Al Jazirah NewsPaper Friday  06/07/2007 G Issue 12699
مقـالات
الجمعة 21 جمادىالآخرة 1428   العدد  12699
نوازع
الصدر والقبر
د. محمد بن عبد الرحمن البشر

عندما التفت يمنة ويسرة أشاهد من خلال التلفاز ما تبثه القنوات ووسائل الإعلام الأخرى عن المآسي التي وقعت وتقع في عالمنا العربي أعود بالذاكرة إلى قول الشاعر العربي القديم:

ونحن أناس لا توسط بيننا

لنا الصدر دون العالمين أو القبر

فهل ما يقع في عالمنا مرده إلى تعلق البعض بهذا البيت من الشعر حتى أصبح الخيار مختصرا على غايتين لا ثالث لهما، إما الصدر أو القبر؟ فالتوسط في الأمور غير وارد في رأي شاعرنا وكأنه لا يعلم أن الصدر لا يتحمل أكثر من واحد أما القبور فيمكنها أن تستضيف الناس أجمعين، ويمكن أن يصارع الجميع لنيل الغاية بالوصول إلى الصدر لكن سيموت من طلب الصدر سوى واحد فقط، وهذا ما يحدث في كثير من بلداننا العربية من أولئك الذين يحاولون الوصول إلى مبتغاهم بأي ثمن ومن خلال ما يتاح من وسائل فيسقط في الطريق من لا يساعده الحظ ويموت سواه من طالبي الصدر ومعهم الكثير من أعوانهم والمغلوب على أمرهم.. وأتمنى لإخواني في لبنان أن يسدلوا الستار على هذا البيت من الشعر ويستبدلوه بآخر كلمة فيه ليكون.

ونحن أناس لا توسط بيننا

لنا الصدر دون العالمين أو الصبر

فالصبر لمن لا يكون في الصدر، منجاة من القبر وسبيل لحفظ الدماء والأموال والأعراض.. وعندما تأتلف القلوب يتم الاستقرار والأمن فتكثر الصدور وينال كل بغيته ويسعد بما لديه ويصبر على ما فاته ويرضى بما قسم الله له، فيؤخر الورود إلى القبر الذي سيرده لا محالة.

من صالح لبنان الشقيق أن يدبر أمره بنفسه ويمنع غيره من التدخل في شأنه من خلال صراعات التصدر واستقلال هذه السجية من الغير لتحقيق مآرب قد لا تتناسب مع المصلحة التي يرتضيها لنفسه، فكل ما أخشاه أن يأكل لبنان من الغير كما أكل جحا رأس خروف أبيه ونقول الحكاية:

أن والد جحا أرسله ليشتري له رأسا مشويا فاشتراه، وجلس في الطريق يأكله فأكل عينيه وأذنيه ولسانه ولحم رأسه وحمل باقيه إلى أبيه فقال أبوه: ويحك ما هذا الذي جئت به؟ فقال الرأس الذي طلبته فقال فأين عيناه؟ قال: كان أعمى، قال فأين أذناه؟ قال: كان أصم، قال: فأين لسانه؟ قال: كان أبكم، قال: فأين لحم رأسه؟ قال: كان أقرع، قال: ويحك رده وخذ بدله قال جحا لقد باعه صاحبه لي بريئا من كل عيب.

فأنشدكم بالله ألا يعود لبنان كما عاد جحا بالرأس المشوي لأبيه، وأخشى أن يحل بلبنان ضيف يطيل المكوث كما في الحكاية التالية: نزل رجل عند قوم وأطال الضيافة فكرهوا إقامته فقال الزوج لزوجته كيف لنا أن نعلم مقدار إقامته؟ قالت نتشاجر غدا ونتحاكم إليه لنعلم متى يرحل، فتشاجرا فقالت الزوجة للضيف أستحلفك بالله الذي يبارك لك في سفرك غدا أينا أظلم؟ فقال الضيف والله الذي يبارك لي في إقامتي عندكما شهرا ما أعلم أيكما أظلم. لبنان بلد الجمال والطبيعة واللمسات الجمالية في البناء، وهكذا هو، فمن المؤمل الحفاظ عليه أو إضافة مزيد من البهاء والحسن عليه وتجنيبه الشرور والتنازع.

لبنان أنموذج التعايش في منطقتنا وفيه التباين في الأعراق والأديان والثقافات، وظل كذلك وسيظل، ودعونا نثبت لغيرنا أنه يمكننا أن نتعايش رغم التباين بدلا من أن نرفع راية من لا يستطيع، ولن يتأتى ذلك إلا بعدم التقاتل على صدور المجالس لينعم الجميع بالصدور الأخرى.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد