Al Jazirah NewsPaper Tuesday  26/06/2007 G Issue 12689
مدارات شعبية
الثلاثاء 11 جمادىالآخرة 1428   العدد  12689

انكفاءة متلهفة على (دمعة غريب) لمتعب العنزي!!
لماذا جاب الشاعر قفار الغربة وكفكف دموعه بطرف عمامته؟

كتب - محمد المنيع

(دمعة غريب) حداء شمالي متثاقل يحتسي الجلد والصبر والعنفوان يتسامى بشموخ عجيب.. تطاول مهيب للمرجلة والنواميس من الخارج.. ولكنه يحمل في داخله لمسة حنان شفافة وضعيفة مثل النسيم العليل في شفافيتها وحنانها!!

هذا هو ما حلق في مخيلتي عن الشاعر متعب العنزي وأنا أقرأ ديوانه (دمعة غريب) وأتذكر ذلك الرجل الذي يمثل الحداء الشمالي بكل جوانبه المتناقضة..

لقد عرفت هذا الرجل عن قرب، وقرأت شعره عن قرب أيضاً فوجدت فيه ملامح لا يمكن أن تنساها أبداً.. ومع ذلك يعيش في غربة دائمة رغم حب الناس له ولشعره وإبداعه تأملوه:

عانيت من دنيا الشقا والتعاسة

حتى أصبحت دنياي مالي بها شي

وكذلك:

ما أحد عرف وش صاب قلبي ولفا

يلفني مثل المعاصير لساس

وحينما يتحدث البحر ليكافئه بدموعه وهمومه!!

تتداعى الغربة من حيث لا يدري الشاعر:

(خذ يا بحر مني شقاية وأجازيك)

أجزيك بدموع بدموعي تزيدك وترضيك

واعطيك من همي لجرحك تداوي

غربة أخرى ولكن هذه المرة مع الليل:

يا ليل كان آخر طريقك تمره

قل له وش اللي صار بيني وبينك

شهد نجومك والقمر والمجرة

خله يشوف ساهرك لي بعينك

كثرهم الشعراء الذين طلبوا من الليل ايصال رسائلهم المباشرة وغير المباشرة إلى المحبوب!! لكن أن يشهد الشاعر الليل والقمر والنجوم والمجرة على المساهرة وبطريقة تعففية شمالية المنهج والمضمون:

(يا ليل كان آخر طريقك تمره.. قل له!!)

وتتطاول الغربة على ذلك المبدع حتى أنك تتخيل الشاعر وهو فوق ناقته الشمالية والسفايف تروعها في ليلة باردة وهو يهيجن ويردد:

زاد الأسى والجور بالحيل بالحيل

ما أحد رضى والنار تاكل يدينه

(ما أحد رضى والنار تاكل يدينه) مثل شعبي واقعي مذهل!!

وتبلغ الغربة مداها عند شاعرنا عندما يتعلى أعلى مراقيب التقرب والوحشة والاستسلام الشامخ عندما يقرر:

قالوا عليل يمكن إنه توفى

ياما نشدنا!! ما لقينا له أرماس

ترى هل يملك أحد الشعراء التصريح بهذه العبارة وبتلك الجرأة الغريبة لولا غربته التي ظلت تطارده حتى وهو بيننا!!

تقول د. سميرة التويجري عن متعب العنزي:

(هذا الرجل) متعب العنزي، قال القصيدة عفواً وكما يتحدث كل الناس عن احساساتهم بكلمات عادية يتحدث هو عما يجول في داخله فيتكلم شعراً وليس شعراً فحسب، بل شعر جميل فياض بالعواطف النبيلة.

وفي كتابه مدن الشعر:

يعقب المبدع عبد الله الزازن على د. سمير بقوله: (إن أقرب من يدرك معاناة الشعراء هم النساء!!).

ومن خلال تلك الغربة الشمالية المتمثلة في متعب العنزي وشعره ترى كم من مبدع يعيشون تلك الغربة بيننا ونراهم يجوبون القفار ويتلثمون بالآهات ويكفكفون دموعهم بأطراف عمائمهم النقية والناس لا تدري عن أحوالهم شيئاً إلا الذكر الحسن والشموخ البدوي العفيف وكم هي صادقة.

د. سميرة التويجري عندما قالت عنه:

(فالشاعر حزين، ميال للكآبة، يشتاق وينكوي ولا تتحقق أحلامه ولا تتبلور أمانيه حتى في قصائده التي تنشر الفرح تراه يفرح لحظته ثم يخاف على لحظة الفرحة أن يغتالها الحزن، وتراه يضيق بأحزانه يتطلع إلى شعاع من الشمس في مياهه الباردة).


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد