Al Jazirah NewsPaper Saturday  09/06/2007 G Issue 12672
مقـالات
السبت 23 جمادى الأول 1428   العدد  12672
السعودية والسعوديون واستعدادهم للحروب النووية القادمة
الأستاذ الدكتور عبدالملك بن عبدالله الخيال

إنّ كلّ ما يدور حولنا من أحداث مرعبة وكوارث تعم العالم، الإرهاب الدولي، الحروب في كلِّ مكان حتى أنّه لا تكاد تخلو منها منطقة، الكوارث الاقتصادية والطبيعية ومنها العلمية التي كان آخرها انفجار ....

المفاعل النووي في تشيرنوبل بالقرب من كيف في أوكرانيا، مما أرعب أوروبا والعالم أجمع إنّه واقع لا يستطيع أحد إنكاره والذي يحاول يشبه رجلاً ينكر وجود الشمس التي تشرق كلَّ يوم. ومما دعاني لكتابة هذا المقال تذكُّري للقرار رقم 15-6-س بشأن تدعيم أمن الدول غير النووية الذي اتخذ في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في دورته العادية في جدة، في المملكة العربية السعودية، في الفترة من 3 إلى 6 رجب 1395هـ. الموافق من 12 إلى 15 يوليو 1975م. والذي يرى أنّ خطر الانتشار النووي سيستمر في الزيادة ما لم يضمن أمن الدول غير النووية ضد أيّ هجوم نووي أو التهديد به. والذي ناشد الدول النووية أن تلتزم بعد استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضد الدول غير النووية. ومنذ اتخاذ هذا القرار، لم يحدث أي تقدم في هذا الاتجاه.

وفي ظروف المتغيّرات الدولية التي يشاهدها العالم، ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، وبعد أن مهّد الإعلام الغربي بأن أصبحت بعض الدول مصدراً للخطر والقلق على مصالح الغرب، خاصة بعد الهجمات الإرهابية على نيويورك، تغيّرت قواعد اللعبة ومعها تغيّرت التحالفات.

وقد يواجه العالم اندلاعاً كبيراً للحرب في الشرق الأدنى مستقبلاً، وستتميّز هذه الحرب بخاصية مدمّرة جديدة قد تتمثّل بالاستخدام المحتمل للأسلحة النووية من قِبل إسرائيل أو غيرها ضد أهداف إقليمية، وقد تكون من ضمنها مستقبلاً أهداف داخل الأراضي العربية. وتقوم إسرائيل حالياً بنشر غواصات تحمل صواريخ من نوع (هاربوون) مزوّدة برؤوس نووية قادرة على ضرب أهداف إقليمية.

وفي الوقت الراهن توجد منشآت نووية إيرانية قد تضربها إسرائيل إنْ لم تضربها الولايات المتحدة. وتذكّروا كيف أنّ إسرائيل استعملت في حربها الأخيرة في لبنان عبارات وأكاذيب يستخدمها الأمريكان في حربهم الأوسع على ما يسموه الإرهاب الذي خلقته أمريكا خاصة أنّنا لم نسمع به من قبل حكم بوش الابن واليمين المتطرِّف لأمريكا. ولبنان في الوقت الحاضر أصبح يوصف من الإعلام الغربي بأنّه المأوى الدائم للإرهابيين في الشرق الأوسط إضافة إلى غزة، وربما الضفة الغربية أيضاً وسوريا والسودان والصومال وبطبيعة الحال ليبيا والعراق وإيران وأفغانستان. ومن يدري على مَن يأتي الدور مستقبلاً من الدول العربية والإسلامية الأخرى.

بعد هذه المقدمة أتساءل هل ستعتبر بلادنا في المستقبل من قِبل بعض الدول النووية أنّنا دولة ينبع منها الإرهاب بحكم قيمنا الإسلامية ويطالب بتدميرنا كما ينادي به بعض المتطرِّفين في أمريكا؟.

وإذا نظرنا إلى إيران التي يضيق بها الوقت يوماً بعد يوم بسبب برنامجها النووي ومحاولاتها المحمومة من أجل التوصل إلى إنتاج الأسلحة النووية، كي تصبح عضواً في رابطة الدول النووية ولتصبح قوة إقليمية معترف بها على المستوى العالمي ويحسب لها دور في المتغيرات الإقليمية، فإنّها تسابق الزمن لتحقيق هدفها الإستراتيجي وإنْ كان على حساب أقرب الأصدقاء في المنطقة.

وتذكّروا ما قاله خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال لقاء القمة الذي جمعه مع أحمدي نجاد في الرياض (لا تلعب بالنار ولا تظن أن التهديد (بتوجيه ضربة أمريكية لإيران) لا قيمة له، فكر، إن الأمر يتعلق بتهديد حقيقي وربما حتى واقعي). كما قال - حفظه الله - أيضاً لأحمدي نجاد (إنكم تتدخلون في الشؤون العربية في إشارة واضحة إلى الدور الإيراني المزعوم في أعمال العنف الطائفية في العراق.

وتخوُّف الولايات المتحدة وإسرائيل وبقية الدول الغربية من البرنامج النووي الإيراني لا يرجع إلى الخوف من صنع قنبلة نووية تقليدية، بل القلق من الرؤوس النووية التي يمكن تركيبها على صواريخ بعيدة المدى والتي لدى إيران أعداد كبيرة منها والتي قد تستخدم مستقبلاً ضد دول تعتبرها إيران حليفة لأمريكا والغرب مثل دول الخليج.

وأتساءل متى سيطرح الملف النووي الإسرائيلي على جامعة الدول العربية وعلى مؤتمر قادة الدول الإسلامية لتلعب الدبلوماسية العربية والإسلامية دورها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويجب أن يكون الموقف العربي واضحاً وهو جعل منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل، ومطالبة مجلس الأمن لإخضاع برنامج إسرائيل النووي للإشراف الدولي وإزالة جميع الأسلحة النووية الموجودة في إسرائيل. ويعتقد الكثيرون أنّ تزايد الدول التي تريد امتلاك الأسلحة النووية وتشجيع بعض الدول لهم أتت لغض النظر عن البرنامج الإسرائيلي الذي هو السبب في الانتشار الذي حصل لامتلاك هذه الأسلحة المدمرة، ومعالجة الموضوع يجب أن ينطلق من أساس أن تعامل إسرائيل كما تعامل كل الدول الأخرى ولا يسمح لها أن تكون استثناء خاصة أمام الشرعية الدولية). وإذا لم تلتزم إسرائيل بذلك، فللدول العربية الحق في امتلاك القدرة النووية مثل إسرائيل. لذلك إذا أرادت الدول العربية امتلاك القدرة النووية فيجب أن يتم ذلك بكل سرية تامة.

وتذكّروا ما قاله الجنرال ديغول ان أي دولة لا تستطيع امتلاك قنبلة نووية لا تصبح مستقلة.

كما تذكروا أنّ سويسرا البلد المحايد لديها جيش من أقوى الجيوش في أوروبا ولم تقل إننا محايدون لا نحتاج إلى جيش، وتمتلك إمكانية صنع قنبلة نووية في خلال (48) ساعة لو أرادت هذا، هذا إذا لم يكن لديها فعلاً وتتكتم عليها. وتحترم سويسرا مواطنيها وتحميهم وتسن القوانين الصارمة التي يحترمها الشعب السويسري في كل المجالات، فمثلاً هناك قانون يلزم كل صاحب عمارة بإنشاء ملاجئ بمواصفات خاصة لكل شقة تسمى (cave) في الدور السفلي من العمارة يلجأ إليها سكان كل شقة في حال اندلاع حرب نووية. وكذلك أنشأت الحكومة مستشفيات لا تستعمل إلاّ في حالة اندلاع الحروب في داخل الجبال السويسرية بكامل أطقمها الطبية ولم تقل إنّ المستشفيات العامة كافية، لأنّها تعرف أنّه في حالة الحرب النووية، المستشفيات العامة قد تدمّر. بجانب أنّها أنشأت الملاجئ النووية في جميع أرجاء سويسرا. وفي الشرق الأوسط نجد أنّه بينما كان قادة العالم يبحثون موضوع فرض عقوبات على إيران بغرض إرغامها على التخلِّي عن برنامجها النووي، نجد أن إسرائيل هي البلد الوحيد التي أخذت الموضوع على محمل الجد حيث عجل الكنيست من بناء ملجئه النووي، المقام تحت تلال مغطاة بالصنوبر في القدس، وسيستخدم الملجأ كموقع قيادة في حال نشوب حرب. كما صادقت في الآونة الأخيرة على إنشاء ملجأ عام تحت محطة القطارات الجديدة في القدس يستوعب الآلاف من المدنيين، ومن المتوقع أن يستكمل بناؤه في عام 2011م. كما قامت مئات العائلات الإسرائيلية بإنشاء ملاجئ مزودة بالتجهيزات الملائمة في منازلها للحماية من آثار الإشعاع النووي الذي قد ينتج عن هجوم محتمل وآلاف المنازل الخاصة قد زوِّدت بأجهزة الحماية من التسرُّب الإشعاعي النووي، بدءاً من الأقنعة الواقية إلى الأنظمة التي تمنع تلوُّث المياه بالأشعة النووية، إنّهم شعب مثقف وواعٍ ولا يلعب، ولا يستهين بالأمور، بل يأخذها على محمل الجد ويفكرون في المستقبل وما قد يحدث.

ويقال إنّ الوقاية خير من العلاج وقبل أن لا تطيح الفأس في الرأس، يجب أن يكون لدينا ثقافة شعبية نووية، فمثلاً نحتاج إلى توعية إعلامية واسعة تدوم لعدّة شهور عن طريق التلفاز والراديو والجرائد والمجلات.

كما نتمنى ونطمع من المسئولين في حكومتنا الرشيدة بأن يفكروا جدِّياً في ما قد يحدث مستقبلاً لا قدّر الله لو تعرّضت المملكة العربية السعودية لهجوم نووي من حاكم مجنون لإحدى الدول وتذكّروا أنّ صديق اليوم قد يكون عدوّاً في المستقبل والعبر كثيرة في التاريخ الحديث والقديم. ولا تنسوا أنّ هناك الكثيرين من المتعصبين اليهود والمسيحيين والبوذيين والهندوس وغيرهم في العالم يكرهون الإسلام والمسلمين ويسعون لإبادتهم. أنسيتم ذلك المعتوه الذي دخل المسجد الأقصى وذبح مئات من المصلين؟.

وأساليب الوقاية من شر الحروب تختلف أنواعها أحدها إنشاء الملاجئ الواقية من آثار الإشعاع النووي. لذلك أتمنى أن تفكر حكومتنا الرشيدة في إنشاء وتجهيز ملاجئ نووية بمواصفات خاصة تحت الأرض في كل حي من الأحياء في المدن الرئيسية في المملكة العربية السعودية، تشيّد إمّا تحت الحدائق الموجودة في الأحياء السكنية، وتغطى بالتراب وتزرع من جديد لتبدو من الخارج وكأنّها حديقة عادية. أمّا الأحياء التي ليس بها حدائق فتستحدث في مواقف السيارات أمام المساجد أو تحت أحواش المدارس في الأحياء أو تحت قطار الأنفاق المزمع تنفيذه في مدينة الرياض ومستقبلاً في المدن الكبيرة الأخرى. كما توضع قوانين صارمة تلزم كل صاحب مشروع سكني مستقبلي بأن يبني ملجأ نووياً صغيراً تضع مواصفاته الدولة ويوزع على المكاتب الهندسية لإدراجه في المخططات المعمارية المستقبلية في كل فلة جديدة وملاجئ نووية بعدد شقق كل عمارة جديدة. كما يمكن لكل صاحب منزل أن يشيد ملجأ في حديقة منزله، ويمكن الرجوع لموقع Domestic Nuculear Shelters على الإنترنت لمعرفة نوعية الملاجئ التي يمكن عملها في حدائق المنازل. وتذكّروا أنّنا والحمد لله نفّذنا مشروع الخزن الاستراتيجي لتفادي الأزمات الطارئة المستقبلية في المملكة من قبل.

إنّ تكاليف إنشاء مثل تلك الملاجئ العامة لحماية المواطنين لا يعتبر شيئاً أمام قيمتها الحقيقية في حالة احتياجنا لاستعمالها مستقبلاً لا قدّر الله في حماية أبناء هذا الوطن المعطاء وسيقدر العالم أجمع خير تقدير في هذه الحالة لحكومتنا الرشيدة هذا المشروع الجليل الذي يخدم ويساعد في حماية شعب هذه البلاد.

ولتجنُّب بعض شرور المستقبل لا قدّر الله، علينا أن لا نعادي أيّة دولة في الجوار ونسعى دائماً على إطفاء نار الفتن في دول الجوار والعالم الإسلامي كما فعل خادم الحرمين مع الأشقاء في فلسطين وغيرها، والبحث الدائم عن الوسائل الكفيلة بتخفيف التوتر بين الشيعة والسنّة في المنطقة بعقد حوارات دورية لا تتوقف، وأكرر لا تتوقف، بين المعتدلين من الطائفتين لتقريب وجهات النظر في كل بلد عربي وإسلامي. ومحاولة حل جميع الخلافات القائمة ودياً بدون التدخُّل الأجنبي. يجب أن يفكر المسئولون في المنطقة في تجنُّب الحروب ومنع تدخُّل الدول الاستعمارية في المنطقة .. لا نريد أفغانستان ثانية أو عراقاً آخر. خذوا العبرة من التاريخ الحديث، وما حدث في العالم الإسلامي من احتلال أفغانستان والعراق والتدخُّل في الصومال خير دليل، والعقوبات المفروضة على ليبيا والسودان وتهديد سوريا خير مثال.

إنّنا والحمد لله في بلد آمن بفضل الله وبفضل السياسة الحكيمة للقيادة الرشيدة ونتمنى أن نتجنّب بعض شرور المستقبل فهل تتحقق أمانينا؟.

أرجو من كلِّ قارئ يقدِّر ما طرحت أن يخبر الآخرين عن الموضوع وأهميته حتى يزداد الوعي والثقافة النووية .. وختاماً، نسأل الله عزّ وجل أن يلطف بنا في قضائه وقدره.

والله من وراء القصد.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد