الأمن قيمة إسلامية قبل أن يكون قيمة وطنية وأخلاقية وإنسانية، وقبل أن يكون وظيفة تُوكل إلى عدد من الأفراد النظاميين، فقد ارتقى به الله سبحانه وتعالى إلى مستوى الإطعام من الجوع، في قوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (4) سورة قريش، لذا يصبح الأمن ضرورة حياتية ومسؤولية جماعية، وليس فرض كفاية، بل فرض عين على الجميع، لأن كل ما يهدد الأمن فهو منكر، وكل مسلم مطالب بإزالة المنكر بالوسيلة المتاحة.
الأمن مفهوم عميق، ينطلق من حب الأوطان، والوفاء لها، وحب المجتمع والحرص على سلامته، وكذلك من دواعي طاعة ولاة الأمر، ومحبتهم، والوفاء لهم، والحرص على سلامة الأوطان التي هم قائمون على صونها وحمايتها والرفعة من شأنها، والارتقاء بها، والحرص على رفاهية وأمن واستقرار المواطنين والمقيمين بها.
لذا يصبح على كل مواطن ومقيم في هذا البلد الأمين أن يكون عيناً ساهرة على مصالح الوطن، وحذر من كل ما يهدد أمنه واستقراره، وأن يكون أميناً في هذا الجانب، حتى إذا رأى أمراً مريباً، لا يقف مكتوف اليدين بل يسارع بإبلاغ الجهات الأمنية لكي تقوم بالواجب، وتجنب البلاد والمواطنين والمقيمين والمنشآت المخاطر المحتملة.
وهل تبنى الأوطان وتنهض الشعوب وتقام المشاريع وتنتشر التنمية في ربوع أي بلد إلا في ظل الأمن والأمان، وهل ينام الفرد أو المجموعات بلا أمن ولا استقرار؟ لا شك أن الأمن هو الدعامة الأساسية لتحقيق الرخاء والوفرة والعيش الكريم والرفاهية وتقدم الشعوب، هو الذي يؤسس لأركان المجتمعات، ولسعادة الأفراد، وهو كل ما تحلم به الشعوب والدول والأفراد والجماعات، بل حلم كل الكائنات، إذ لا يستطيع كائن أن يهنأ بالعيش بلا أمان، هو الطموح الذي يراود كل الأمم، والغاية التي يسعى إليها الناس من خلال العلم والبناء والتطور، ومن يحققها فقد أفلح في دنياه، حتى التعبد لا يكون خاشعاً إلا في ظل توفر الأمن والأمان.قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) هذه قيمة الأمن في منظور الإسلام، تم تقديمه على الصحة في البدن، وامتلاك قوت اليوم، وهذا يقودنا إلى فهم رفيع لهذه القيمة التي لا تقدر بثمن، ومن ثم معرفة أي جرم يرتكبه من يخل بالأمن ويزعزع الاستقرار؟ ليدرك الجميع أن من يقوم بزعزعة الأمن في وطنه، إنما يرعب نفسه وأهله وأسرته قبل الآخرين، فلا إنسانية له ولا انتماء له، لا للوطن ولا للأهل ولا العشيرة، لأنه يعرضهم جميعاً للهلاك والدمار.
طالما الأمن يعني لدينا كل شيء لنقف جميعاً ضدر من يتعدى على هذه القيمة الغالية على الجميع، لأن تحقيق الأمن والاستقرار، مسؤوليتنا كلنا دون استثناء، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، مواطنين ومقيمين، رجال أمن ورجال شارع، على حد سواء لأننا نود أن ننعم جميعاً بهذه النعمة الغالية، فلا بد أن نحميها ونصونها، ولا نعتبر تحقيق الأمن أمراً خاصاً فقط بالأجهزة الأمنية وحسب، فتعاوننا جميعاً هو صمام الأمان للوطن والنماء والازدهار والتقدم لأجيالنا الحاضرة والمستقبلية.
ولقد شهدنا كيف كان لعين المواطن وحسه الأمني الدور الفاعل في مساندة رجال الأمن في الكشف عن الكثير من مخططات ونوايا عناصر الفئة الضالة، وما كانت تضمر لهذا الوطن الغالي، فتكاتف الجميع يمثل السد المنيع أمام المحاولات اليائسة لمن يريدون زعزعة الأمن والاستقرار الذي تنعم به بلادنا وهو ما يميزها عن الكثير من دول العالم، فلنحافظ على هذه الميزة بوقوفنا جميعاً خلف رجال الأمن البواسل، للحفاظ على الأمن والاستقرار وإفشال كل محاولات الزعزعة التي تقوم بها فلول الضلال والظلام والبغي والفساد.