تفسير سورة الفاتحة، وأركان الإسلام، ودليل المرأة المسلمة في العقيدة والفقه، وأدلة علو الله في القرآن والسنة، وأحكام الجنائز.

والشيخ مراد درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، وتخصص في دراسة الشعر والنثر الروائي والقصصي، وسافر للغرب للدراسة، وأقام في غرب كندا، والتحم مع الجالية الإسلامية، ولمس الحاجة إلى مادة علمية شرعية موثقة عن قضايا الدين، فأصدر دورية باسم (الدين النصيحة)، وغيرها من المطويات والنشرات التي تعرف بصحيح الدين، ثم صار رئيساً لجمعية القرآن والسنة في كندا، وعاد للإقامة في المملكة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وعمل داعية متعاون مع عدد من المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات.

وحول الترجمة الجديدة التي بصدد إصدارها عن معاني القرآن الكريم، والترجمات الموجودة، كان لنا هذا اللقاء مع الداعية محمود مراد.. وفيما يلي نصه:

* تعكفون الآن على ترجمة لمعاني آي القرآن، وكما تعلمون توجد ترجمات عديدة، فما الذي يحملك على بذل الجهد الكبير من أجل ترجمة أخرى؟

- لاشك أن الأمر كما ذكرتم، ومازالت المطابع تزود دور الكتب بمزيد من هذه الترجمات، لكن هناك أمر لابد من بيانه، وهو أن معظم هذه الترجمات، قديمها وحديثها يجمع بينها عامل مشترك، ألا وهو اعتماد المعنى اللغوي للفظة القرآنية، وهذه المشكلة لا يستطيع الداعية، أو حتى الناشر، أو فاعل الخير أن يتبين نتائجها السلبية إلا إذا كان متقنا اللغة المترجم اليها، فمن هؤلاء من يتكلم الإنجليزية، ومنهم من لا يعرفها، لأن اكتشاف الأخطاء في الترجمة لا يتم إلا بقراءتها قراءة تمحيصية من قبل من هو متمكن باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب طول باعه في علوم القرآن، فعلى الرغم من وجود هذه الشريحة إلا أني لم أقرا لهؤلاء إلا كتباً تعد على الأصابع تتكلم عن الترجمة كفن، أو علم، ولم أجد سوى كتاب واحد تكلم مؤلفه فضيلة الشيخ عبده بوريما النيجيري عن بعض جوانب هذه المشكلة، وهو (دور الترجمة الدينية في الدعوة إلى الله تعالى)، فعلى الرغم من صغر حجمه، إلا أنه من أمتع ما قرأت.

* هل وجدتم إلى جانب الترجمة الحرفية أخطاء جوهرية في الترجمات المتوفرة حالياً بحيث تدعو إلى إنتاج ترجمة جديدة؟ ثم ما الضير في ترجمة المعنى اللغوي للفظة القرآنية؟

- يوجد الآن في المكتبات ترجمات عديدة، وعندي ملف الكتروني يحتوي على ما يزيد على خمس وعشرين ترجمة: منهم المعروف وجلهم من المغمورين، ولا أقول هنا إني قرأتها كلها، إذ بحسبي قراءة صفحة واحدة لتقييم الترجمة برمتها، ولذلك حين أتكلم عن وجود أخطاء إنما أقصد الترجمات المتداولة مثل ترجمة مرمادوك بكتل، وترجمة عبدالله يوسف علي، والترجمة المنقحة لها التي أصدرها المجمع، وترجمة دار السلام التي هي في الأصل ترجمة الدكتور تقي الدين الهلالي، يرحمه الله، والذي أعانه فيها محسن خان، وترجمة المنتدى الإسلامي، ففي هذه الترجمات أخطاء تتراوح بين الترجمة الحرفية، وضعف الصياغة، والمصطلحات الإنجيلية، كاستخدام كلمة (خادم) بدلاً من (عبد) وغيره من الأخطاء.

أما فيما يتعلق بالترجمة الحرفية، فإنها ممنوعة، فقد نقل الشيخ عبده النيجيري قول الشيخ محمد العثيمين، يرحمه الله: (الترجمة الحرفية للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم، وذلك لأنه يشترط هذا النوع من الترجمة وجود مفردات، وأدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مكافئة لتلك في اللغة العربية، وعليه فإن الترجمة الحرفية تشوه معنى ومبنى النص القرآني).

ولقد تكلمت بإسهاب في كتاب (أخطاء شائعة) عن سلبيات الترجمة الحرفية، وأعطيت أمثلة عليها.

* ما الذي يدفع الترجمان إلى اللجوء إلى الترجمة الحرفية؟ وهل هناك فرق بين الترجمة الحرفية، والترجمة اللغوية؟

- الذي يبدو أن الرهبة، أو الخوف من تقديم أو تأخير كلمة أو كلمات من النص القرآني حين الترجمة هو أحد أسباب الترجمة الحرفية، ظنا من الترجمان أن للنص المترجم نفس الهيبة التي يتمتع بها النص القرآني، وهذا غير صحيح، ذلك بأن الترجمة إن هي إلا تفسير للآية القرآنية بلغة تختلف عن لغة القرآن: وليست هي القرآن نفسه، وكذلك ضعف لغة الترجمان من هذه الأسباب، وعدم رجوعه إلى كتب التفاسير المعتبرة: فتخرج من بين يديه ترجمة بلا مرجعية.

أما الترجمة اللغوية فلربما كانت تبعاتها أشد خطراً من تبعات الترجمة الحرفية، فقد ذكر أهل العلم: فكما هو معلوم في أصول الفقه (أن الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: لغوية وشرعية وعرفية، فالحقيقة اللغوية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة، والحقيقة الشرعية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع، والحقيقة العرفية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف. (مثال ذلك الصلاة فحقيقتها اللغوية الدعاء، وهو ما تحمل عليه عند اللغويين، وأما حقيقتها الشرعية فهي تفاصيلها من قراءة وأدعية وحركات تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، وكذلك الزكاة، فحقيقتها اللغوية هي النماء والربع والزيادة، أو الصلاح، وفي الاصطلاح يطلق على أداء حق يجب في أموال مخصوصة، على وجه مخصوص، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب، ومثال الحقيقة العرفية الدابة، وهي ذات الأربع من الحيوان).

وبموجب قواعد التفسير التي تنص على أنه إذا تعارض المعنى الشرعي مع المعنى اللغوي للفظة أو لاصطلاح ما وجب تقديم المعنى الشرعي على اللغوي، وإلا لما أصاب الترجمان قصد الشارع.

أما ما الذي يدفع الترجمان إلى اختيار المعنى اللغوي للفظة منها عدم معرفته بمعناها الشرعي، لأن حصوله على المعنى الشرعي يتطلب البحث في المراجع ذات الصلة، وأما الحصول على المعنى اللغوي فهو أسهل بكثير من ذاك، إذ يكفي أن يقتني الترجمان قاموساً مدرسياً كالمورد واشباهه يرجع اليه إذا استوقفته كلمة ما، فعلى سبيل المثال: (الظاهر) هو أحد أسماء الله الحسنى: فإن لم يعرف الترجمان المعنى الشرعي لهذا الاسم، وهو ظهور العلو، والغلبة، وظهور القوة، فيلجأ إلى القاموس الذي يعطي هذا الاسم معنى البادي للعيان، وفي الترجمة اللغوية ومثيلاتها تشويه للعقيدة.

* هل الأخطاء في الترجمات تمنح أعداء الإسلام فرصاً كثيرة للطعن فيه لاعتقاد كثير منهم أن ترجمات معاني القرآن هي قرآن بعينه كما هو الحال بالنسبة لترجمات أناجيلهم؟

- إن المتصفح لمواقع الإنترنت يرى هذه الحقيقة ماثلة أمامه، وتحضرني هنا رسالة كتبتها ممرضة كندية زعمت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ رشوة - عياذا بالله - مشيرة في ذلك إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، وكذلك ترجمة قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، فمنهم من ترجمها (هن ثياب لكم وأنتم ثياب لهن)، ومنهم من ترجمها (هن سراويل لكم وأنتم سراويل لهن)، وغير ذلك مما يثير الضحك والأسف معاً.

* ربما يكون في تصحيح الأخطاء في الترجمات الحالية أسهل وأسرع من إنجاز ترجمة جديدة، فما الداعي لإضافة ترجمة أخرى الى قائمة الترجمات المتوفرة حالياً؟

- إن تصحيح الأخطاء في الترجمات المتداولة بين أيدي المسلمين وغيرهم هو من مثيل السهل الممتنع، فهي نقية سهلة نظرياً ولكنها ممتنعة عملياً، اللهم إلا إذا تجاوب الناشر، وأعاد طباعة الترجمة بعد تنقيحها، أذكر أني اتصلت بالمسؤول عن إحدى الترجمات وأخبرته عن الأخطاء الموجودة في مطبوعتهم، فاستنكر قولي ونفى وجود أكثر من أربع أو خمس أخطاء، ومن هنا يتبين وجود مشكلتين رئيستين: صعوبة الوصول إلى كل من حصل على ترجمة من هذه الترجمات، ثم موقف القائمين نشر هذه الترجمات إزاء إصدار ترجمة منقحة.

* ما الذي يميز ترجمتك لمعاني القرآن عما سواها؟ ومتى تنتهون منها؟

- إن أية ترجمة جديدة لمعاني القرآن لا بد أن تكون خالية من الأخطاء في سابقاتها، ولقد أخذت هذه البدهية بعين الاعتبار، أما بالنسبة لاعتماد المراجع الموثوقة، فقد اعتمدت على التفاسير الموثوقة كتفسر الطبري وابن كثير وغيرهم من قرابة سبعين تفسير عندي في ملف الكتروني، دعني الآن أعطي فكرة عن طريقتي في ترجمة الآية القرآنية: أقرأ تأويلها من المراجع التي ذكرتها، فإن اجتمع المفسرون على تأويل واحد لها اعتمدته وإلا أعتمد واحدا اختاره الطبري أو ابن كثير فأضع الأول في النص وأضع الآخر في الحاشية، فإن أشكل علي لفظ أستعن بلسان العرب، وبكلمات أخرى أستعين بالمراجع اللغوية وشروحات الحديث إن وجدت ما يدعو لذلك، ثم أنتقل بعد ذلك إلى الترجمة فأقوم بصياغة النص الإنجليزي معتمداً على المعاجم التخصصية، في علوم الطب، والساسة والاجتماع، ومعجم علم الجرائم، وعلم النفس، إلى جانب معاجم قواعد اللغة واستعمالاتها، فإذا انتهيت من صياغة السورة أراجعها للتأكد من خلوها من أخطاء، ثم أرسلها بالبريد الإلكتروني إلى مركز متخصص في التحرير في بريطانيا، وآخر في أستراليا، وبعد أن يعاد النص إلي أقوم بمراجعته مرة أخرى من أجل اعتماده في شكله النهائي، أما أين وصلت في ترجمة معاني آي القرآن، فلقد قطعت بعون الله شوطا بعيدا، والحمد لله بدأت أول ما بدأت في ترجمة واختصار تفسير ابن كثير منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، كنت أثناء إقامتي في كندا أتابع الاتصال مع الشيخين عبدالعزيز بن باز، وناصر الدين الألباني، رحمهما الله رحمة وسعة، فكنت أتصل بالإمام الألباني مرة أو مرتين في الأسبوع للاستعلام عن مسائل تخريج الحديث وغيرها.

* هذا فيما يتعلق بالصياغة، فهل اتبعت منهجاً يختلف عن مناهج من سبقك في ترجمة معاني القرآن؟

- لقد قررت منذ البداية تسمية هذه الترجمة (معاني آي القرآن)، وذلك باتباع منهج الترجمة التفسيرية للآية القرآنية، لأن المستهدف من هذه الترجمة هو عامة المسلمين الأعاجم، وكمثال توضيحي هنا الآية 165 من سورة آل عمران: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا}، الآية فتجد أن هذه الآية قد ترجمت ترجمة حرفية لا يدري القارئ الأعجمي: بل ولا العربي، إلا أن يكون قد قرأ معناها في تفسير، ما المقصود بالمصيبة ولا بالمصيبتين، وذلك لالتزام الترجمان بنص الآية الحرفي، أما عندي، فأقول في الترجمة: (أولما أصباتكم مصيبة في معركة أحد قد أصبتم مثليها في معركة بدر)، وفي الحاشية أذكر ما يلي: (إن المشركين قتلوا سبعين من المسلمين في معركة أحد، وكان المسلمون قد قتلوا سبعين من المشركين وأسروا سبعين آخرين في معركة بدر التي سبقتها)، وبهذا يتضح معنى الآية في ذهن القارئ مسلماً كان أم غير ذلك.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد