وكما فشل العقل السلفي، أخفق العقل الليبرالي أيضاً في ممارسة الإبداع، وفي هذا المقال نتناول الليبرالية كحركة أو رؤية فكرية تنشط في المجتمعات العربية دون أن يكون لها معنى متماسك؛ يمكن لنا أن نتفق حوله أو نختلف؛ نقبله كلياً أو جزئياً أو نرفضه؛
نهتم به أو نهمشه، والمثير للاستغراب أنك لا تكاد تجد (ليبرالياً) يعترف بأن ثمة إشكالية في المصطلح، على الرغم من أن صنّاعه ما برحوا يردّدون أنه مصطلح إشكالي، مما يجعلنا قُبالة شروحات ضعيفة ومرافعات مرتبكة لبعض المثقفين المنتسبين لليبرالية، وكأنهم بذلك المسلك يرغموننا على أن نتخلَّى عن الشروط المنهجية في التعاطي مع المسائل الثقافية والمصطلحات الإشكالية، مع أن الواحد منهم لو كتب بحثاً مختصراً ورام نشره في أضعف مجلة علمية؛ لكان ملزماً بأن يتدارس تعاريف المصطلح على نحو يفضي به - ضمن أشياء أخرى - إلى الاعتراف الصريح بإشكالية المصطلح، فذاك من مسلمات المنهجية العلمية وأبجدياتها التي يتعلمها الطلاب المبتدئون؛ فما الذي يجعل العقل الليبرالي يعجز عن الوفاء بالحد الأدنى من المنهجية؟ مع أن العقل الليبرالي يجهد لأن يظهر ك (مقدس) للعلم الحديث ومعلٍ لشأنه و(مشيد) بالموضوعية وحامل للوائها ومتمسك بمبادئها، وبقدر كاف من التفحص للخطاب العربي الليبرالي ندرك بأن الكثير من الليبراليين العرب لا يفهمون على نحو متعمّق القضايا الفلسفية والمنهجية المتعلّقة بطبيعة العلم وأدواته وحدوده وإمكاناته ونقائصه وتناقاضاته ونجاحاته وإخفاقاته.
ذاك السؤال الذي يتلمس أسباب عجز الليبرالية عن الوفاء بالحد الأدنى من المنهجية؛ يرتبط بخيط رفيع بما نحن بصدد الاشتغال به في هذا الموضوع وهو البرهنة على النتيجة التي خلصنا إليها حول ضمور ممارسة العقل الليبرالي للإبداع في مختلف الميادين العلمية والفكرية، ونعاود التذكير بما سقناه سلفاً حول عدم نمطية العقل الليبرالي، نظراً لأنه يتشكل داخل أطر فكرية متنوّعة وربما متضادة، فهو أشبه بجبهة تضم عدة أحزاب أو بعصا متعدّدة الرؤوس، مما يضيف صعوبات إضافية لعملية توصيف العقل الليبرالي، وهذا يعني أننا ملزمون - منهجياً - بوضع العديد من المقاربات التوصيفية، وبالاعتراف بجزئية التعميم للنتائج، مع الاجتهاد على استكشاف السمة العامة للذهنية الليبرالية العربية.
يتسم العقل الليبرالي - ضمن خصائص متعددة - بنزعة (التعامل المرن مع النص) بطريقة يشعر الليبراليون معها ب (تحقق ذواتهم) من خلال ممارسة عقلية (يرونها) (متحررة) واعية، وجالبة لفهوم وأنساق وزاويا جديدة للنص، لينعتقوا بذلك من شرنقة (النصية الضيقة) التي يرمون بها خصومهم من السلفيين وغيرهم من (المؤدلجين)! كما يميل العقل الليبرالي بدرجات متفاوتة من الحماس إلى إهدار بعض الثوابت، والمدهش أن (الفعل الفكري التحرري) في العقل الليبرالي يتكثف حول النص الديني، مع أن أدواتهم البحثية - للتعامل مع النص - ضعيفة في الغالب، الأمر الذي يفضي إلى الخلوص إلى نتائج هزيلة وربما متنافرة مع مقاصد النص والمتطلبات المنهجية للتعامل معه من أجل فهمه وتوليد الأحكام، مما يتيح الفرصة للسلفيين للانقضاض على الليبراليين واتهامهم بالجهل و(تمييع الدين)، ويرد الليبراليون بأنه (لا كهنوت في الإسلام)، فتحتدم المواجهات الفكرية التي تصدّع الرؤوس ولا تملأها بغير الفراغ!
ومما سبق نستنتج أن العقل الليبرالي يقتحم منطقة (النص الديني) بالأساليب الخاطئة (أدوات منهجية ضعيفة)، في حين يخفق في اقتحام الفضاءات الواسعة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والحقول الفكرية المتنوّعة وهي التي تفتقر إلى الإبداع في عالمنا العربي والإسلامي، ولكنهم يحجمون عن ذلك، مع أن بعضهم يمتلك الأدوات المنهجية، فما هو السبب المفسّر لتلك الظاهرة؟ يمكننا وضع أيدينا على بعض التشخيصات المحتملة لتفسير ذلك السلوك الغريب، بل هو سلوك مستهجن، نظراً لتشدق الكثير من الليبراليين بالإبداع ومحاولة تضمين الإبداع كمفردة رئيسة في خطابهم الفكري المتضعضع.
انخفاض منسوب (الأنفة الثقافية) لدى جملة الليبراليين ينتج - ضمن أشياء أخرى - نوعاً من (التسليم المطلق) أو شبه المطلق بإنتاج الآخر وخصوصاً النتاج الغربي، علماً وفكراً، بل وممارسات أيضاً، مما يجعلهم يهيأون آذانهم لالتقاط عموم الأفكار التي تقع عليها أسماعهم، ويمكن لمن يمتلك منهم (أذناً أعجمية) - بالذات الإنجليزية والفرنسية - أن يحقّق درجة كبيرة من التميز والسبق، بل ربما أوصلوه إلى مرتبة الإبداع والريادة الفكرية، فقط لأنه أحسن في عمليات (النقل الميكانيكي) للأفكار، وأتقن في ترجمتها ومحاكاتها وإضافة بعض الهوامش والتفاصيل اليسيرة، التي غالباً ما تكون في الجانب التطبيقي، ومما يبرهن على وجود ذلك النوع من التسليم بالفكر الغربي ندرة الممارسات المنهجية النقدية التي أنجزها العقل الليبرالي لذلك الفكر، ويبررون ذلك المسلك التسطيحي بأمور متعددة، منها ما يصرح به بعضهم بأنهم يخشون من عدم فهم العامة للنقد ونتائجه؛ على نحو قد يوصلهم إلى رفض النتاج الغربي جملة وتفصيلاً، وهذا يعني أن العقل الليبرالي يمتهن وصاية فكرية لا مسوغ لها؛ وصاية ممزوجة بسلفية مطبقة للذهنية الغربية، مع أن العقل الليبرالي يزعم بأن من أدواره الفكرية المحورية أنه يسعى جاهداً إلى إزالة كل أنواع الوصايات ونزع فتائل التفكير (الماضوي) في مجتمعاتنا العربية!
وكنتيجة مكثفة نستخصلها من تحليلنا لفكرة التسليم المطلق، يمكن القول بأن العقل السلفي يذهب إلى التسليم المطلق بالنص الديني وفق التطبيقات (التفصيلية) للسلف؛ مما يجعله يؤمن بأن (تجربة السلف) بلغت أو تكاد حد الكمال المطلق، في حين ينزع العقل الليبرالي إلى التسليم المطلق بالنتاج الغربي وفق تطبيقاته الإنسانية وخصوصاً في المجالات الفكرية والسياسية؛ مما يقوده إلى الإيمان بأن (تجربة الغرب) بلغت هي الأخرى درجة الكمال المطلق أو ما يقاربها، ويؤدي هذا وذاك إلى امتناع كلا العقلين عن ممارسة منهجية نقدية لأطرهما المرجعية، فضلاً عن الممارسة الإبداعية، إذ لا باعث للعقلين على أن يبدعا، حيث يمتلكان النموذج، وعوضاً عن ذلك يستخدمان أساليب (التبرير اللا منهجي)، فالسلفي يبرر للتطبيقات السلفية ويغض الكثيرُ منهم الطرفَ عن بعض المثالب والنكبات والجرائم في التاريخ الإسلامي، وفي الاتجاه الآخر يبرر الليبراليُ للممارسات الغربية، بل قد يدافع بعضُهم عن بعض الانتهاكات والجرائم لبعض الأقطاب الغربية كاحتلال العراق وما صاحبه من تدمير وقتل ونسف لمقومات الحضارة العربية الإسلامية، وما سبق يغذي جوانب التحزّب أو التخندق لدى السلفية والليبرالية؛ الذي قد يتخذ طابعاً فكرياً أو سياسياً وإن بأشكال وأقدار متفاوتة، على الرغم من حرص السلفية والليبرالية على الظهور بخلاف ذلك.
وينعكس انخفاض (الأنفة الثقافية) على الفضاء الفكري والتعبوي لليبرالية في أمور كثيرة، من أهمها خلق بعض الأقفال الذهنية، ومنها قفل: (نحن لسنا مبدعين!)، حيث تنخفض الثقة الذاتية لدرجة تكاد تصل إلى (الإيمان) بانعدام القدرة على الإبداع في كافة الميادين التي يتواجد فيها (الأستاذ الغربي) ويعمل فيها (عبقريَته الفذة) ويُمارس عبرها (منهجيَته الدقيقة)، ولا يكتفي بعض الليبراليين بامتهان الجمود والتقليد، بل يُجهدون أنفسَهم لتصديره وإلصاقه ببقية العقول العربية بأشكال مباشرة وغير مباشرة، ولعل التمسك الشديد بالمصطلح المائي - الليبرالية - وتحمّل إشكالياته ومنغصاته الفلسفية والفكرية وعدم قدرتهم، بل عدم توجههم أصلاً لنحت مصطلحات بديلة تعكس المعنى أو المعاني الجوهرية لما ينشدون تحقيقه في رؤيتهم ومشاريعهم الفكرية، لعل ذلك كله يجسد مظهراً من مظاهر ضعف ثقة الليبراليين بأنفسهم وضعف الدافعية الداخلية على الفعل الإبداعي، والثقة في الذات والدافعية الداخلية مقومان رئيسان للإبداع، كما تؤكّد ذلك الأبحاث العلمية بتراكمية أطرها النظرية ونتائجها التطبيقية، فالعقل غير المعبأ بالثقة الذاتية والدافعية الداخلية لا يكون مهيأً البتة لأن يعمل بطريقة تستكشف زوايا التفكير الممكنة (المرونة)؛ من أجل إنتاج أكبر قدر ممكن من الأفكار (الطلاقة)؛ في محاولة جادة للوصول إلى أفكار غير نمطية (الأصالة)، وهذا يعني أنه ليس ثمة (مران ذهني) معتبر للعقل الليبرالي.
ولئن كان العقل السلفي (عقلاً استرجاعياً) نظراً لأنه يسترجع التطبيقات التفصيلية من السلف، ولا يصنعها وفق المستجدات والمتغيّرات، فكذلك العقل الليبرالي، حيث إنه (عقل استرجاعي) أو لنقل (عقل استحضاري) أي أنه يحضر التطبيقات الجاهزة من سلة المنجزات الغربية مع ولع الكثير منهم ب (الأحدث) - كنظريات ونماذج ومصطلحات - وكأن الحداثة مقياس منهجي للصحة ومعيار دقيق للجودة، مع أن التحقيق العلمي يثبت أن نسبة متزايدة من الأبحاث الغربية الحديثة تتسم بالضعف كما أن الفكر الغربي أصيب بما يشبه (الإسهال) في توليد المصطلحات، التي يفتقد أغلبها للعمق الفكري والقوة التفسيرية، وكأن توليد المصطلحات الجديدة مغامرة يحق لكل أحد أن يجربها، مما جعلنا نُغمر سنوياً بآلاف المصطلحات الجديدة في جميع الحقول العلمية والميادين الفكرية، لا سيما بعد التوسع الشديد في تأسيس المجلات والدوريات العلمية وقواعد البيانات الضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية (تشير بعض التقديرات إلى أن المصطلحات الجديدة تبلغ 40 ألف سنوياً، انظر: د. عبد اللطيف صوفي، دراسات في المكتبات والمعلومات، 2001).
وبإزاء البعد القيمي، يتسم العقل الليبرالي بأنه (عقل واقعي) - لا مثالي - بنزعة وضعية Positive، مقترنة بنسبية مطلقة Absolute Relativism ، فهو يميل إلى التناغم مع الواقع لا معاندته وتغييره، ويؤمن بأن (لكل قراءته)، وليس هنالك حسم أو قطع في شيء، فالعقل الليبرالي هنا يعمل كما تعمل (الكاميرا)، يصور الواقع ويجسده، ويجتهد العقل الليبرالي بإقناعنا على أنه: (يتوجب علينا أن نفهم الواقع جيداً ونتكيّف معه...)، ويقلّل من شأن الجهود التي تحاول إصلاح المجتمع في الجوانب الأخلاقية والأبعاد القيمية، مشدداً على أهمية تذكر الطبيعة الإنسانية التي تتضمن جانبي (الخير والشر) و(الفضيلة والرذيلة)، وهذا ما يفسر ضعف (انخراط) الكثير من الليبراليين في الأعمال التطوعية في تلك المجالات، وهو بهذا المسلك يناقض العقل السلفي الموغل في المثالية، فالأول يميل إلى (شيطنة) المجتمع ولهذا نظفر بتفسير أسباب احتفاء الليبرالية بالروايات المتطرفة التي (تفضح المسكوت عنه) كما يقولون، بعكس الثاني الذي يتجه إلى (ملكنة المجتمع) والتلبس بحساسية مفرطة تجاه أي نوع من النقد للأطر الأخلاقية والقيمية في المجتمع، في حين أن الإسلام بوسطيته وبكافة نصوصه الشرعية وتطبيقاته النبوية وجيله المعياري - متمثلاً بالصحابة رضوان الله عليهم - يؤكّد على (بشرية المجتمع) مع توزان مدهش في التعاطي مع خيره وشره وفضائله ورذائله.
وإن كان العقل السلفي يميل إلى (تعميم الاستثناء) أو (التفضيلات الشخصية) عبر التقاط بعض التطبيقات السلفية الخاصة وربما الشاذة، فالعقل الليبرالي يجنح في كثير من الأحيان إلى (تعميم الأذواق الشخصية) على أنها معيار الاعتدال والانفتاح والإنسانية، دون إيراد أي معايير يمكن الاحتكام إليها في قبول تلك (الأذواق) أو ردها، خاصة أن العقل الليبرالي يؤمن بتعددية المرجعيات وعدم قداستها، لدرجة أن بعض الليبراليين يقول: لكل مرجعيته، حينها لا بد أن يتملكنا العجب من ميل العقل الليبرالي إلى إصدار أحكام قاسية وتوزيعها بالمجان على كل من يخالفهم؛ بشعارات متنوّعة، فتارة يرفعون شعار (القيم الإنسانية أو العالمية) وتارة أخرى يتحدثون باسم (النزعة الفردية) أو (التعددية) وما شابه ذلك من الشعارات الاستعراضية الفارغة. ولتحقيق ما سبق، نجد أن العقل السلفي (يقصر الدين) ويضغطه لكي تنحسر فضاءاته الرحيبة فلا تسمح بالبدائل الممكنة - شرعاً وعقلاً - من التطبيقات والممارسات (غير السلفية)؛ أما العقل الليبرالي فهو (يمطط الدين) لكي يكون متسامحاً بدرجة كافية لتمرير كافة الممارسات والتصرفات التي تستسيغها (أذواقهم الليبرالية) حتى لو كانت مخالفة للنصوص الشرعية القطعية، وفي كلا الحالين افتئات على الدين، ووصاية فكرية غير مبررة!
والتحليل السابق يقودنا إلى التعرّف على أبرز الأسباب التي تجعل العقل الليبرالي يخفق في الاتصاف ب (الحساسية تجاه المشاكل) بوصفها إحدى مهارات التفكير الإبداعي، تلك المهارة تتجسد في القدرة على اكتشاف أكبر قدر ممكن من المشاكل وبأسرع وقت ممكن، فكما ألمحنا سابقاً أن الإنسان لا يطيق اكتشاف أي مشكلة إلا إذا كان مدركاً (1) للمفترض (أي ما يجب أن يكون)، (2) وللواقع (أي ما هو قائم فعلاً)، فإن كان ثمة عدم تطابق بينهما فإن ذلك يعني وجود مشكلة معينة، والسبب المحوري في عدم ظفر العقل الليبرالي ببعض المشاكل - التي تتخذ غالباً الطابع القيمي أو السلوكي - يرجع إلى أنه (يهمش) إلى حد كبير (المفترض) بمتطلباته الشرعية ومقتضياته الأخلاقية، إذ إنه يكتفي فكرياً بما دون الحد الأدني من (الواجب)، الأمر الذي يجعل ذهنه لا يعمل على معالجة بعض المدخلات الصحيحة في عملية التفكير، فيخفق في إجراء المقارنة بين المفترض والواقع؛ وبالتالي يفقد القدرة على تشغيل بعض أجهزة (الحساسات) التي تلتقط الإشارات على وجود هذه المشكلة أو تلك مما يؤدي ذلك إلى تكريس (الخمول الذهني) في مرحلة الاكتشاف للمشاكل وما يتبعها من تشخيص ومعالجة وابتكار للأفكار والحلول والتطبيقات.
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب 7569 ثم أرسلها إلى الكود 82244
Beraidi2@yahoo.com