(علي بن أحمد آل عمر العسيري) رمزٌ أصيل من الرموز الوطنية في سماء الشعر والأدب بالمملكة العربية السعودية، وقمّة من قمم الثقافة في منطقة عسير، طالما رأيناه وسمعناه يصدح بشعره الجميل الذي يعبق بالعقيدة الصافية، والوطنية الصادقة، وتتضمخ ألفاظه ومعانيه وصوره البارعة بنفح أطياب العرعر والسدر والشبارق والرياحين، وتتراءى في سمائه شامخات أطوار تهلل وجبال السودة وقمم أبها.
ولقد خيَّم الحزن على أهالي منطقة عسير عشيّة الأربعاء الموافق 12 من جمادى الآخرة عام 1428هـ لفقد ذلك الأديب الأريب، الذي شهدته المحافل الوطنية منافحاً لشعره ونثره عن الدِّين ثم المليك والوطن، وعرفَتْه صفحات الصحف كاتباً بارعاً، ذا أسلوب أدبي مشرق، وثقافة إسلامية راسخة.
وقد تنقّل الفقيد في مناصب تعليمية ورسمية متعدّدة، من معلِّم في المدارس المتوسطة والثانوية إلى مدير المركز الإعلامي بأبها ثم مدير لمحطة تلفزيون أبها، ثم مدير المركز الإعلامي بجامعة الملك خالد، وكان إلى جانب ذلك عضواً مؤسساً لنادي أبها الأدبي منذ عام 1400هـ الذي قام بتكريمه منذ بضع سنوات وأصدر مجموعته الشعرية الكاملة تحت عنوان (من قصائدي)، وقد عمل أيضاً في عضوية مجلس منطقة عسير، وفي أمانة جائزة أبها الثقافية، كما أشرف على رئاسة تحرير مجلة الجنوب لمدة خمس سنوات، وله من المؤلّفات (أبها في التاريخ والأدب) وعدد من الدواوين الشعرية منها (رماد الوجه الحنطي) و (قصائد غاضبة) و (قصائد ناعمة) و (قصائد للوطن).
وكان الفقيد - رحمه الله - يتمتع بموهبة بارعة في امتلاك ناصية الحديث وإدارة الحوار، وترتيب عناصر الموضوع الذي يتحدث فيه منتقياً أجمل العبارات، مع عاطفة إسلامية صادقة، وروح مشربة بحب الوطن والغيرة على حرماته ومقدراته، ولأجل هذا فقد اختير ليكون منسقاً ومسؤولاً عن مركز الحوار الوطني في منطقة عسير.
وقد تزاملت مع الفقيد قبل ما يزيد على اثنين وثلاثين عاماً في مقاعد الدراسة في كلية الشريعة واللغة العربية بأبها والتي كانت تتبع فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث كان طالباً منتسباً وأنا طالب منتظم في قسم اللغة العربية، ولكن التواصل العلمي والصداقة بيننا كانت في أجمل صورها فكنت أمده بما قد يفوت عليه من المحاضرات، وأستفيد منه أنا لعمق ثقافته وطلاوة حديثه وجمال شعره ونثره، وكان - رحمه الله - يكبرني بما يقارب أربع سنوات ثم امتد التواصل بيننا من خلال اللقاءات الثقافية بنادي أبها الأدبي الذي كان يرأس مجلس إدارته سيدي الوالد الأديب الأستاذ محمد بن عبد الله الحميِّد - حفظه الله - وجزاه خيراً عن مثقفي منطقة عسير.
ولقد حمدت للفقيد علي آل عمر عسيري توجُّهه الديني الصادق في نتاجه الأدبي، وفي سمته ومظهره، وحرصه على الصلاة، وابتعاده عن المهاترات والتهويشات، وإيثاره الاعتزال في أواخر عمره عن كثير من المناشط والمناسبات التي قد تحدث له شيئاً من الحرج.
وكان آخر عهدي به - رحمه الله - يوم الاثنين 10-6-1428هـ في جلسة منطقة عسير برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز أمير منطقة عسير - حفظه الله -، حيث داخل الفقيد بمداخلة واحدة لمست فيها الإخلاص والمصداقية وحب الدِّين والوطن والتطلُّع إلى ما يرتقي بشأن المواطن، وحينما دخلت مصلَّى الإمارة لأداء صلاة الظهر وجدت الفقيد - رحمه الله - قائماً يصلي ويتضرّع إلى الله تعالى بالتلاوة والتسبيح والدعاء قبل أن يؤذِّن المؤذِّن لأذان الظهر.
وقد آثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال (أنتم شهود الله في أرضه) فأنا أشهد بالله تعالى أنّ أخانا وحبيبنا وفقيدنا علي بن أحمد آل عمر عسيري من خيرة من عرفت ديانة واستقامة وحسن خلق وحباً للدِّين ثم المليك والوطن، وأنّه من أبرز من عرفت قوة موهبة في نظم الشعر وطلاقة حديث، وبشاشة وجه، فأحسن الله عزاء أهله وذويه ومثقفي منطقة عسير، وأسأل الله سبحانه أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم آله وذويه الصبر والسلوان وإنّا على فراقك يا أبا عبدالرحمن لمحزنون ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة عسير