Al Jazirah NewsPaper Wednesday  13/06/2007 G Issue 12676
ورحل عاشق التاريخ
الاربعاء 27 جمادى الأول 1428   العدد  12676
فيلسوف الصحراء .. (الرجل المبهر)
أحمد حسن المزّاح

بالأمس استقل مطاياه (النجائب) (فيلسوف الصحراء) ورحل عن الديار التي أصيب أهلها بالدوار عائداً إلى (منازل الأحلام الجميلة). لن أبادر - هنا - إلى رثاء (والدي) الشيخ، لأنّي لا اتبين - الآن، في عجاجة المشاعر الثائرة في بيداء نفسي معالم دربي إلى (الرثاء) الذي يليق بمثله، وما استطعت - حتى الآن - توطين قدميّ على السير في درب لا اتبين معالمه.

سأكتفي - إذن - بعرض مشهد، من مشاهد حكايتي الطويلة مع (فيلسوف الصحراء)، (شيخ الأدباء) معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري خلّد الله عليه ديمومة من شآبيب رحمته.

* مشهد أجلبه إلى هنا من صدر كتابي (صوت الصحراء) وهو دراسة نقدية علمية، لكتاب الشيخ رسائل إلى ولدي، بجزئيه (حتى لا يصيبنا الدوار)، و(منازل الأحلام الجميلة) كنت قدمتها لنيل درجة الماجستير في النقد من جامعة أم القرى عام 1421هـ.

* سأعرض -هنا- ذلك المشهد -الذي جرت أحداثه قبل أكثر من ثماني سنوات- كما ورد في الواقع، وفي الكتاب، دون تعديل ولا تعليق.

* سأدع ما يثيره هذا المشهد وسياقه من تساؤلات ودلالات، فراغات مثيرة تحرك إحساس القارئ، وآفاقاً مفتوحة يحلق فيها وعيه وخياله حيث شاءا من عالم هذا (الرجل الظاهرة) لاستجلاء تضاريس شخصيته وسبر خفاياها التي لا تنتهي.

أما تفاصيل المشهد، فقد جاءت هكذا: (49 - 62).

* إشارة واحدة فقط، أحبذ تركها في خاتمة هذا المشهد.

ما احوجنا اليوم إلى (التواضع) وإلى التتلمذ في مدرسة كهذه المدرسة التي تعلّم فن (معرفة الحياة) بعد أن عرفتها على حقيقتها، ونزعت عن وجهها نقاباً وبرقعاً طالما سحرا مدارك المارة وانحرفا بخطاهم.

بعد نهاية الموضوع بعدما يقرب من العام من تسجيل هذا الموضوع (أعني موضوع رسالتي)، ولم أكن قد التقيت بالشيخ بعد كنت جالساً في مكتب أديب سعودي معروف، أخذنا الحديث - فجأة - باتجاه موضوع دراستي في الماجستير.

قال: ما عنوان موضوعك؟

قلت: (رسائل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري إلى ولده) سأدرس مضامينها وتقنياتها إن شاء الله.

قال: هل أنت متأكّد أن هذه الرسائل له؟

لم يكن يخطر ببالي شيء مما كان يخطر بباله، ولم أكن أتصور - أبداً - شكل هذا السؤال ولا مضمونه..!!

قلت: بالتأكيد هي له! أليس اسمه مكتوباً عليها؟!

ابتسم الرجل ابتسامة لها مغزى؛ فهمته فيما بعد؛ وأخذ الحديث إلى مسار آخر، في طريقي إلى منزلي استعدت الموقف؛ استعدت تساؤله، واستعدت ابتسامته، وبدأت - حينئذ - العواصف الهوجاء تضرب الأشجار في رأسي، وبدأت الصواعق والبروق تملأ أرجاء ذهني بالرعب، لم أنم تلك الليلة، ولم أكد أصدق - وأنا أسمع صوت المؤذن لصلاة الفجر - أن اليوم الجديد الذي انتظرته على أحرّ من الجمر قد أتى؛ ذهبت مباشرة لأداء الصلاة، دعوت ربي، ودعوته، ودعوته!!..

عدت إلى منزلي لأشاغل نفسي عن مرارة انتظار الوقت الذي سأجد فيه هذا الرجل في مكتبه.

عند الساعة الثامنة تحركت إلى موقع مكتبه، وانتظرته، وكان كل ما أخشاه أن يشغله عن الحضور ذلك اليوم شاغل، ما كنت لأطيق الانتظار يوماً آخر، لكن الرجل ما لبث أن وصل، فحمدت الله كثيراً، وولجت معه إلى مكتبه، وما كاد يستقر به مكانه حتى قلت له: أستاذ.

قال: نعم!!

قلت: بالأمس طرحت عليّ سؤالاً ما استطعت - حينها - لملمة أطرافه، ولا الإحساس بثقله، ولا بخطورته، أريد أن أفهم يا سيدي!! ابتسم الرجل، وقال وهو ينظر إليّ: ما هو؟

قلت: سألتني عما إذا كانت الرسائل للشيخ عبدالعزيز أم لا!!

قال: نعم!

قلت: ما معنى هذا؟

قال بصوت هادئ رزين: يقولون إنها تكتب له!!

يا للهول!!.. هل تعني ما تقول يا سيدي؟

قال: نعم.

قلت وأنا في قمة الذهول والإحباط: كيف يكون هذا؟

قال: لا أدري!

قلت: مَن يكتب له إذن؟

قال: يُقال...

قلت: وهل هذا الامر شائع بين الناس؟

قال: جداً.

قلت: ولكن؛ أنت ما رأيك؟

قال وهو يبتسم: الوحي انقطع منذ أربعة عشر قرناً!!

قلت: سبحان الله!!.. ألا يمكن أن يكون ما تقول إشاعة لا حقيقة لها؟

قال بنبرة حاسمة: إنه رجل بسيط، تعليمه بسيط جداً، كان مجرد مدير للمالية في القصيم، وفجأة أصبح وكيلاً للحرس الوطني! ثم إنه سئل عن هذا في إحدى القنوات الإعلامية فما كانت إجابته مقنعة!!

خرجت من عنده وأنا مثقل بالهموم، حيرة، شك، إحباط، ألم..

كيف أستطيع العمل على إبداع مجهول النسب؟ يا إلهي ماذا أفعل؟

بعد عدة أيام سوداء قررت السعي إلى الالتقاء بالشيخ للبحث عن الحقيقة، لكن كيف أصل لها؟

اتصلت بمكتبه في الحرس الوطني، وتم على الفور تحديد موعد للقاء به في منزله.

كان همي ينحصر في كيفية العثور على الحقيقة؟ لكن؛ كيف؟ لا استطيع أبداً أن أواجه الشيخ بما يقوله الناس.

أنا لا أعرفه معرفة شخصية، قد يغضب، قد ينفعل... قد... وقد.. وأنا....

ماذا أفعل يا رب؟

ليس من سبيل - إذن - إلا أن أخوض مع هذا الشيخ أطول معركة ممكنة من التساؤلات عن كل شيء، وفي كل شيء... لكي أفحص رؤاه، تصوراته، مواقفه، معجمه، تعبيراته، صوره، أسلوبه، - دون أن يشعر - لأعرضها على ما في مؤلفاته - وأزنها به.

ذهبت إليه - في منزله - وأنا أحمل قائمة طويلة جداً من التساؤلات الوجيهة وغير الوجيهة، أريده أن يتكلم فقط!!.. وأحمل معي أيضاً أداة تسجيل، وخمسة من أشرطة التسجيل الطويلة، وقد آليت على نفسي ألا أعود إلا بملئها.. دخلت عليه، وجدت شيخاً عليه سمات الجلال والمهابة، حيّاني؛ وحييته، قلت في نفسي حينها وأنا أسترق النظر إليه: أيعقل ذلك من هذا؟؟؟!!

جلست وإياه وحدنا، وأخبرته أنني بصدد دراسة رسائله إلى ولده، وتساءلت عما إذا كان سيسمح لي بطرح مجموعة كبيرة من الأسئلة (المهمة). -كما قلت له، وإن بدا له أنها بلا معنى - للدراسة.

قال: اسأل - يا ولدي - كما تشاء!! وعمَّ تشاء، فأنا أب منشرح الصدر!!

شعرت - عندها - براحة عميقة، وقلت في نفسي، هذا فأل حسن.

فتحت جهاز التسجيل، ومضيت أطرح السؤال تلو الآخر؛ ما يكاد الشيخ ينتهي من الإجابة عن سؤال ما، حتى اتبعه بأخيه، وأنا أتأمل بعمق في عيون الشيخ، وأستمع بإنصات إلى نبرات صوته، وأتابع باهتمام خياله وتداعيات معانيه وهو يسرد على مسمعي قصته مع كل شيء..

لكن الأمر لم يطل بي حتى أغلقت جهاز التسجيل، ولملمت الأشرطة التي كنت قد هيأتها أمامي، وأغلقت دفتري، ووضعتها كلها في حقيبة اليد التي كنت أحمل فيها مستلزمات التحقيق، ومضيت أستمع إلى الشيخ، وأحاوره، وأسأله ليس من أجل العثور على الحقيقة التي ما أتى بي من جبال عسير إلى اليمامة إلا طلبها، لأني قد عثرت عليها؛ ولكن للاستمتاع بالسفر مع هذا الشيخ إلى كل مكان.

استطاع الشيخ خلال ساعة واحدة أن يزيل - بتواضعه - وببساطته، وبسعة صدره الذي لا يضيق بشيءٍ، وبصدق نبرته - آخر الحواجز التي كنت أتصورها تعيق حركة التواصل الحر الطليق فيما بيني وبينه، وأخذني الاطمئنان لهذا الشيخ بعيداً حينما وجدت نفسي أقول له وقد فتحت جهاز التسجيل من جديد:

سيدي، في أعماقي حبيس دميم الخلقة، ولكني أريد أن أعرف رأيك فيه، فهل تحتمل رؤيته؟

قال: أطلقه - يا ولدي - وارح نفسك!!

قلت: أو تحتمله؟

قال: نعم.

قلت: يُقال: إن هناك من يكتب لك؟

قال: نعم، أنا أملي، ولا أكتب!!!

قلت: ما قصدت هذا يا سيدي!

قال: ماذا تقصد؟

قلت: يُقال: إن هذه المؤلفات ليست لك في الحقيقة، ولكن هناك من ألَّفها لك!!!

كنت أراقب حركاته وسكناته، وكنت أرصد أثر كلامي الموجع هذا على ملامح وجهه. اعتدل في جلسته، وقال: وأنت ما رأيك؟

قلت: أثاروا الغبار في وجهي، لكنه - الآن - قد تبدّد.

قال: إنَّما يهمني أنت، أما هم فهم وما يشاؤون. ثم مضى الشيخ يقول ونبرات صوته تقطر بالألم:

عجيب أمر هؤلاء!!!

لقد خدمت هذه الدولة خمساً وستين سنة، تعاملت فيها على نحو مباشر مع الملك عبد العزيز - رحمه الله - أكثر من عشرين سنة، ثم مع أولاده من بعده: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، فهل خفي أمري على كل هؤلاء الرجال العظماء؟ وهل استطعت أن أخدعهم جميعاً؟

عمري الآن اثنتان وثمانون سنة ولله الحمد، فهل استطعت أن أخفي حقيقتي هذه عن أهلي، وأصدقائي الكثر، وعمن يعرفونني كل هذه السنوات؛ ليأتي أحدهم ممن لم يرني ليقول: إنه يعرف عني ما لا يعرفه هؤلاء جميعاً؟

أنا اليوم أتوكأ على عصاي قادماً على ربي، عائداً إلى المنازل التي تتكشف فيها العورات، فهل يجمل بي أن أدلف إلى تلك الربوع على هذه الصورة البشعة التي يحاول أخي الإنسان أن يحبسني فيها عن حسن نية أو سوء نية؟...

وهكذا تمضي خواطر الشيخ تتدفق في هذا السياق وتتداعى على نحو تلقائي من خلال صوت مخنوق بمرارة الألم والحسرة، وأنا أستمع إليه باستمتاع وألم.

بعد أكثر من ثلاثين دقيقة من الكلام المتواصل في هذا الجانب صمت الشيخ فجأة، ثم أعاد تشكيل جلسته، والتفت إليَّ قائلاً: هل من سؤال آخر؟

قلت: أبداً يا سيدي.

نهضت، وودّعته، وخرجت من عنده وأنا أعاتب نفسي على ما فعلته بالشيخ، وأتساءل عما إذا كنت محقاً فيما فعلته، أم أنني قد ارتكبت خطأً فاحشاً في حق الشيخ وجرحت مشاعره، لكني ما لبثت أن قلتُ لنفسي: (إن مواجهة هذه القضية - الآن - بشجاعة وحزم - مهما ترتب على ذلك من آلام ومعاناة - ستخف تدريجياً وتبقى ثمارها - لهو خير ألف مرة من مداراتها أو تجاهلها مع بقائها معلقة على ذمة التاريخ).

عدتُ من عند الشيخ وقد هدأت نفسي، وتبددت من سمائي سحب الشك والحيرة، واستقرت الحقيقة في عيني.

لكن هاجساً ما ظلّ يلحّ عليّ ويأبى مفارقتي.

لقد وصلت إلى الحقيقة، ولكن ذلك لم يتسنَّ لي إلا من خلال لقائي بالشيخ واستماعي المباشر له، فكيف بأولئك الذين أثيرت أو ستثار في أذهانهم سحب الشك والحيرة، ممن لم يروا الشيخ، أو يستمعوا إليه، سواء من جيل اليوم أو من أجيال الغد؟

فكرت، وفكرت، ثم قرّرت.

قرّرت أن أطلب من الشيخ أن يثبت مادياً، وعلى نحو قاطع، صحة انتساب هذه المؤلفات إليه؛ فهو الوحيد الذي يملك ذلك، ولا أحد في هذا العالم يستطيعه سواه.

اتصلت به، وطلبت منه - دون أن أخبره بنواياي - أن يحدِّد لي موعداً للقاء، ففعل. وفي الموعد المحدد اتجهت إليه وأنا أحمل معي مسجلاً وشريطاً وسؤالاً.

دخلت عليه في مكتبه بمنزله، وكان معه من أولاده حمد ومحمد، وفيما أنا أهيئ نفسي لإلقاء السؤال الصعب دخل علينا معالي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد وزير المعارف، وكان قد جاء ليُسلم على الشيخ بعد عودته من سفر، شعرت - فعلاً - بحرج شديد لكوني من منسوبي وزارته، ولكن لم يعُدْ هناك مجال للتراجع عما عزمت عليه، بل لعل الخير في ذلك.

جلس الشيخ أمامي، وجلس معالي الوزير على المكتب، وجلس ابنا الشيخ على مقاعد مجاورة.

عرّف الشيخ معالي الدكتور بي، ثم التفت إليّ قائلاً بنبرة استفهام: عندك أسئلة يا ولدي!!!

قلتُ وقد استجمعت كل قواي الأدبية: سيدي أريد ما يثبت أن هذه المؤلفات هي فعلاً لك!

التفت إليّ الجميع في ذهول واستغراب إلا الشيخ، فإنه ابتسم وقال: ماذا تريد مني من دليل.

قلت: سيدي، الآن لا يخالجني أدنى شك في شرعية انتساب هذه المؤلفات إليك، ولكن هذه القناعة الشخصية عديمة الجدوى علمياً، ولذلك أريد أدلة عقلية ومادية لا سبيل إلى دفعها.

قال: هل في نفسك شيء معيّن؟

قلت: شيئان!

قال: ما هما؟

قلت: أصول الرسائل في شكلها المخطوط!

قال: هذه دفعت بها إلى الناشر قبل خمس عشرة سنة، ولا أدري ما فعل الله بها!

قلت: تقول يا معالي الشيخ إنك تملي رسائلك ولا تكتبها!

قال: نعم!

قلت: أريد أن ألتقي بهؤلاء الذين أمليت عليهم رسائلك إلى ولدك لأستمع إلى شهادتهم!

قال: كنت أمليها على واحدة من بناتي!!!

عندها، تدخّل الدكتور محمد وقال: أنا أشهد أنني كتبتُ له مجموعة كبيرة من رسائله إلى المتنبي.

تهلَّلت أسارير قلبي، وقلت: أشكرك يا دكتور، هذه شهادة بالغة الاعتبار لا تُدفع، لكني لا زلت أبحث عن المزيد.

قال الشيخ: عمّ تبحث؟

قلت وجبيني يتصبَّب عرقاً: قُلتَ يا سيدي إنك تملي رسائلك!!!

قال: نعم!!!

قلت: إذن فإن الدليل الذي لا يدفعه إلا ممارٍ، أو جاهل، أو حاسد، هو أن تملي عليَّ الآن، وفي التّو واللّحظة، وبحضور الدكتور محمد رسالةً، ولتكن - مثلاً - موجَّهة إلى قيس وليلى!!!

ابتسم الشيخ، وقال بلهجته النجدية، وبنبرة استفهامية: بَسْ!

قلت: نعم!

قال: أعندك أوراق؟

قلت: لا!

قام بنفسه إلى دولاب في صالة مجاورة، وأحضر منه (بوكاً) رسمياً ودفع به إليَّ، ثم قال: لا أريد أن يتكلم أحد منكم أو يردَّ عليّ، اكتب!

فتحت أداة التسجيل، وأخذت القلم، ثم بدأت أكتب:

(ابني العزيز أحمد!

تحية طيبة وبعد..

في لقائك بي في اليوم الأول، وفي هذا اللقاء الذي أحييك فيه أكرم تحيّة، وأحيي البلد الذي أتيت منه، البلد الذي أحمل له في نفسي أجمل الصور وأغناها ذكريات عن مكارم أخلاقكم يا أبناء جبال عسير. في ذلك اليوم البعيد الذي أنخت فيه مطيتي في وادي (ابن هشبل)، وبنيت خيمتي على ترابه؛ عشت أياماً وليالي في أحلام سعيدة ملأت روحي وعقلي إشراقة أضاءت لي عتمة النفس.

ولما لتلك الذكريات الغالية على نفسي عن أرضك وبلدك؛ التي هي بلادي وبلاد شم الأنوف؛ قضيت فترة من الزمن أتعرف على بلاد أهلنا هناك، قرأت، ثم قرأت، وآخر شيء قرأته ترجمة لأحد أبناء عسير لأحد المستشرقين جاء فيها عن المؤلف: (إن عقيدة الدرعية الطاهرة، الثائرة على الظلم حين تكالب عليها الأعداء وأرادوا اغتيالها، حملها أبناء عسير وقاتلوا دونها بعظمة الرجال، وبجلال الأفعال). لذلك - كله - قبلت اختياراً وطواعية أن أكون بتجربتي الطويلة، وبقراءاتي، وبعملي خمساً وستين سنة في الدولة تلميذاً لك يا ابن جبل عسير الشامخ، وهذا شيء لا يعيبني؛ بل يعمق في نفسي الرؤية الناصعة في وعيي وفي عقلي أن الإنسان لا يفسد عليه حياته وسلوكه غير الكبرياء والمكابرة.

ابني العزيز:

إني أشعر شعوراً بالغاً بصدق إحساسك، ونبل هدفك في أن تتأكد قبل أن يتصبّب عرقك من سهر الليالي والأيام في رسالتك، ثم يُقال لك: مسكين أنت، رسائل مَنْ هذه؟ لا أريد لك ذلك.

بين يديك رسائلي، ما كتبتها لأرضي بها عمراً أو زيداً، لكني أرثي لإنسان وضع في جيبه شهادة وظنّ أنه بذلك صار مثقفاً، وأن من حقه أن يحرس ثقافته من أن يأتي طفيلي على الكتابة فيكتب.

من حقه أن يشكك، أن يتهم، ومن حقك - أيضاً - ابني العزيز أحمد أن تتردد ويربكك الشك. لكن، ألا تعلم أنت وهو أن هذه الجزيرة العربية جزيرة امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وحاتم الطائي، وفارس عبلة، وقيس بن الملوح، وجميل بثينة، وعروة بن الورد؛ أمير الصعاليك، مَن قال:

أقسم جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد

ماذا في نفسك؟ وماذا في نفس الأخ الذي يشكّ فيما يكتبه عبد العزيز عن سوق عكاظ، عما يُسمَّى جاهلية العرب؟ أيّ جامعة خرجوا منها وتعلَّموا فيها؟

أليست الفطرة في الإنسان هي جامعته متى ما أصغى لما هو حوله، ولما هو بعيد عنه في هذا الكون؟ الإنسان - ذاته - عالم واسع، سعته أكثر من سعة هذا الكون.

ألا يمكن أن يكون من هذه العوالم الذاتية أستاذ أو أساتذة؟ مدرسة أو جامعة؟ شيء عجيب، وعجيب جداً، وخسارة جداً في مثقف يتعالى بشهادة مدرسة أو جامعة ولا يدرك مَن هو؟ وماذا معه من عوالم لو أصغى إليها لعلّمته التواضع، ولقالت له: اعرف نفسك. لكن الإنسان (ظلوماً جهولاً)، وأنا واحد من هؤلاء. مَن أكون؟ ماذا أكتب؟ أيّ شيء بهر الأخ المشكِّك فيما كتبته؟ والله إني فيما كتبته وطرحته أشعر أني عرَّيْت نفسي، وفضحت هذه النفس بجهالتي.

إنني أستحي، نعم أستحي، وأخجل مما خلفته ورائي، وحفظته ذاكرتي عن حياتي. بالرغم مما فيها من حلو ومرّ، وبالرغم من اليتم، ومن الضياع في سكك القرية، وبالرغم من كوني من جيل ما قبل النفط، لا مدرسة، ولا جامعة، ولا معلِّم غير الحياة، بالرغم من ذلك كله، وسهر الليالي والأيام؛ أسأل نفسي: مَن أنا؟ ما طريقي؟ ما البعد الذي أخافه؟ ما المجهول فيه؟

ليعلم الأخ المتشكِّك أنني بكيت على صدر أمي يتيماً، وليعلم الأخ الذي ما ذاق مرارة اليتم وما عاش أيام ما قبل النفط أنه محتاج إلى أن يتواضع، ويدرك أنه سيتعرّض لأزمات قد لا يصحو منها حين يصل آخر العمر.

ابني العزيز!

قيس بن الملوح الذي رغبت أن أمر عليه فيما أكتب الآن لم يعد قيس العرب، ولم يعد قيس ليلى، من قال عنها:

يقولون دارها بشرقي نجد

كل نجد للعامرية دار

إذا لم تخني الذاكرة، فقد قرأتها في فلسفة (جوته) الشاعر الألماني، وفي فلسفة (أراغون) أحد شعراء فرنسا، (مجنون إلسا) أي (مجنون ليلى).

لم تعد ليلانا وحدنا، ولم يعد قيسنا في الجزيرة العربية، بل إنه رمز عظيم إلهي الروح، علينا أن نتذكره، أن نعتز به، أن نلجم غرائزنا كما ألجمها، أن نتابعه في الصحارى والقفار وهو يذرف الدمع غزيراً، يطرده الأهل والأعمام، وليلاه تباع وتشترى بالإبل، يأخذها من شراها من أبيها إلى المخدع وهي تبكي وتبكي، وهل هناك ما هو أبشع من اغتيال حرية الإنسان، والجور عليها؟!!

عزيزي أحمد!

لو جلست وإياك أياماً وليالي نتذكر، وتقبل عواطفنا وذكرياتنا فم الورق لأتعبتك، ولا أقول: أتعبتني.

إن أكثر من ثمانين عاماً أقرأ فيها نفسي، وأقرأ فيها حركة الكون، والرياح، وتموّج البحار، ودمدمة الرعود في السحب، كلها عبر وألسن ناطقة، ولكن، أين أوراقنا الذاتية التي تتقبل لغتها وما تمليه علينا - نحن العرب والمسلمين - لا شيء، لا أوراق لدينا، نحن لا نعرف الأوراق الذاتية في آخر أيامنا، أوراقنا أحرقت في ابن الهيثم والكندي والرازي والبيروني إلى آخر القافلة.

سل أخاك المشكك في هذا الشيخ المسن الذي تسنده عصاه، أيعرف هؤلاء؟ لا أدري!!! أتساءل ولا أحكم، وإذا قال: إني أعرفهم، سله: أين معمله؟ وأين إنتاجه الفكري؟ سله: هل يمكن أن يفسر لنا تلك الفتاة الصغيرة التي ابتكرها العقل الإنساني، وحملها رسالته إلى المريخ، ذهبت إليه في رحلة أسرع من الضوء، قيل: إنها لم تصل إلا بعد ثلاث سنوات، سله: هل وقف أمام هذه الآيات العظمى التي اكتشفها العلم؟ هل بُهر؟ هل عرف أنه إنسان مسكين مثلي؟

أختلف وإياه أنه جريء على الظلم، أما أنا فقد وضعت على نفسي قيوداً من الوعي بقدري وصغر حجمي، فلا المسؤولية، ولا كل ما ملكته يساوي عندي شيئاً أعتز به أو أدخره لنفسي، أبداً، ما لم يكن عملي واجتهادي في سبيل خدمة ديني وواجبي تجاه أمتي ودولتي، فماذا لو أنه أخذني الغرور وأصبحت ملكاً ل(الأنا) التي توصلني إلى التعالي حتى لا أرى إلا نفسي، ماذا يمكن أن ينتج عني غير فقدان الأمانة أو جزء منها، ما أعتز به هو هذا الذي يطعنني فيه ابن العم والأخ المتشكك.

أنت الآن معي، أملي عليك هذه الحسرات والعتاب الأخوي على من جعلك حائراً في أوراقي تنشد الحقيقة.

أنت حر فيما تختار، إذا تغلب عليك هاجس لا تستطيع الخلاص منه فدعني وأوراقي وما كتبت، وأنت وتوفيق الله لك في حسن الاختيار.

وحتى تعرف أكثر مدى إعجابي بك، وباحترامك لنفسك، ولاختياراتك، لا تظن أنني بهذا الذي طرحته علي وتطرحه منزعج، أبداً، بل احترمتك أكثر، وقدرتك أكثر، فمن يسعى إلى طلب الحقيقة هو الإنسان الحر الذي لا تعتقله كبرياء، ولا مخاوف، ولا يقيده قيد مهما كان هذا القيد عن السعي إلى معرفة الحقيقة.

إكراماً لك، ها أنذا أملي عليك نظرتي لرسالتك، ولأحاسيسك الممزقة بين من يقال عنه: إنه يستعير لأوراقه من أفكار الآخرين، وبين حرصك على معرفة الحقيقة. إلى هذا الحد أقف، حتى لا أشق عليك، وإذا كان في نفسك أي سؤال أو غموض فأنا أب منشرح الصدر، لا من أجل أن تأخذ ماجستير على رسائلي، فما كتبت من أجل أن أعلم أحداً أو أرضي أحداً أو أغضبه، لكن الإنسان تزدحم داخل نفسه قبائل من الهموم والمسارات، والشيء وضده، فلا يجد له متنفساً غير أن يحاكي أوراقه بقدر استعداده الذهني.

أخيراً.. أحمل تحياتي واحترامي لكل من قال: لا تغلط، وشكك، فإني أعذره كل العذر، وأرحمه كما رحم أبو الطيب مثيلاً له حين قال:

وأرحم أقواماً من العي والغبا

وأعذرهم في بغضي لأنهمو ضد

ابني!

إني فيما أمليه عليك الآن، وبهذا الشكل الذي تراه مشوش الذهن، متألم كل الألم لمحاولة أذى الإنسان لأخيه الإنسان، ولا أذى كهذا الاذى الذي يوجع الذهن ويوجع العقل ويضني المشاعر والأحاسيس.

أملى عليّ الشيخ هذه الرسالة فيما لا يتجاوز خمس عشرة دقيقة، وكنت ألجأ إلى تهدئته بين اللحظة واللحظة لكي استوعب تدفقه المدهش على نحو ما رأيته في حياتي.

خرجت من عنده مبهوراً، لا أكاد أصدق ما رأيته، ولكني كنت في غاية السعادة لما حققه الشيخ لي.

عندما عدت إلى الفندق خطرت لي بعض التساؤلات، فقررت أن أعود إليه عصر اليوم التالي.

بعد صلاة العصر من ذاك اليوم اتصلت به، وأبلغته أنني أريد الالتقاء به للإجابة عن بعض التساؤلات، فوافق على اللقاء بي حالاً، ذهبت إليه على الفور، وعندما دخلت عليه مكتبه وجدت لديه الأستاذ محمد رضا نصر الله، وقبل أن يستمع الشيخ إلى أي سؤال مني قال: اكتب.. فتحت أداة التسجيل، وتناولت الأوراق، وقلت في نفسي وأنا في غاية السعادة: رائعة أخرى إذن!!!

قال: ابني العزيز!

في ليلة البارحة حين ذهبت إلى فراشي، أوقفتني أيامي الطويلة، وسألتني قائلة: أصحيح أن في مجتمعك هذا من يتشكك في كل ما كنت عليه، وسعيت من أجله؟ ولماذا هذا؟ أهو عيبك أنت، أم أن الإنسان الآخر من السهل عليه أن يقذف أخاه بالحجارة وهو لا يعرفه، وما حاول أن يعرفه، أو يسعى إليه إذا كان مشغولاً به.

تساؤلات كثيرة لم تؤرقني، ولم تصدع استقراري في ليلتي تلك، بل نمت على أحلام جميلة.

تراءى لي في الحلم ما لا أستطيع أن أفسره لك في هذه الرسالة، فمن الأحلام ما قد يشير لك إلى زاوية من زوايا النفس، المنعطفات النفسية من حولها تحرسها عن لصوص الظلام.

جادلتني خاطرة كانت من ذكرياتي البعيدة، كانت من زواري حين كنت شاباً، وقفت أمامي هذه الخاطرة، وقالت: تأخر مجيئي عنك طويلاً، فهل تعذرني؟

استحضرت شيئاً من ذكرياتي معها، فإذا ما في الذكريات قد شاخ وتهدم جبينه من طول السنين ومنحدرات الأيام به إلى أدنى القاع.

ذهلت من المفاجأة!!!! ومن هذه النظرة إليّ، فتذكرت ما كان من هامشية السنين عندي، وقبلت بما أزعجتني به تلك الخاطرة وهذه النظرة الآتية إليّ متهدمة الجفون، تتكئ على عصاها، وقلت لنفسي: صبراً واحتمالاً، ولا جزع، كل شيء متهدم، وكل غائب في أعماق المجهول سيأتي طوعاً أو كرهاً، حاضراً حضور غائب فقده أهله وظنوا أنه تاه عنهم في بيداء الزمن.

لا أتأسف على قانون الحياة، ولا أقوى على أن ألبسه الخطام أو أعقله بعقال يدمي قدميه، أبداً، فعصرنا هذا لا يريد قيوداً ولا أخطمة تهدي جمال العشيرة إلى منازل الغيث.

لا أعرف من أنا؟ هل أنا مثالي؟ أم أني إنسان عبء على الحياة، وكيس من التراب يدحرجه الزمن إلى أن يواريه في التراب؟!!

ماذا لو خطر ببالي - الآن - أن أزور مدينة أفلاطون التي بناها من أجل سعادة الإنسان وأمنه واستقراره ورخائه، أيمكن أن ألقى فيها أنيساً لي من وحشتي؟ لا أدري!!! ولكني أتصور أنها مدينة أسرف فيها خيال ذلك الفيلسوف العظيم حتى صارت في وجودها قضاء مبرماً على الإنسان ذاته، وحكماً عليه أنه لا يريد سعادة، ولا يريد مدينة لا صراع فيها، ولا متناقضات، ولا مجالدة بالأحجار، ولا تؤكل فيها لحوم الموتى حتى في قبورهم.

إذن ابني! أرد اختيارك إلى نفسك، إلى إيمانك الشخصي بنفسك وبهدفك النبيل، إذا كنت ترى في هذه الرسائل نصاً أو نصوصاً أو شيئاً من الفكر يستحق أن تجادله وتحاوره وتضيق عليه الخناق إلى أن يستجيب فيدخل أوراقك مطيعاً لك ولاختيارك له، فأقدم ومن الممكن أن تحاور النص، وتقول: هذا النص أو النصوص وجدتها في هذه الأوراق، ولا يهمني من كتبها، اتجه بحوارك إلى غائب تجهله، واحمله عني إلى كل من شكك في وجود اسمي على تلك الرسائل، واشكره عني، فإنه بذلك أسعدني حين رأى ما في هذه الأوراق فوق مستواي ومستوى ثقافتي، وقال عنها ما قال، إنه بذلك قدم إليّ أرقى ما يكون من الإعجاب والثناء على ما في هذه الأوراق.

ثم أيها الابن العزيز!

لا أعرف أين السوق الذي تُباع فيه المواهب وتشترى كي أذهب إليه لأرى هذا النوع من البشر الذين يبيعون مواهبهم بثمن رخيص.

تجربتي مع الحياة والناس علمتني التسامح، وعلمتني أن أعرف شيئاً من قدري، وأن أقبل أقسى ما يكون الأذى وأتحمله.

إني ممتن لمن أهدى إليّ شيئاً من حسناته، فأنا محتاج إليه، ومن أجله سأتسامح.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد