لقد عرفت (رجل خميس مشيط) عبدالعزيز بن سعيد بن مشيط معرفة جيدة، وارتبطت معه بعمل ما استوجب اللقاء به في خميس مشيط والرياض مرّات كثيرة، فهو شخصية مركبة من الحزم والذكاء والرحمة واللين والتواضع، إلى جانب روح النكتة والطرافة وسعة الصدر، وقَبْل ذلك وبَعْدَه مخافة الله وطاعته..
وأذهلني عبدالعزيز بن مشيط بكَرَمِه الكبير في الصبر على أغلاط ضيفه في زيارتي الأولى له في خميس مشيط، ولم يعاتبني قطّ، ولا أظنه إلا يتمثل ب (لعلَّ لهُ عُذراً وأنتَ تَلُومُ)، فلم أقابله في الموعد المحدّد قطّ، فلابدّ من التأخير ربع ساعة أو ساعة، وذلك منذ المقابلة الأولى لَمّا تأخرتُ على ابن مشيط للسلام الأول عليه، فمرّني هو في الفندق يُرحّب ويُهلّي، واعتذر هو!! لأنه على موعد ثابت أسبوعياً مع صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل.
والتقيت مرة ثانية برجل خميس مشيط في مكتبه في المحافظة قبل تقاعده، وبعد أن أخذت مكاني في المجلس، لم أُفرِّق بين الرئيس ومرؤوسيه، وبين المحافظ وموظفيه، ذلك لتواضعه ولأنه يَعتمدُ روح العمل الجماعي ويَنبذُ المركزية، وأنه مِمّن يُحسن فن الاستماع وتَقبُّل رأي الآخر، فقد قال المحافظ لأحد موظفيه: (الأفضل في نظري إحالة المعاملة كما هي إلى البلدية وننتظر ردّهم).. فردّ عليه الموظف: (أبداً طال عمرك، الوقت لا يتّسع لهذا، والأفضل أن أذهب لهم بالمعاملة مع توجيه خطابيّ منك لهم، والاتصال الهاتفي بهم، للمبادرة بالتحرك سريعاً).. وأخذ ابن مشيط برأي الموظف لَمّا رآه أَوْجَه لضيق الوقت.
وعلى الرغم من كل مشاهد الروح الجماعية التي رصدتها، فقد رأيت رزمة من المعاملات التي يصل ارتفاعها إلى أكثر من شبر، يطالع كل معاملة على حِدَة ويتفحّص أوراقها، ويناقش كل معاملة تستحق النقاش مع الإدارة التي أحالتها، ويتخذ القرار بعد القرار، ويتكرر عليه خلال الدوام اليومي الواحد بين خمس إلى ثمان رزم من ذلك النوع والحجم.. وفوق ذلك، فإن الباب مفتوح لكل مواطن يَعرض مشكلته بنفسه على المحافظ، ولا يُمنع مواطن - كائنا مَن كان - مِن الدخول على المحافظ.. والمساواة قائمة بين الناس، إذ يستقبل المحافظ ابن مشيط المواطنين كما يستقبل أقاربه من آل مشيط، فالحفاوة نفسها بالترحيب والسؤال عن النفس والأهل والولد مع الجميع دون تفريق أو تمييز.. هكذا كانت مسيرة رجل خميس مشيط في تدبير أمورها.
ولا يخلو مجلس المحافظ من روح الدعابة على الرغم من إجهاد العمل، فأذكر أنه اتصل هاتفياً بشخصين ليطلبهما على وجه السرعة، وقال لكل منهما: (وشلونك يا (فلان)، أنا عبدالعزيز بن مشيط، حِط يَدك بالماء وطلّعها ولا تنشف إلا وأنت عندي)! وعلى هذا المقياس، أظنهما نزلا في بِركة وخرجا حتى نشفا (مرتين) ثم أتيا، ولم يعاتبهما على التأخّر.
ولقد لازمت الرجل روح التواضع في كل مكان وجدته فيه، وتجلّت لي بعض المظاهر في معاملته الكريمة لمخدوميه الخاصّين وسائقيه، ومناداته لهم ب (يا ولدي)، وكذلك استصحابهم معه على الموائد وتفقّدهم.. ولم ألمس هَمّاً أو قلقاً أو تَخوُّفاً من الغد في وجه أحدٍ مِمّن تعاملتُ معهم من مُستخدَمي عبدالعزيز بن مشيط، ولا أُفسِّر ذلك إلا بالمعاملة الكريمة الرحيمة التي يلقونها منه، والروح الأُسريّة التي تَحكُم ذلك التعامل، وليس الخادم والمخدوم.
ولابن مشيط ريادة على جانب كبير من الأهمية في دعم العمل الخيري في منطقة عسير، فقد تزعم إنشاء جمعيات تعاونية منذ أوائل سنوات تعيينه، ولا تزال تعمل حتى الآن، ويتولّى رئاستها الأستاذ سفر بن عبدالله البرقان من كبار أهالي المحافظة، وكان أهم الجوانب التي تهتم بها هو جانب الزراعة والبذور.. ثم أنشأ مع غيره بعدها بسنوات جمعية خيرية تهتم بتلمّس الفقراء والمحتاجين، لجمع الصدقات والمساعدات لهم من ميسوري الحال، حتى تفضلت الدولة بإعطاء الإعانات السخية للجمعيات الخيرية ونشط دور جمعيات البر الخيرية في المنطقة.. ثم تطورت جمعية خميس مشيط الخيرية التي كانت تشرف على حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتقديم المساعدات اللازمة للمحتاجين، وفتح ملف لكل أسرة، وأصبح لهذه الجمعية مبان ثابتة ومبالغ مستثمرة، ولها موقع في وسط المدينة (موقع السوق) له ريع جيد جداً، يصرف عائده في مساعدة المحتاجين والفقراء.. وفي سنة 1382هـ أَنشأت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية مركز تنمية اجتماعية في خميس مشيط، ويشترك في أداء خدمات المركز وزارة الصحة والزراعة والشؤون الاجتماعية، وكل قسم في المركز يؤدي خدماته للمعنيين به، ورأس عبدالعزيز بن مشيط عدة لجان في هذا المركز لخدمة الناس.. وأُنشئت جمعية لأصدقاء المرضى، ورأس ابن مشيط هذه الجمعية ويرأسها حتى اليوم، وقد سعى بداية إلى التبرع أولاً وجمع التبرعات ثانياً من وجهاء المنطقة.. وتقدم هذه الجمعية خدماتها للمريض المحتاج في نفسه وأهله، فيُمكّن أهل المريض من البقاء قريباً منه بتوفير كل ما يحتاجونه، ويستأجر لهم المسكن كذلك، وهكذا.. وأُنشئت جمعية لتحفيظ القرآن الكريم، وعبدالعزيز بن مشيط أحد أعضائها والداعمين لها، وافتتحت عشرات الحلقات لتحفيظ القرآن في أرجاء المحافظة.. وأُنشئت جمعية مساعدة الشباب على الزواج، وهو أحد الداعمين لها ولا يزال.
ولعبدالعزيز بن مشيط (رجل خميس مشيط) مواقف كريمة في استنقاذ الأرواح وعتق الرقاب، وقد وقفت على عشرات الوثائق والقصائد والكلمات الشاهدة على عددٍ من تلك الحالات، ولعل قضية فتاة خميس مشيط (التي كانت تُعرَف بسجينة خميس مشيط) من أهم القضايا التي كان لعبدالعزيز بن مشيط مسعاه الدائم لحلها، وعتق رقبتها منذ نشوء القضية والمشكلة، وتبقى كلمات الشكر المنشورة في الصحف لكل مَن أسهم في عتق رقبتها وعلى رأسهم ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظه الله، وأمير منطقة عسير حينذاك صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز، ونائبه حينها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز، والشيخ عبدالعزيز بن مشيط محافظ محافظة خميس مشيط حينها، وأخيه الشيخ حسين بن مشيط شيخ شمل قبائل شهران.. كل ما نشر في تلك القضية شاهد على مساعي الصلح المباركة التي تكللت بالخير على الطرفين.
إن خميس مشيط وفيّة أرضاً ورجالاً لرجالها، والاحتفالات التكريمية التي أقامها الأهالي في أكثر من موقع في خميس مشيط تقف شاهدة على الوفاء لرجل خميس مشيط، واعترافاً كريماً بالفضل لمن سخّر حياته لخدمتهم.. ففي حفل تكريم (رجل خميس مشيط) الذي أقيم مساء الأربعاء 19- 8- 1427هـ الموافق 12- 9- 2006م في خميس مشيط برعاية صاحب السمو المكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير حينذاك، ألقى الأستاذ سعيد بن عبدالله بريدي، رئيس المجلس البلدي، نيابة عن الأهالي كلمة الكثير من المشاعر الرقيقة النبيلة منهم لرجلهم، فبعد الترحيب بالحضور توجه بالحديث إلى المحتفى به:
(سعادة المحتفى به..
إذا المكارم في آفاقنا ذُكرت
فإنما بك فيها يضرب المثل
من سماء الأحلام، من معاني الخلود، نهتف لمن سار بنا ومعنا متجاوزاً أستار الماضي، مستشرفاً آفاق المستقبل، لنرسم معه صورة واقعية لمجدنا الآتي بعيداً عن تهاويل الأماني، وما مضى ليس بالزمن القصير، وما كان فيه ليس بالشيء اليسير، على الرغم من أوحال الطريق حيناً وضبابية الأجواء حيناً آخر.
فقد لا يكون من السهل تعداد نعمائك أو وصف أفضالك، فلكم عُرِفت بالخلق الفاضل، ولين الجانب، والتواضع والإيثار، مذ كنت معلماً مشاركاً في محاربة الجهل، حتى انبريت لتحمل مسؤولية المحافظة، فأبدعت وأجدت، ونفعت وأفدت، فجعلت من هذه المحافظة أنموذجاً للتكافل والتكامل، وحسن التعامل بين المسؤول والمواطن، وحرصت على رأب الصدع، وإصلاح ذات البين، نصحاً وجهداً وشخصاً ومالاً، حتى بتنا نسيجاً متآلفاً لا يخفى للعيان، فغنمناك قبل كل شيء، وكنت عوناً في كل شيء..
يد المعروف غُنم حيث تسدى
تَحمّلها شكورٌ أم كفور
فهنيئاً لك أخانا الكريم بما قدمت وأسهمت في بناء وطنك وخدمة مليكك، فها هي النفوس تحيطك بقلوب المحبة، وترمقك بعيون المودة، وتدعو لك - بنية خالصة ودعوة صالحة - أن يحفظك الله في حلّك وترحالك، ويبارك الله في عمرك، ويمتعك بالصحة والعافية.. ونؤكد على أن ترجّلك عن صهوة المسؤولية المباشرة لا يعني ابتعادك عن دائرة المشاركة، فدورك لا زال مهماً في المناصحة والمصارحة والمساندة). وتبقى كلمة هي الأهم ارتجلها دون ترتيب مع اللجنة المنظّمة للحفل صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير حينذاك، فقال فيها ما يعد شهادة تاريخية بحق (رجل خميس مشيط) عبدالعزيز بن مشيط:
"أخي وزميلي الشيخ عبدالعزيز بن سعيد بن مشيط، أصحاب المعالي، أصحاب السعادة، أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في هذا الحفل التكريمي لتقدير هذا الرجل، وإنني أسجل هنا مع باقي الإخوان هذا التقدير وهذا التكريم لهذا الرجل، ولقد عرفتُهُ قبل مجيئي إلى هذه المنطقة، ولكني سبرتُ غوره بعد أن وصلت وعملت معه وزاملته في العمل في هذه المنطقة، فوجدت فيه صدق القول ونظافة القلب وجدية العمل والنجاح في كل مسعى..
أخي عبدالعزيز: لقد تشرفتُ بزمالتك وأمثالك من الرجال في هذه المنطقة، والكل يَعْلَم عن أسرة آل مشيط وعلاقتها بآل سعود وبتاريخ آل سعود، ونحن - نُقدِّر في هذا الرجل عمله الخاص ورجولته الخاصة ومسعاه الخاص وتقدير الناس له.
أحييك، وأقول لك: لا تقاعد لك ولأمثالك من الرجال، فإنك عندما تتحول من واجهة إلى واجهة ومن ساحة إلى ساحة فإنك لا تترجّل عن مسيرة خدمة هذا الوطن وعن مسيرة التنمية في هذه المنطقة، فأنت وأمثالك وهبتم حياتكم لدينكم ولوطنكم، فلا تقاعد لكم ولا راحة لكم إلا في القبر.
أخي عبدالعزيز: اسمح لي أن أحييك بتحية أخرى، وهي بتوجيه المحافظة وبلدية المحافظة بإطلاق اسمك على شارع من أهم شوارع خميس مشيط.. شكراً لكم جميعاً.
وبعد نهاية الحفل خرج (رجل خميس مشيط) محملاً بما تنوء العصبة بحمله من الدروع والهدايا التكريمية التي تبوح بفيض من مشاعر الحب والاحترام والتقدير.