الجزيرة - القسم السياسي
تحتل بولندا موقعها في وسط القارة الأوروبية. ويقع بالقرب من العاصمة وارسو مركز قارة أوروبا، وتحتل المركز التاسع من حيث المساحة على مستوى أوروبا، والمركز 63 على مستوى العالم. وقد تم تحديد الأراضي البولندية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وذلك بواسطة الدول المنتصرة في الحرب، وقد أدى ذلك إلى فقدان بولندا مساحات تبلغ 20% من إجمالي مساحتها قبل الحرب.
تقسيم الأراضي البولندية
تم في عام 1999 العمل بالتقسيم الجديد للأراضي البولندية والذي يشتمل على المحافظات والمراكز والوحدات المحلية. وتقوم أجهزة الحكم المحلي على أساس الوحدات المحلية (2489 وحدة)، والمراكز (306 مراكز) و 16 محافظة تجمع بين الحكم المحلي والمركزي. أما المدن الكبرى فهي وارسو، وودج، كراكوف، فروتسواف، بوزنان، جدانسك، شتشيتشين، بيدجوشتش، كاتوفيتسي، لوبلين.
التاريخ
إن شعار بولندا (النسر) هو شعار حاضر ضمن الرموز السياسية الأوروبية منذ ما يزيد على ألف عام، أما اسم الدولة (بولندا) فمشتق من قبيلة ال(بولان) الذين سكنوا منذ بدايات العصور الوسطى الأراضي التابعة حالياً للبلاد، حيث قامت تلك القبائل في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي بتوحيد كافة الأراضي تقريباً الواقعة في حوضي نهري (أودر) و(فيستولا).
وكان دخول بولندا في المسيحية إبان حكم الأمير (ميشكو الأول) بمثابة نقطة تحول في تاريخ البلاد، حيث خضعت بولندا لتأثير الحضارة الأوروبية الغربية وتبنت الأبجدية اللاتينية.
ويعتبر (بوليسلاوس الشجاع) أول ملوك بولندا (1025م). وكان مما ساهم في التطور الاقتصادي والثقافي السريع الذي شهدته بولندا هو النمو الذي طرأ على المدن التي قامت تبعاً للقانون المدني الألماني وقيام الأنظمة الدينية في بولندا. فالمدن التي كانت قائمة مثل (كراكوف)، (بوزنان)، (جنيزنو)، (تورون)، (جدانسك)، (فروتسواف) شهدت بناء الكنائس القوطية وازدهار التجارة والفنون.
إن أسرة (بياست) الحاكمة التي أسست دولة بولندا ظلت في الحكم حتى القرن الرابع عشر، وفي القرن الرابع عشر قام في بولندا نظام سياسي فريد وهو نظام ديمقراطية النبلاء. وكان حجم فئة النبلاء كبيراً نسبياً في بولندا يصل إلى 10 بالمائة من مجموع السكان، وتمتع النبلاء بتأثير ملحوظ على الملك وشئون البلاد. فمنذ القرن الرابع عشر أخذ ممثلو النبلاء في تكوين مجالس محلية مما أدى إلى تأسيس البرلمان. وفي عام 1505 وافق الملك على قرار (لا جديد) والذي ينص على عدم إمكانية فرض أي وضع جديد دون الحصول على موافقة النبلاء. وفي عام 1573 أصبح الحكم انتخابياً مع دعوة كل النبلاء إلى المشاركة في الانتخابات الحرة، وأصبحت سلطة ملوك بولندا مماثلة لسلطة رؤساء الدول في عصرنا الحالي. فقبل تتويج الملك كان يتعيّن عليه التعهد بمراعاة حقوق النبلاء بما في ذلك حق الحصانة وحرية العقيدة، وهو ما يمثّل شكلاً فريداً للحكم على مستوى أوروبا، ونتج عنه وصول العديد من غير البولنديين إلى الحكم، بل منهم من لم يكن يتحدث اللغة البولندية. وفي القرن السادس عشر الذي شهد حروباً دينية في أوروبا كانت الفكرة السائدة في بولندا هي أيديولوجيا (الحرية الذهبية) وتقبل الاختلاف في تلك الدولة متعددة الأجناس، مما جعل من بولندا مقراً لما يسمى بالتسامح الديني ومكاناً تتعايش فيه مختلف العقائد سلمياً: الكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة البروتستانتية، والكنيسة الأرثوذكسية، والديانة اليهودية.
وشهد القرن السابع عشر نقل عاصمة البلاد من مدينة (كراكوف) إلى مدينة (وارسو) نتيجة للتغيّرات التي طرأت على أولويات السياسة الخارجية، والتحول من وسط أوروبا إلى الاهتمام بالمناطق الشرقية (روسيا) والشمالية (إقليم بحر البلطيق). وقد شن الملوك المنتخبون حروباً ضد السويد والأتراك وهي حروب كان لها دور كبير في تحديد مستقبل أوروبا. ففي عام 1683 نجح الملك البولندي (يان سوبيسكي الثالث) في هزيمة الأتراك في معركة فيينا مما ساهم في وقف المد التركي داخل أوروبا.
وقد خلق النبلاء تصوراً أيديولوجياً خاصاً بأنفسهم باعتبارهم (حائط المسيحية الحصين) وباعتبار بولندا قائمة على حماية الحضارة المسيحية بأكملها ضد التهديدات الآتية من الشرق، وكان على النبلاء القيام بتلك المهمة. وقد تشكلت تلك الأيديولوجيا كرد فعل لتعاظم القوة والانتصارات العسكرية التي حققتها كل من روسيا والإمبراطورية العثمانية. وكثيراً ما تتم الإشارة إلى دور الأوضاع الجيوسياسية باعتبارها هي المسئولة عن المسار التاريخي لبولندا، حيث كان الموقع الإستراتيجي لبولندا عند نقطة التقاطع بين الشرق والغرب أن جعل من بولندا مقراً للتجار والرحالة والمبشّرين والفنانين. كما كانت البلاد في حالات كثيرة أرضاً للمعارك بينها وبين الدول المجاورة.
وفي القرن الثامن عشر لم تعد بولندا قوة أوروبية حيث خضعت للسياسات التوسعية للقوة المجاورة وهي النمسا وبروسيا وروسيا. وشهد عام 1772 قيام هذه الدول بتقسيم أجزاء من بولندا فيما بينها، وهو ما يعرف بالتقسيم الأول. وفي 3 مايو من عام 1791 قام البرلمان بوضع دستور يهدف إلى إصلاح الدولة وتحديثها بما يتفق مع روح عصر التنوير. وكان هذا الدستور هو أول دستور معتمد في أوروبا وقد صدر قبل الدستور الفرنسي بأربعة أشهر، كما أنه الثاني على مستوى العالم بعد دستور الولايات المتحدة الأمريكية.
إلا أن الإصلاحات الواردة في (دستور الثالث من مايو) لم تخضع للتنفيذ، وفي عام 1793 قامت روسيا وبروسيا بتقسيم بولندا للمرة الثانية، وبعدها بعامين قامت روسيا وبروسيا والنمسا بتقسيم الأراضي البولندية بأكملها وضمها إلى تلك الدول، وهكذا اختفت بولندا من خريطة أوروبا على مدى مائة عام. وقد عادت بولندا كدولة مستقلة لتحتل موقعها على خريطة أوروبا في عام 1918 مع نهاية الحرب العالمية الأولى . وشهدت العشرينيات والثلاثينيات جهوداً لإعادة توحيد بولندا كوحدة واحدة وذلك بعد قرن من التقسيم.
قامت الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر 1939م، وتعرضت بولندا لهجوم من ألمانيا فواجهت آلة الحرب النازية مقاومة بولندية مسلحة، ثم قام الاتحاد السوفيتي بغزو الأراضي البولندية يوم 17 سبتمبر من نفس العام، واتفقت كل من ألمانيا والاتحاد السوفيتي على تقسيم بولندا فيما بينهما. كانت بولندا هي الهدف الأول للحرب العالمية الثانية، ونظراً لفقدها استقلالها تحولت في نفس الوقت إلى حليف مهم ضمن التحالف المناهض للنازية.
وفي (مؤتمر يالتا) بدلاً من منح بولندا حق السيادة، جاء الاتفاق بين تشيرتشل وروزفلت وستالين على أن تصبح بولندا دولة تابعة للاتحاد السوفيتي لمدة نصف قرن.
وفي عام 1988 ونتيجة للتغيّرات التي تمت على الساحة الدولية (ومنها الإصلاحات التي قام بها جورباتشوف) إضافة إلى الأحداث الجارية داخل البلاد (الانهيار الاقتصادي والإضرابات) قررت الحكومة البدء في حوار مع المعارضة.
وفي فبراير (شباط) 1989 ولأول مرة في تاريخ بولندا ما بعد الحرب وفي تاريخ الكتلة السوفيتية، تم عقد اجتماع مائدة مستديرة بين ممثلي الحكومة والمعارضة الديمقراطية. وفي اجتماع (المائدة المستديرة) تمت صياغة بعض القواعد التي تحدد دور المعارضة في الحكومة.
وفي يونيو (حزيران) 1989 تم عقد انتخابات برلمانية شاركت فيها المعارضة، مع ضمان احتفاظ الشيوعيين بغالبية المقاعد، ومع ذلك تم انتخاب أحد ممثلي المعارضة وهو (تاديوش مازوفيتسكي) في منتصب رئيس الوزراء وتم تشكيل حكومة تحت زعامة حركة (التضامن). وقد أعقب هذا الحدث سلسلة من التغييرات السياسية السريعة في أوروبا الشرقية والتي أصبحت علامة على بداية انتهاء الأنظمة السياسية السوفيتية الطابع. وقد ترتب على هذه التغيّرات إزالة حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة وعودة بولندا إلى كنف العالم الديمقراطي.
وفي عام 1990 تقدمت حكومة رئيس الوزراء تاديوش مازوفيتسكي بإصلاحات اقتصادية كبيرة المدى مقدمة من (ليشيك بالتسيروفيتش)، وكانت تلك الإصلاحات تهدف إلى وقف الارتفاع الشديد في معدلات التضخم، وتحرير الاقتصاد والخصخصة، وما لبث النظام السياسي القديم أن انهار تماماً.
وفي يناير - كانون الثاني 1990 تم حل الحزب البولندي للعمال المتحدين. وفي ديسمبر - كانون أول فاز ليخ فاونسا في انتخابات الرئاسة. وشهدت السنوات التالية قيام عديد من الأحزاب السياسية المتنافسة التي خرجت من إطار حركة (التضامن).
وفي أعقاب حل مختلف الاتفاقيات الشيوعية مثل اتفاقية وارسو، واتفاقية (كوميكون) أي مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل) سارت بولندا على طريق التكامل مع أوروبا الغربية وبناء علاقات جديدة مع جاراتها.