عندما يكون الحديث عن الجيولوجيا وعن الصخور والطبقات، تبرز المملكة العربية السعودية فارضة نفسها في قلب هذا المجال، لأنّها تمثِّل نموذجاً مثالياً واضحاً وجميلاً لما يهتم به هذا العلم، وذلك لما تحتضنه هذه الأرض الطيبة من حيث تنوُّع الصخور وتتابع الطبقات وتواجد منكشفات فريدة من نوعها قد لا توجد في أي مكان في العالم.
كما تتميّز المملكة باحتوائها على أحواض ترسيبية كبيرة تمتد في أكثر من جزء منها في شرقها وشمالها الغربي وجنوبها الغربي، هذه الأحواض كانت وبفضل من الله، مكامن لثروات طبيعية من مياه ونفط وغاز، ويتكون الجزء الغربي من المملكة من صخور نارية ومتحولة تعرف جيولوجياً بالدرع العربي تتركز فيها معادن وخامات اقتصادية، وباختصار فإنّ المملكة العربية السعودية تمثِّل كتاباً مفتوحاً يضم بين جنباته الكثير، أو كبحر واسع .. وفي هذا البحر الكبير أبحرت سفينة قسم الجيولوجيا التابع لكلية العلوم في جامعة الملك سعود بقيادة الدكتور عبد العزيز بن لعبون أستاذ مقرر جيولوجية المملكة الذي أبى إلاّ أن تتصل الدراسة النظرية مع الدراسة التطبيقية، في هذه الرحلة التي تمّت بمرافقة (الجزيرة):
حيث انطلقت القافلة الاستكشافية في صباح يوم الأربعاء الموافق 8 ربيع الآخر 1428هـ من الرياض متجهة إلى القصيم، وفي الطريق كانت لنا وقفات متفرقة لاستكشاف صخور العصر الجوراسي ممثلة في متكونات عرب وجبيلة وحنيفة وطويق وضرما وصخور العصر الكريتاسي في متكونات العرمة والوسيع، وقبل أن نصل إلى غايتنا المنشودة استوقفتنا صخور العصر الترياسي في متكونات المنجور والجلة وسدير، ولا ننسى حقب الحياة القديمة الممثل بمتكون الخف.
قاع العصودة
بعد أن وصلت القافلة إلى مشارف مدينة بريدة، سلكنا طريق القصيم - حائل الجديد متجهين نحو جبال العصودة في الطريق إلى مخرم والطراق عبر طرق ترابية حتى وصلنا إلى منكشفات صخور تبيّن التماس بين أحجار رمل متكون ساق حيث تنتشر أحافير الأثر وما يعلوه من طفال عضو الحنادر الغنية بالأحافير وخاصة الخيطيات (الجرابتوليت) الدالة على أن عمره الجيولوجي هو الأوردوفيشي المبكر (حوالي مليون سنة)، هذه الطفال تمثل العضو الأسفل لمتكون القصيم، وفي هذا الجال، حيث تظهر الصخور المذكورة تقطع أحجار رمل متكون صارة الجليدية طفال الحنادر وأحجار رمل ساق، في علاقة لا توافق واضحة تبيّن مدى تأثر التتابع الطباقي بآثار الفترة الجليدية التي حصلت في أواخر العصر الأوردوفيشي، وتتكون الصخور التي تعلو القاع من أحجار رمل ترسبت في بيئات شاطئية وبحرية ضحلة وفي أماكن متفرقة توجد في أحجار الرمل هذه مستعمرات من حفر الديدان المعروفة بالتجليتس.
قاع الرعن
للتعرّف على بقية التتابع الطبقي، اتجهنا إلى بلدة القوارة ومنها إلى قاع الرعن الذي هو عبارة عن منخفض واسع تتكشف على جانبه الشرقي طفال الرعن التي يعلوها وبلا توافق أحجار رمل ومدملكات من الصخور الجليدية لمتكوني زرقاء وصارة. المدملكات عبارة عن صخور مختلفة الأنواع رسوبية ونارية ومختلفة الأحجام الناعمة والكبيرة جداً والتي تكونت نتيجة لجرفها بكتل الجليد تعرف جيولوجياً بالصخور الحريثية، كما تم مشاهدة كتل كبيرة من الصخور النارية تُعرف بالسواقط وهي صخور تحملها كتل الجليد، وبذوبان الجليد تتساقط منها هذه الكتل الصخرية.
طفال قصيباء
عبارة عن منخفض متطاول باتجاه الشمال الغربي - الجنوب الشرقي، يتكون الجال الغربي منه من طفال هي المقطع المثالي لمتكون قصيباء وهو عبارة عن طفل غني بأحافير الخيطيات الدالة على أن عمره سيلوري مبكر (حوالي مليون سنة) .. تعلو هذه الأطفال أحجار رمل متكون شرورة.
متكونا صارة والطويل
تنكشف في الجزء الشمالي من المنخفض أحجار رمل متكون صارة وهي عبارة عن حجر رمل صارة وهي بنية متماسكة وتعلوها وبلا توافق أحجار رمل متكون الطويل البيضاء.
متكون عنيزة
تتكشف في الجال الشرقي لقاع قصيباء، تتابعات من الصخور تتمثل في أحجار رمل الطويل وتعلوها وبلا توافق أحجار رمل متكون عنيزة وسطح اللاتوافق عبارة عن طبقه بنية داكنة تدل على أنّ السطح تعرّض لتجوية، وتعلوها طبقة من الحمراء والصفراء خشنة الحبيبات، ويظهر في هذا الجال المقطع المرجع لمتكون عنيزة واسمه وادي الشجرة تريباته بيئة قارية تنتج عنه صخور رمل وطين مختلفة الألوان.
متكون الأجفر
تغطى صخور جيرية وحصى المنكشفات في منطقة قصيباء وما حولها وهذه الصخور هي صخور تابعة للعصر الثلاثي والرباعي وتعرف بمتكون الأجفر.
منطقة الجواء
تتنوع الصخور في منطقة الجواء حيث تنتشر الصخور الجليدية وخاصة متكون صارة، ففي منطقة الضلفعة تظهر منكشفات جميلة تمثل أرصفة الجليد وهي حزوز تمثل تماس كتل الجليد وما تحمله من صخور مع صخور القاع.
متكون الخف
يظهر في طريق الرياض - سدير - القصيم وقبل الوصول إلى بريدة، مقطع تظهر فيه أحجار جير عضو خرطم العضو الأعلى لمتكون خف. يتميّز هذا الجزء من أحجار الجير بوجود المسامات البطروخية وهي تعد من أفضل مكامن النفط والغاز.
باقي الذكرى
بجانب ما للرحلات الجيولوجية من أهداف وفوائد علمية إلاّ أنّ هنالك لمثل هذه الرحلات فوائد لا حصر لها منها التعرُّف على ربوع بلادنا الغالية ومعالمها الطبوغرافية وآثارها ونشاط أهل البلاد والتعرُّف عليهم ومشاركتهم مناسباتهم.
آثار عنترة بن شداد
يتمتع قاع قصيباء بمعالمه الجيولوجية ومعالمه الأثرية لعدد من المواقع المنسوبة لبني عبس وخاصة فارسها عنترة، وهذه المواقع تُعرف في قصيباء بالعنتريات ومنها بئر عنترة وبقايا قصره واسطبل خيوله وفي الجواء صخرة عنترة.
قصيباء الضيافة
تزامن وصولنا لبلدة قصيباء مع وجود وفد من إدارة التعليم بمحافظة الطائف يزور البلدة ويتفقّد معالمها، وقد دعانا رئيس مركز البلدة الأستاذ فهد الراضي، وعضو المجلس البلدي فيها الأستاذ صالح الراضي بإصرار لمرافقة الوفد للتعرُّف على معالم البلدة القديمة وحضور الحفل المقام بتلك المناسبة.
قصيباء الأصالة والعراقة
هذه المنطقة - وهي منطقة قصيباء - جمعت بين الحاضر والماضي، وذلك عبر المنطقة القديمة والمنطقة الحديثة حيث تقع قصيباء في الجهة الشمالية من منطقة القصيم، وتعتبر أحد بلدان الجواء وتبعد عن مدينة بريدة بما يقرب من 65 كم، وتنقسم إلى قسمين أحدهما قصيباء القديمة التي تقع في مكان منخفض تحيط به الجبال من جميع الجهات، وتشكل دائرة بمحاذاة الجبال ويتوسطها قاع تتجمع فيه المياه شتاءً .. ثم بدأ الاتساع شمالاً وجنوباً حتى اكتملت الجهة الغربية منها، ثم قبل مائتي سنة بدأ الناس يزرعون في الجهة الشرقية إلى أن اكتملت دائرة قصيباء.
** هذا وقد ضمّ وفد الرحلة كلاً من: خالد الياس الأمين، ومحمد مبارك القحطاني، ومحمد خالد المنيعير، وسالم عبيان اليامي، وحسين عوض العنزي، وحسين محمد المقرب، الذين عبّروا عن سعادتهم بما تحقّق لفريق الرحلة من إنجاز علمي، واطلاع على جانب من جوانب التاريخ الجيولوجي لبلادنا الغالية.