أغمض عينيه عن عالمه الرحب الذي أحبه، حين توقف قلبه الكبير عن نبضه، بعد أن أعياه المرض، وهزمته سنو العمر الطويلة، ليغيب صاحبنا وحبيبنا عن مسرح الحياة - مأسوفاً عليه - بعد أكثر من ثمانين عاماً من التميز الذي كان عليه ثقافياً وإدارياً وسياسياً، وبعد مشوار طويل من العطاء والإنجازات التي ستبقيه خالداً في ذواكرنا.
وكل من عرف الرجل الكبير، أو اقترب منه، أو رافقه، أو عمل بالقرب منه، يدرك أنه كان أمام شخصية مبهرة وغير عادية في ذكائها وحكمتها ورجولتها وشجاعتها وصراحتها، بما لا تجد مثل هذه الصفات إلا لدى الأفذاذ من الرجال، وقد كان واحداً منهم، بما قدَّمه للوطن والمواطن من بذل وجهد وإخلاص.
***
لقد فقدنا معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، ففقدنا بوفاته نموذجاً نادراً من الرجال الأكفاء الذين أحبوا وطنهم، فأعطوه أعمارهم، وصحتهم، ووقتهم في سبيل وحدة الوطن الغالي، ومن أجل كل ما يعزز استقراره، وينهض به إلى أعلى المستويات، متناغماً مع الحرص على بذل كل جهد يساعد على تحقيق الرفاه والخير لكل المواطنين.
فهذا الفارس الكبير لم يحصر عمله، ولم يوظف كل إمكاناته، ولم يبذل جميع ما يتفرد به من قدرات للحرس الوطني الذي عمل به إلى جانب خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أطول سنوات خدمته فقط، وإنما امتد نشاطه داخلياً وخارجياً لكل ما رأى أنه يستجيب لآمال هذا الشعب، ويتناغم مع ثقة ولاة الأمر، ويرضي ضميره.
***
إن من يؤرخ لمسيرة المملكة، لن يستثني مثل هذا الرجل من توثيق لدور أدَّاه، ومسؤوليات قام بها، ومن إخلاص تميَّز به، ومن حياة كانت حافلة بالعطاء، فقد ارتبط اسمه وعمله بداية بالمؤسس الملك عبد العزيز، وامتد وتواصل مع باقي الملوك، ومع عدد من أبرز أصحاب السمو الملكي الأمراء.
وما يميِّز تاريخ المملكة أنه تاريخ نظيف وناصع يعتز بكل ابناء الوطن ، فيعطيهم حقهم وينصفهم، ويرى فيهم سواعد قوية أسهمت في مشوار البناء، وتأسيس الوحدة، والتوسع بالمؤسسات الحضارية والثقافية والاقتصادية التي أذابت الكثير من صور التشرذم والتخلف والاختلافات بين الأسر والقبائل على امتداد الوطن.
***
وأنا لا أتحدث عن عبد العزيز التويجري بعاطفة - وهو يستحقها - ولا أكتب عنه - وأنا أبكيه - اعتماداً على قراءات له وعنه، وإنما أكتب عن الراحل الكبير عن معرفة لصيقة عمرها أكثر من أربعين عاماً، جمعتني به في مناسبات عدة داخل المملكة وخارجها، فرأيت فيه من الشهامة، والكرم، وحب الناس، والتودد لهم، دون أن يكون له بهم حاجة أو مصلحة، ما يجب أن يكتب بتوسع عنها، وعن صفاته الأخرى الكثيرة والجميلة التي كان يتميز بها.
ولا بد أن غيري - وهم كثر - كانوا أقرب إليه وأكثر التصاقاً به مني، وبالتالي فلديهم ما ينبغي أن يبوحوا به عنه، ويسلطوا الضوء عليه، وأن يقولوا ما يستحق أن يكتب عن رجل كان ذا تأثير وصاحب موقف ومشورة وثقة في كثير من القضايا والمواضيع المهمة التي أسندت إليه على مستوى الوطن بكل مناطقه ومحافظاته ومدنه ومراكزه وقراه.
***
ولا أحسبني في هذه السطور، قد أوفيت الرجل حقه، أو قلت عنه ما كان ينبغي أن يقال في رجل حمل مسؤوليات كبيرة، فأجاد وأخلص، فكسب حب مواطنيه، وثقة ولاة الأمر، بما جعله يمضي كل هذه السنوات على رأس العمل، بقوة وعزيمة، لم يهزمهما اعتلال الصحة، أو تقدم العمر، أو الملل المعتاد من الوظيفة.
لكن لعل ما ستقرؤونه في (الجزيرة) وغيرها عن الشيخ الجليل من كلمات، ومن تغطيات أخرى، تنصف ولو شيئاً من تاريخه، فتسجل ومضاته المشرقة، بحيادية وأمانة ونزاهة وصدق، مثلما اعتدنا أن نقرأه لأصحاب هذه الأقلام، على أننا لا نملك في موقف حزين فقدنا فيه أباً وأخاً وصديقاً، إلا أن ندعو له بالرحمة والغفران، ولأسرته وأبنائه وبناته وأصدقائه الصبر والسلوان، في تحمل هذا الخطب الجلل بوفاة معالي الشيخ عبد العزيز العبد المحسن التويجري.