محمد الصادق
العلاقات الوطيدة التي تربط بين شعبي المملكة العربية السعودية وبولندا هي انعكاس للعلاقات المتينة إلى رسخها القادة والزعماء في البلدين، وأضفي عليها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أبعادا جديدة في جميع المجالات زادتها وعمقتها رسوخا، فالتعاون العلمي والثقافي أصبح أكثر بروزا وسطوعا. ورغم أن العلاقات تعود إلى سنوات ضاربة في عمق التاريخ، فتعود حسب ما يرصده المؤرخون إلى العام 1417م حين قام الكونت البولندي فاتسواف جيفوسكي بزيارة إلى الجزيرة العربية لاقتناء بعض الخيول العربية الأصيلة، ومن هذا التاريخ لم تنقطع الاتصالات إلا لتداعيات الحروب العالمية، فقبل سبعين عاما قام الملك فيصل - يرحمه الله - في مايو من العام 1932، وكان وقتها وزيرا للخارجية، بزيارة مهمة إلى بولندا رداً على زيارة قام بها وفد بولندي إلى المملكة في إبريل من العام 1930م، وبرزت العلاقات في أواخر التسعينات الميلادية، وتكللت بإقامة علاقات دبلوماسية في العام 1995م على أعلى المستويات بافتتاح سفارتي البلدين في الرياض في يونيو للعام 1998م وفي وارسو في 30 نوفمبر للعام 2001م.
عوامل مشتركة
ما بين المملكة العربية السعودية وبولندا عوامل مشتركة كثيرة، يعبر عنها التوافق الثقافي والميول الإبداعية للشعبين، وتجلى ذلك في العديد من الفعاليات المشتركة بين البلدين بالإضافة إلى الدور الذي تقدمه المملكة من خلال المؤسسات الثقافية والخدمية والمراكز السعودية في بولندا وإعانات المسلمين هناك. يمتد هذا التعاون والتواصل إلى النواحي العلمية والإبداعية والفنية، فقد احتضنت الرياض مؤخرا المعرض التشكيلي للفنانين السعوديين والبولنديين الذي أقامه مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والسفارة البولندية، ليمثل تعميقا وترسيخا لهذه العلاقة، ومثل هذه المعارض تضفي أبعادا جديدة للعلاقات.
كما أن عملية إجراء فصل التوأم السيامي البولندي في المملكة كانت مثالا بارزا على ذلك، ولقيت هذه العملية أصداء طيبة كشفت عنها في الرسومات والفنون التشكيلية الجميلة التي أظهرت مدى تأثر البولنديين بموقف المملكة، حيث رسموا في حينها نخلة ينهمر منها الخير، ومسجدا تشع منه الابتسامة، وصورا للملك عبدالله تبرز موقفه الإنساني النبيل، وأعادت هذه العملية إلى الأذهان العصر الذهبي للإسلام.
وتأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى بولندا مفعمة بالأمل في توطيد علاقات التعاون، بما ينعكس بالخير على البلدين، فالدور الذي يقوم به الملك عبدالله بن عبدالعزيز يسهم في رفعة الأمة العربية والإسلامية من خلال بذل الجهود وتقديم المساهمات للمسلمين والعرب في كل مكان وتوطيد أواصر الصداقة والتعاون مع الدول الأجنبية بما يفيد قضايا الإسلام والعرب، كما أن العمل الخيري النبيل يترك أثراً إنسانياً كبيراً لدى الشعوب ويؤدي إلى تحسين سمعة العرب والمسلمين.
هذا النشاط والجهد الملموس حدا بالجاليات العربية في مختلف بقاع الأرض إلى توجيه الشكر والامتنان للمملكة لإسهامها في تقديم صورة صحيحة عنهم، ويؤكد ذلك ما بعثه
مجموعة من الجاليات العربية المسلمة في جمهورية بولندا من رسائل عرفان وامتنان إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز تبرز الأثر الإنساني والاجتماعي الذي تعيشه الجالية الإسلامية العربية في أوروبا وبولندا سواء من خلال الدور المهم الذي تقدمه الدبلوماسية السعودية هناك بتوجهات خادم الحرمين الشريفين أو بلفتاته الإنسانية تحديداً بعد مبادرته وتكفله بنفقات عملية فصل التوأم السيامي البولندي داريا وأولغا التي تمت بمدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني بالرياض، حيث انهالت الرسائل التي تحمل إعجابا كبيرا بالنهضة العلمية والثقافية للمملكة وما أسبغه خادم الحرمين الشريفين من فكر متطور يواكب متطلبات العصر.
مكانة مميزة
وتلعب المشاركات الثقافية الخارجية للمملكة دوراً مهماً في التعبير عن مكانة وثقل المملكة وحرصها على توطيد العلاقات في المجالات الثقافية والعلمية والأدبية. ويثمن المراقبون هذا الجهد والدور، مؤكدين أن ما يقوم به خادم الحرمين الشريفين قَلَب موازين النظرة التشاؤمية للإسلام وأهله وأنه تسبب في تغيير نظرة الكثير من الشعب البولندي تجاه العالم العربي والتعاطف مع قضاياه.
وانطلاقا من مكانة المملكة المرموقة في العالم العربي والمركز القيادي لها بين دول العالم الإسلامي لم يقتصر تقديم المساعدات وتعزيز سبل التعاون مع الدول العربية الشقيقة، والدول الإسلامية، بل تعدى ذلك إلى دول العالم الصديقة للمملكة ومنها بولندا. ورغم أنه من الصعب تحديد عدد المسلمين في بولندا بشكل دقيق حيث إنه لا توجد أي إحصائيات رسمية في هذا الموضوع إلا أن البعض يقدرهم بما لا يقل عن 5000 شخص ولا يزيد على 30000 شخص، في حين يصل عدد سكان بولندا إلى 40 مليون نسمة. ويعد مجتمع المسلمين في بولندا مجتمعا متنوعا، حيث إنه غير موحَّد من ناحية أصول المسلمين أو عملهم أو مكان إقامتهم أو حتى من ناحية تدينهم.
طرأت على المجتمع الإسلامي في بولندا تغيرات كبيرة، ففي فترة التسعينات كان التتار يمثلون النسبة الأكبر فيه، ولكن أصبح المجتمع الإسلامي الحالي في بولندا يتكون من المعتنقين للديانة الإسلامية الجدد ومن المهاجرين مع أبنائهم ومن ضمنهم المهاجرون الذين اندمجوا بشكل كامل مع المجتمع البولندي والمهاجرين الجدد الذين ما زالوا في بعض الأحيان لم يتمكنوا من إجادة اللغة البولندية، وبالتالي أصبحت علاقاتهم بالمجتمع البولندي محدودة. وتعد الرابطة الإسلامية هناك أكبر وأهم منظمة إسلامية تم تأسيسها القانوني في 21 إبريل عام 1936 وكانت حتى عام 1989 المنظمة الإسلامية الوحيدة. ويرأس الرابطة حاليا السيد توماش ميشكيفيتش وهو يلقب نفسه أيضا بلقب مفتي الجمهورية البولندية. ودرس توماش ميشكيفيتش في المملكة العربية السعودية، كما أنه أصبح ممثلا للاتحاد العالمي لشباب المسلمين في بولندا. وتحتوي المنظمة على حوالي 5000 مسلم، و تملك الرابطة ثلاثة مساجد، وهناك مسجدان خشبيان في بوخونيكي وكروشينياني، اللذان يعدان أقدم المساجد الأثرية في بولندا، والمسجد الثالث الجديد في مدينة غدانسك، أما في باقي المدن فتستخدم البيوت السكنية التي تأسست لهذا الهدف كمساجد.
أما المؤسسة الإسلامية الثانية في بولندا فهي الجامعة الإسلامية في الجمهورية البولندية التي تأسست في يناير عام 2004 بناء على موافقة وزارة الداخلية البولندية بتأييدها كرابطة دينية. أنشئت المؤسسة نتيجة لتضامن جمعية الطلبة المسلمين والمركز الثقافي الإسلامي (تأسس في عام 1996)، وتبين عملية تأسيس تلك الجمعيات وانضمامها مراحل نمو المجتمع الإسلامي في بولندا. كان تأسيس رابطة الطلبة المسلمين في بولندا ناتجا عن قدوم مجموعات كبيرة من الطلبة العرب. أما تأسيس المركز الثقافي الإسلامي فقد كان متعلقا برغبة المسلمين الذين بعد إنهاء دراستهم لم يرجعوا إلى بلادهم في استمرار نشاطهم الثقافي والديني في إطار جمعية واحدة.
إبداع ثقافي
أما عن الإبداع الأدبي ففي بولندا يقبل المثقفون على قراءة الأدب العربي والخليجي خاصة السعودي، فهناك كتابات الكاتبة البولندية بربارا ميخالاك بيكولسكا التي حصلت على الماجستير في اللغة والأدب العربي التي تتناول المجتمع الخليجي خاصة السعودي والمرأة في المملكة وتحديداً العمل القصصي الحديث للكاتبات السعوديات.. وتشهد الساحة الأدبية في بولندا حراكا ثقافيا كبيرا، فقد حازت بولندا على جائزة نوبل للأدب أربع مرات، وكانت عطاءات أدبائها مميزة وهم: هنري سنكيج حازها في فن الرواية عام 1905 وكوجارمسكي في روايته (الفلاحون) عام 1924م، كافما وايموت في الشعر عام 1980 وأخيراً الشاعرة باشن يوسكا عام 1996م.
كما هناك جامعات في بولندا تدرس علوم اللغة العربية واللغات الأخرى، وفيها مزيج من العرب والمسلمين، وهناك تعاون مثمر بين الجامعات السعودية وعدد من الجامعات والمراكز العلمية البولندية، فقد تخرج الشيخ أحمد توماش ميشكيفيتش في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وهو في الوقت الحالي مفتي المسلمين البولنديين، وبذلك يكون أول خريج بولندي في جامعة سعودية، كما لم تتوقف ضيافة خادم الحرمين الشريفين للمسلمين البولنديين لأداء فريضة الحج كل عام، وهذا تقليد يعود لسنوات.
وعن الصلات العلمية لم تتوقف النشاطات المتبادلة، فهناك الندوات والمؤتمرات التي تعقد، كما تم تزويد مكتبات أقسام الدراسات العربية والإسلامية في جامعة وارسو وجامعة ياغيللونسكي في مدينة كراكوف وجامعة آدم ميتسكيفيتش في مدينة بوزنان وجامعة نيكولاس كوبرنيكوس في مدينة تورون بمجموعة كبيرة من الكتب مهداة من معهد الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وشهد البلدان تبادل الزيارات العلمية فقام وفد من وزارة التعليم العالي بزيارة لبولندا ضم ممثلين عن بعض المؤسسات العلمية والثقافية في المملكة العام الماضي، كما تمت زيارة وزير التعليم العالي البولندي للمملكة.
ولم تتوقف الزيارات المتبادلة بين وفود وزارتي التعليم والمؤسسات التعليمية في البلدين، وهذه الزيارات أدت إلى تفعيل عمليات تبادل البعثات والمنح الدراسية بين البلدين، كما زار مدينة كراكوف البولندية أساتذة سعوديون لإعطاء دروس في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة ياغيللونسكي.
كما أن الزيارات بين كبار المسؤولين في البلدين تشهد نموا مطردا، إضافة إلى التبادل العلمي وتبادل البعثات والمنح الدراسية. ويؤكد المراقبون أن هذه الزيارة لها أهمية كبرى؛ نظرا لما تمثله المملكة من ثقل مؤثر وبارز ليس على مستوى الشرق الأوسط فحسب بل وعلى المستوى الدولي، ولترؤس المملكة الجامعات العربية وبدورها كرئيس للمؤتمر الإسلامي، كما أن المملكة تولي بولندا اهتماما خاصا نظرا لأهميتها الاستراتيجية ولكونها عضوا مهما في الاتحاد الأوروبي، حيث تعتبر سادس أكبر قوة فيه، بالإضافة إلى دلالة سرعة نمو اقتصادها والإمكانيات البشرية المتوافرة لديها.