Al Jazirah NewsPaper Tuesday  16/06/2007 G Issue 12679
عزيزتـي الجزيرة
السبت 1 جمادىالآخرة 1428   العدد  12679
متى كان التقدم مرهوناً بالاختلاط؟!

كتب الكاتب محمد آل الشيخ تحت عنوان (ومرة ثالثة: الاختلاط) في عدد (12668) مقالاً يهوّن فيه شأن الاختلاط، ويدعو إليه ويسوق الأدلة عليه دون أن يكلف نفسه الرجوع لفقهها وأقوال العلماء فيها محتسباً تحطيم الحواجز النفسية بين الجنسين التي أوجدها الجهل وغذاها المتشددون - بزعمه - ليزيل عنهم العاهة الفكرية والتزمت، ويسديهم النصح والتوجيه والرأي السديد، ويتلمس الأسباب التي أدّت إلى ما يعيشونه من رؤى ضيقة قاصرة ليعالجها لهم بسعة أفق ورؤى مستنيرة قلّ نظيرها!!

لقد رأى الكاتب أننا نعيش حالة من التخلف عن بقية دول العالم، لماذا؟ لأنهم سبقونا نووياً؟ أم صناعياً؟ أم تعليمياً؟!! ليس شيئا من ذلك، بل لأن المرأة لا تعمل بجوار الرجل ولا تقود السيارة فأصبحنا نعيش حالة من التخلف والرجعية!!

إنه لأمر غريب أن نختزل التقدم بالاختلاط بين الجنسين ونجعله هاجساً وحلماً؛ في الوقت الذي نرى فيه صيحات عقلاء تلك الدول تتعال، أن أوقفوا هذا الطوفان المدمر، لا كما ذكرت من أنها (ماشافت شر!!) بل الشر ظاهر للعيان في قضية الاختلاط، ومن ذا يستطيع حجب الشمس بغربال؟!!

أما قولك (هل يعقل وهل يقبل وهل يدخل في ذهن إنسان سوي أن تكون كل هذه الدول المتقدمة مُجتمعة على ضلال ونحن فقط الناجون من الضلال؟) فهو استدلال في غير موضعه، فدولتنا الوحيدة التي تطبق الشريعة وتحارب المراقص والخمور من بين دول العالم فهل هي على ضلال وبقية الدول على النهج السوي؟!!

ثق أخي محمد أننا سنلازم كتب التراث الصحيحة وسنلازم العلماء الناصحين الصادقين الذين أفنوا أعمارهم بالبحث والتدقيق ومعرفة مآلات الأمور، ولن نستقي العلم إلا منهم، فهم خير مبلغ عن الله بعد رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما الأدلة التي سقتها في معرض استدلالك على جواز الاختلاط دون قيد، فقد عرضت على اللجنة الدائمة، فكان الجواب التالي: (يجب على المسلم إذا بحث عن حكم مسألة إسلامية أن ينظر فيما يتصل بهذه المسألة من نصوص الكتاب والسنة، وما يتبع ذلك من أدلة شرعية، فهذا أقوم سبيلا وأهدى إلى إصابة الحق، ولا يقتصر في بحثها على جانب من الأدلة وإلا كان نظره ناقصاً، وكان شبيها بأهل الزيغ والهوى، الذين يتبعون ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة ورغبة في تأويلها على مقتضى الهوى، ففي مثل هذا الموضوع يجب أن ينظر إلى نصوص الكتاب والسنة في وجوب ستر المرأة عورتها وفي تحريم النظرة الخائنة وفي مقصد الشريعة من وجوب المحافظة على الأعراض والأنساب وتحريم انتهاكها والاعتداء عليها، وتحريم الوسائل المفضية إلى ذلك من خلوة امرأة بغير زوجها ومحارمها، وكشف عورتها وسفرها بلا محرم، واختلاط مريب، وإلى أمثال ذلك مما ينتهي إلى ارتكاب جريمة الفاحشة، وإذا نظر إلى مجموع ما ذُكر لزمه أن يحمل ما جاء في حديث سهل في إعداد امرأة أبي أسيد الطعام والشراب لضيوفه وتقديمه لهم على أنها كانت مستترة وأن الفتنة مأمونة ولم تحصل خلوة ولا اختلاط؛ إنما كان منها مجرد إعداد وتهيئة شراب وتقديمه لضيوف زوجها دون أن تجلس معهم؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على جلوسها معهم كما ذكر.

أما حديث (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة..) فمحمول على إذا وجدت الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأمنت الفتنة، وليس هذا من التأويل بالرأي بل هو مبني على المقصد الشرعي المفهوم من مجموع النصوص الواردة) فتاوى اللجنة (ج 17 - 84 - 85).

* ومن الأدلة على تحريم الاختلاط المستهتر قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} قال الشيخ ابن ابراهيم رحمه الله (والآية وإن كانت موجهة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم غير أنها جاءت معللة بقول ربنا سبحانه: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} فبين أن العلة هي طهورية قلوب النوعين والتباعد عن دواعي الريبة وقذر القلوب، ولا شك أن هذه العلة تشمل جميع نساء المؤمنين، لأنه يطلب في حقهن طهارة قلوبهن وطهارة قلوب الرجال من الميل إلى ما لا ينبغي منهن) 10 - 245. وقال: (فإذا اقتضت الضرورة اختلاطاً كما في الحج فإن الحج ركن من أركان الإسلام وهو فعل مأمور مقدم على ترك المحظور.. ومثل الحج سائر الضرورات، فينبغي أن تقدر بقدرها.. وهذا يقدره ويقرره أهل العلم والشأن فهم أعلم بضابط الضرورات..) 10 - 43 - 44

* وقال صلى الله عليه وسلم (إياكم والدخول على النساء) فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) متفق عليه.

* وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: (استأخرن فليس لكن أن تُحقّقن الطريق - أي تسرن في الوسط - عليكم بحافات الطريق) وذلك لقطع أسباب الاختلاط رغم أن الخروج كان لفرض ولفترة مؤقتة فكيف إذا كان الأمر متعلقا بغيره؟!

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (وفي الحديث كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت) الفتح (ج2 - 336).

* وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء)، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. رواه أبو داود وقال الألباني صحيح على شرط الشيخين.

* وقد روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرا، وفي رواية كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري.

* وقال صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم، وقد علل الفقهاء تلك الخيرية في البُعد عن مخالطة الرجال كما نقل ذلك الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار.

* قالت فاطمة الزهراء رضي الله عنها: (خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال).

* وأخرج مسلم عن عمرة بنت عبدالرحمن أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: (لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل..) فإذا كانت الصديقة بنت الصديق تقول هذا الكلام في زمنها فكيف بها لو اطلعت على زمننا هذا؟!!

* وقال الإمام مالك رحمه الله (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة..).

يقول الشيخ محمد بن ابراهيم (وأما اختلاط الرجال بالنساء وحصول المفاسد التي ذكرتها فهذا من أكبر المنكرات التي يتعين إنكارها على الجميع) ج 10 - 49. وقال: ومن أدلة ذلك أيضاً النصوص الدالة على منع اختلاط الرجال بالنساء لأن المرأة الموظفة لا تختص بالنساء بل لابد أن تخالط الرجال بمقتضى طبيعة وظيفتها ومن تلك النصوص {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} فالأمر بسؤالهن من وراء حجاب دليل واضح على لزوم الحواجز وعدم الاختلاط.

وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله - (والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع بما حرم الله أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لا تحمد عقباه) مجموع الفتاوى والمقالات (ج1 - 418 - ج6 - 355).

وهذه البلاد لها منهجها الواضح في هذا الأمر، فها هو مؤسسها الملك عبدالعزيز - رحمه الله - يقول (وأقبح من ذلك في الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن وترقيتهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لهن.. إني لأعجب ممن يدعي النور والعلم وحب الرقي من هذه الشبيبة التي ترى بأعينها وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطأ الخلقي الحائق بغيرنا من الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك وتتبارى في طغيانها وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية العريقة، ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنيف الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة وهدى لنا ولسائر البشر) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج9 - 160

ولو أردنا أن نأخذ مقتطفات من كلام عقلاء الغرب عن قضية الاختلاط للاستئناس فقط، وإن كان هذا لا يروق للكاتب كثيراً رغم أنه معجب بتلك الحضارة.

تقول الكاتبة الإنجليزية (اللادي كوك): (إن الاختلاط يألفه الرجال؛ ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط يكون أولاد الزنا.. أما آن لنا أن نبحث عما يخفف - إن لم يزل - هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية) الإسلام وروح المدنية ص 211

وتقول الكاتبة الإنجليزية (أني رود): (لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم خيرٌ وأخف بلاءً من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف، إنه عار على بلاد الانجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال). الأثر السيكولوجي والتربوي لعمل المرأة ص 10

ويقول الدكتور (بيربر) (كل أشكال التقرب تمر بمراحل، وأول خطوة في ذلك هي فتح باب الاقتراب، وهذا يعني أن واحداً عليه أن يتحرك باتجاه الآخر) رسالة إلى مؤمنة ص 119

وتقول الصحفية الأمريكية (هليسيان ستانسيري): (إن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم وامنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة، فهذا خيرٌ لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا).

إن من يدعون إلى الاختلاط ويقللون من شأنه بدعوى أن الفضيلة ستكون حاضرة لدى الجنسين، مثل قوم وضعوا كمية بارود بجانب نار، وادعوا عدم الانفجار، هؤلاء في حقيقة الأمر يعيشون وهماً وخيالاً ومغالطة للواقع، ولطبيعة النفس البشرية، وواقع المجتمعات المختلطة يرد هذا الادعاء ويكذبه.

أخيراً: فقد نشرت جريدة اليوم في عددها (12005) لقاءات مع نساء يعملن في أماكن مختلطة بالرجال، تقول ريم (موظفة قطاع خاص): (من واقع عملي الذي يفرض علي الاتصال الهاتفي المستمر مع موظفي الأقسام الرجالية وبالتجربة اقتنعت بأن الرجال مهما بلغت درجة رصانتهم، يتحينون الفرصة للدخول بالعلاقة الوظيفية مع الزميلات ليوحوا لهن بإمكانية مد العلاقة إلى مدى أكب؛ لذا تعمد كثير من الزميلات إلى التعامل بأسلوب شرس لكي لا يتعدى أي موظف متطفل الخطوط الحمراء).

وتقول سحر (موظفة قطاع خاص): (لي أكثر من أربع سنوات بهذا القطاع الذي يتطلب علاقات مستمرة مع الزملاء من الموظفين والعملاء، ومن خبرتي فإن الموظف الرجل أول ما يسأل عنه في علاقة وظيفية مع امرأة محاولة التعرف على جمالها، وبالطبع ما أن يشاع في أوساط الموظفين الرجال عن الموظفة الجميلة بسرعة فائقة يبدأ كل موظف يعاملها على أساس أنها الجميلة).

وتقول خلود (موظفة قطاع خاص): (مع بداية استلامي للوظيفة اجتمعنا نحن بالقسم النسائي مع المدير العام الذي كان يعطي صورة للمدير الصارم الصامت الذي لا يرغب أن تنطبق عليه أي من التصورات النسائية عن كيفية تواصله مع الموظفات، وكانت المفاجأة بدايته للحديث بقوله أنا لست ككل الرجال الموظفين الذين لا يهمهم إلا معرفة من هي أجمل موظفة من الزميلات، ومن تلك الجملة جزمت بأن هذا المدير الصامت ليس بأفضل من موظفيه؛ ما يعني لي سقوط آخر الموظفين المحترمين!!).

وتقول ندى: (مشكلتي كانت تكمن في أنني كنت أتعامل مع الزملاء بأسلوب لطيف ولا أبدي النوايا السيئة، وقد دعا ذلك أحدهم من ذوي النفوس المريضة من الزملاء لمحاولة التواصل معي بناءً على أوهام خاطئة، ووجد أن إيحاءاته غير مجدية فعمد إلى تلويث سمعتي بين الزملاء والزميلات بالترويج عن علاقة بيني وبينه، وللأسف لم أسمع بتلك الشائعات إلا من زوجي..).

مما سبق يتضح أن الاختلاط جناية على المجتمع بأسره، نسأل الله بمنه وكرمه أن يحفظ علينا ديننا وأمننا وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

يوسف بن محمد القويفلي - الخرج


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد