Al Jazirah NewsPaper Monday  25/06/2007 G Issue 12688
مقـالات
الأثنين 10 جمادىالآخرة 1428   العدد  12688

من سيكون شاعر العرب؟!
أ.د. عبد الرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي

لقد استشاطت حمى الشعر في الآونة الأخيرة بين العرب، فهذه المنتديات وبعض الفضائيات العربية تقدم للناس - خصوصاً لمن يقرض الشعر - المسابقات لاختيار الشاعر الذي سيستحق أن يطلق عليه (شاعر العرب). لقد استشاطت حمى الشعر في الآونة الأخيرة بين العرب...

... فهذه المنتديات وبعض الفضائيات العربية تقدم للناس - خصوصاً لمن يقرض الشعر - المسابقات لاختيار الشاعر الذي سيستحق أن يطلق عليه (شاعر العرب). والمعروف أن لقب أمير الشعراء قد أطلق على امرئ القيس قبل النبوة. أما لقب شاعر العرب الأكبر فقد أطلق على أحمد بن الحسين الجعفي الملقب بأبي الطيب المتنبي منذ عشرات السنين. أما في القرن العشرين اختير الشاعر اللبناني القدير الملقب بالأخطل الصغير بأن يلقب بأمير الشعراء بعد أن شاخ وشيب فقال:

أيوم أصبحت لا سمعي ولا بصري

من ذا يغني على عود بلا وتر

ونحن نعرف أن الشعر ديوان العرب وله مواصفات. يقول أحمد أمين في مقدمته لديوان حافظ إبراهيم (1969): الشعر الجيد - في نظري - فيضان من شعور قوي، سما به الخيال، وحلاوة اللفظ، ووقع على نغمات الأوزان. فهو لا بد أن تتجمع فيه - ككل نوع من الأدب - عاطفة وخيال، وصياغة وجمال، ويمتاز الشعر بأن له لغة خاصة غير لغة النثر، وللشاعر ملكة لا يمكن توضيحها تمام الوضوح، يستطيع بها أن يتخير من ألفاظ اللغة ما يرى أنها أبعث على إثارة المشاعر، وأفعل في نفس السامع، ثم هو يضعها بعد في أساليب خاصة يتخيرها من بين التراكيب اللغوية، والأساليب الأدبية، يرى أنها تؤدي غرضه، وتخدم مأربه، كما يمتاز بما له من موسيقى عبر عنها بالبحور والأوزان، ولهذه الأوزان فعل في النفوس كفعل (رنات المثالث والمثاني) وللشاعر قدرة على ان يختار منها ما يناسب موضوعه، من رقة ولين في شعر الغزل، وقوة وجلبة في شعر الحماسة. والقصيدة على قافية قد يكون لها من الأثر في النفس ما ليس لقافية أخرى، وهكذا. وأخيراً حاجة الشاعر إلى الخيال الخصب أقوى من حاجة الناثر! فلا بد له من اختراع صور، وتأليف مناظر، ومقارنة صورة بصورة، ومنظر بمنظر، حتى يثير المشاعر، ويحرك العواطف، ويفعل في النفوس فعل السحر.

لقد أبدع بعض شعراء العرب في نظم الشعر في العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، والعصر الأموي والعصر العباسي بدون أن يميز أحدهم بلقب سوى اللقب الذي أطلق على امرئ القيس، ولكن لما جاء الشاعر المتنبي في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (303هـ إلى 354هـ)، وبدأ بإطلاق درره وأمثاله وحكمه الشعرية التي بهرت العقول والألباب، وأصبحت تردد في جميع الأصقاع العربية فملأ الدنيا وشغل الناس في عالم الشعر، وبعد وفاته بعدة عقود أطلق عليه فيلسوف العرب أبو العلاء المعري لقب (الشاعر) لأنه لا يرى شاعراً سواه. ومن ثم أطلق عليه لقب شاعر العرب الكبير (أو الأكبر). يقول غومث - المستشرق الإسباني - (1398هـ - 1978م): المتنبي شخصية مشرقية متميزة، وأطلق عليه بحق (شاعر العرب الكبير) لا لأن العصور الإسلامية التي سبقته لم تعرف شاعراً آخر في مستوى قامته، ولكن لأن شخصية أخرى غيره لم تؤثر على نحو واضح فيما تلاها من شعراء كما أثر هو، ولأنه الشاعر الكلاسيكي الأبقى حياة حتى الآن في أحاسيس الشعب العربي. لقد كان المتنبي أعظم شعراء العربية المحافظين المجيدين عبقرية في أرجح الآراء.. وحتى لو نحينا الفخر جانباً، وهو عادة عربية تنحدر من أصول بدوية.. فسوف نلتقي بشاعر الكوفة على الدوام محلقاً في السماء، ملتهب الكبرياء، نبوي النظرة أحياناً، مما يبرر إطلاق اسم المتنبي عليه. لقد تنبأ أبو الطيب بالامتداد الجغرافي غير المحدود لشهرته، وأنها سوف تضرب في الخافقين.. يقول:

وتعذلني فيك القوافي وهمتي

كأني بمدح قبل مدحك مذنب

ولكنه طال الطريق ولم أزل

أفتش عن هذا الكلام وينهب

فشرق حتى ليس للشرق مشرق

وغرب حتى ليس للغرب مغرب

إذا قلته لم يمتنع من وصوله

جدار معلى أو خباء مطنب

ويقول غومث أيضاً: لقد أبدع المتنبي في جوانب متنوعة عالماً شعرياً كاملاً.. إنه نسيج بالغ الدقة، لحمته موسيقى متوترة تبلغ معها اللغة العربية ذروة دقتها، وسداه في جانب منه عناصر يمكن أن ندعوها ثقافية من فلسفة وحكمة وذكاء. وفي جانب آخر منها عناصر تشكيلية أو وصفوية، والإيقاع الموسيقي فيها مما لا يمكن نقله إلى أية لغة أخرى. من الذي أوتي القدرة على أن يصور في كلمات مجردة لحناً معقداً؟ وشيء من هذا ينطبق أيضاً على الحكم التي تضمنها شعره.. ولما يزل - المتنبي - على قيد الحياة فإن أية مدينة من المدن التي مر بها شهدت مولد حلقة أدبية تدرسه، وتقيم شعره، وتدير النقاش حول قصائده، وبعد موته اتسعت هذه الحلقة واتصلت حتى كونت شبكة قوية متماسكة، والحق انه شاعر كلاسيكي عظيم ما زال شعره حتى يومنا هذا ينبض حيوية وحركة، وكأي نص كلاسيكي حقيقي آخر يتيح لكل جيل جديد أن يفسره ويفهمه بطريقته الخاصة ويقاوم في شدة أن يتحول إلى مجرد أثر أدبي. ويقول الدسوقي (1408هـ - 1988م): إن أشعاره - أشعار المتنبي - تلذ العين، وتلذ الأذن، وتلذ القلب، وتلذ العقل. ويقول الدسوقي أيضاً: ما أصدق العبارة المشهورة التي قالها منذ أعوام طوال الناقد المغربي ابن رشيق القيرواني، وحفظها لنا كتاب العمدة: (ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس). ويقول أدونيس (1979م): .. إن شعره - شعر المتنبي - كتاب في عظمة الشخص الإنسانية، يسيره الجدل بين اللا نهاية والمحدودية والطموح الذي لا يعرف غاية ينتهي عندها، والعالم الهرم الذي لا يقدر أن يتحرك ويساير الطموح، لقد خلق المتنبي طبيعة كاملة من الكلمات في مستوى طموحه: ترج، تتقدم، تجرف، تهجم، تقهر، تتخطى، كأنها جواب كيانه الداخلي وامتداده وتكملته.. المتنبي روح جامحة، تياهة، تتلاقى فيها أطراف الدنيا. إنه وحيد، بل الوحيد، فوحدته قدر محتوم لأن الإنسان (خليل) نفسه كل متفرد وحيد. نقول: يقول المتنبي:

وما الدهر إلا من رواة قلائدي (قصائدي)

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً

فسار به من لا يسير مشمراً

وغنى به من لا يغني مغرداً

أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما

بشعري أتاك المادحون مردداً

ودع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الصائح المحكي والآخر الصدى

نتمنى التوفيق والسداد لمن يختار من الشعراء ليطلق عليه لقب شاعر العرب لأن أمة العرب قد وصلت إلى أوج تقدمها وتطورها وتحتاج إلى شاعر يذكر هذا في شعره. هذا والله من وراء القصد.

الرياض: 11642 ص.ب: 87416

***

المراجع:

ديوان حافظ إبراهيم، 1969م بيروت.

أدونيس، 1979م،. (مقدمة للشعر العربي). دار العودة - بيروت.

الدسوقي، عبد العزيز، 1408هـ - 1988م. (في عالم المتنبي). دار الشروق - بيروت.

غومث، إميليوغوسيه، 1398هـ - 1978م. (مع شعراء الأندلس والمتنبي) تعريب: د. الطاهر أحمد مكي. دار المعارف - القاهرة.

Dr.a.hawawi@hotmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5834 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد